سلسلةُ_مشروعِ_مداراتِ_التَّحريرِ | “مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ… بقلم الدُّكتور عبداللّٰه عياصرة”

#أوراق
#مؤتمرات
#مقالات
#المَدارُ_الخامسُ #تَواشُجُ_المَعنى #أوَّلًا_المَدارُ_السَّادسُ #سؤالُ_الوجودِ
__
#ثانيًا_المَدارُ_السَّابعُ:
#سيمياءُ_الحضورِ_والغيابِ:
“أنطولوجيا النَّصِّ والوعي بين التُّراثِ والرَّقمنةِ”.
د. عبدالله عياصرة (*)
____________________
• تَصديرٌ
“إلى الذين يقرؤون البياضَ قبل السَّوادِ، وإلى العقولِ التي أدركت أنَّ كمالَ الحضورِ لا يتجلَّى إلا بجمالِ الغيابِ.. إلى الباحثين عن الحقِّ في برزخِ التَّواشُجِ، نُهدي هذا العملَ الذي يُرتجَي أن يكون لَبِنةً في صرحِ التَّحرُّرِ المعرفيِّ.
نُقدِّمُ هذا العملَ كمحاولةٍ منهجيَّةٍ لاستكشافِ آليَّاتِ الحضورِ والغيابِ في النُّصوصِ والوعي الإنسانيِّ؛ آمِلين أن يكونَ كما أُرِيد له أن يكونَ”.
• مُلَخَّصُ الدِّراسةِ (Arabic Abstract)
تتناولُ هذه الدِّراسةُ “سيمياءَ الحضورِ والغيابِ” بوصفها مِحورًا أنطولوجيًّا ومعرفيًّا يحكمُ الوجودَ والنَّصَّ. تنطلقُ من فرضيَّةِ أنَّ الحضورَ والغيابَ ليسا نقيضين، بقدرِ ما يُشكِّلانِ حالةَ “تواشُجٍ برزخيٍّ”.
تدمجُ الدِّراسةُ بين الميتافيزيقا الإسلاميَّةِ والظَّاهراتيَّةِ المُعاصرةِ، وبلاغةِ النَّظمِ عند الجُرجانيِْ والجاحظِ، وصولًا إلى الحِجاجِ وسيمياءِ النَّصِّ المُعاصرِ؛ لصياغةِ أفُقٍ للتَّحريرِ المعرفيِّ يُحرِّرُ الوعيَ من سلطةِ الماديِّ الحاضرِ.
وتسعى إلى تقديمِ أطُرٍ تحليليَّةٍ تساعدُ الباحثين على فَهمِ النُّصوصِ والسِّياقاتِ المعرفيَّةِ بشكلٍ أعمقَ.
• ABSTRACT (English)
This study examines the “Semiotics of Presence and Absence” as an ontological and cognitive axis governing existence and text. It posits that presence and absence are not opposites but a “liminal intertwining.” The study integrates Islamic metaphysics, contemporary phenomenology, and the rhetoric of “Nazm” by Al-Jurjani and Al-Jahiz, reaching into argumentation and modern semiotics to formulate a horizon for cognitive liberation. It also aims to provide analytical frameworks that deepen scholarly engagement with texts and cognitive contexts.
• الكلمات المفتاحية / Keywords
التَّواشُجُ (Intertwining)، الحضورُ والغيابُ (Presence and Absence)، الظَّاهراتيَّةُ (Phenomenology)، سيمياءُ النَّظمِ (Semiotics of Construction)، التَّحريرُ المعرفيُّ (Cognitive Liberation)، الأنطولوجيا (Ontology).
• المُقدِّمةُ المَنهجِيَّةُ
البحثَ في سيمياءِ الحضورِ والغيابِ ليس ترفًا ذهنيًّا، إنَّه ضرورةٌ وجوديَّةٌ في عصرٍ طغَتْ فيه “ثقافةُ التَّشييئ” وحضورُ المادَّةِ على غيابِ المعنى الرُّوحيِّ والقِيميِّ.
وتكمنُ مشكلةُ الدِّراسةِ في السُّؤالِ الجوهريِّ: كيف يمكنُ للغيابِ أن يكونَ مصدرًا للحضورِ؟ وكيف يسهمُ “المسكوتُ عنه” في بناءِ النَّصِّ الإقناعيِّ؟
وتعتمد الدِّراسةُ المنهجَ الظَّاهراتيَّ (Phenomenology) كأداةٍ تحليليَّةٍ إجرائيَّةٍ، لفكِّ الاشتباكِ بين “نُواةِ الحضورِ” و”أفُقِ الغيابِ”. وتَتوزَّعُ المادَّةُ العلميَّةُ على فُصولٍ متكاملةٍ، تَدمِجُ بين التُّراثِ الأصيلِ والمُعاصرةِ.
تقومُ منهجيَّةُ هذه الدِّراسةِ على تحديدِ الإشكاليَّةِ، وصياغةِ الفرضيَّةِ، واعتمادِ المنهجِ الظَّاهراتيِّ، وتوزيعِ الفصولِ وَفقَ تسلسلٍ تكامليٍّ.
كما تتضمَّنُ الدِّراسةُ فصلًا خاصًّا يُعنى بالخطابِ النَّبويِّ الشَّريفِ بوصفِهِ نموذجًا تداوليًّا مؤسِّسًا لسيمياءِ الحضورِ والغيابِ، يَتجلَّى فيه الاقتصادُ اللُّغويُّ وكثافةُ المعنى واستثمارُ الصَّمتِ والإشارةِ.
• الفصلُ الأوَّلُ:
أنطولوجيا التَّجلِّي والكُمُون (الوجودُ كنصٍّ مفتوحٍ)
الوجودُ ليس كتلةً صمَّاءَ، إنَّه حركةٌ بندوليَّةٌ بين “الظُّهورِ” و”البُطونِ”؛ فالحاضرُ هو ما تُدركُهُ الحواسُّ، والغيابُ هو الإمكانُ الذي لم يتحقَّقْ بعدُ.
وهنا يتجلَّى فِكرُ محيي الدِّين ابنُ عربي الذي ابتكرَ مفهومَ “الخيالِ”؛ ليفسِّرَ بَرزخِيَّةَ الوجودِ وكيف يغيبُ الحقُّ في الخَلقِ ويحضرُ الخَلقُ في الحقِّ. الوجودُ عنده “بحرٌ صمديٌّ” تتلاطمُ أمواجُهُ بين الظُّهورِ والبُطونِ، ويرى أنَّ “العَينَ الغائبةَ” هي الحقيقةُ القُدُسيَّةُ التي لا تُدرَكُ بالبصرِ المجرَّدِ، معتبرًا في الفتوحاتِ المكيَّةِ (ج1، ص 214) أنَّ “ما في الوجودِ إلا هو، فحُضُورُهُ في كلِّ عَينٍ غيابٌ لكلِّ عينٍ”، فالعالمُ ظِلُّ الحقِّ، والظلُّ حضورٌ يشيرُ لغيابِ الأصلِ.
ـــ مُثَلَّثُ التَّوَاشُجِ المَعْرِفِي (بنية الإدراك):
لإدراكِ هذا التَّواشُجِ، نضعُ نموذجًا هندسيًّا يفسِّرُ حركةَ الوعي بين الحضورِ والغيابٍ:
– قاعدةُ الحضورِ: تُمثِّلُ “المُدرَكَ الماديَّ” أو اللَّفظَ الظَّاهرَ (نواةُ الحضورِ الكثيفِ).
– أفُقُ الغيابِ: يُمثِّلُ “المعنى المطويَّ” أو المسكوتَ عنه (الإمكانُ المعرفيُّ اللَّطيفُ).
– رأسُ المثلثِ (القصديَّةُ/ الوعي): هو المحرِّكُ الفاعلُ الذي يربطُ بين القاعدةِ والأفُقِ لتوليدِ “الكينونةِ المعرفيَّةِ”.
وهذا ما يتقاطعُ ظاهراتيًّا مع إدموند هوسرل في مفهوم “القصديَّةِ”؛ حيث الوعي يتجاوزُ “نواةَ” الحضورِ الماديِّ للشَّيء إلى “أفُقِ” غيابِهِ وجوانبِهِ المختفيةِ التي يتمِّمُها الخيالُ (تأمُّلاتٌ ديكارتيَّةٌ، ص 85).
وفي السِّياقِ الظَّاهراتيِّ نفسِهِ، نجدُ حُجَّة الغزالي في مشكاةِ الأنوارِ (ص 54) يشرحُ كيف أنَّ الأنوارَ الإلهيَّةَ حاضرةٌ بفيضِها، لكنَّ العقولَ تغيبُ عنها بسببِ “حُجُبِ الكثافةِ”، فالغيابُ هنا حالةٌ إدراكيَّةٌ وقصورٌ في الرُّؤيةِ لا عَدَمًا في الوجودِ.
تمامًا كما يرى مارتن هايدغر في الكينونةِ والزَّمانِ (ص 110) أنَّ “الوجودَ” يغيبُ خلفَ “الموجوداتِ”، وأنَّ الحضورَ الأصيلَ يَتحقَّقُ فقط بالانكشافِ (Aletheia) الذي يتبعُهُ احتجابٌ، مواجهًا الغيابَ الأكبرَ (الموتَ).
ويتأكَّدُ هذا التَّحوُّلُ من ظاهرِ الحضورِ إلى باطنِهِ في الخطابِ النَّبويِّ الشَّريفِ: “إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكُم وأموالِكُم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكُم وأعمالِكُم” (مسلم)، فيتحوَّلُ مركزُ الحضورِ من المرئيِّ إلى القيميِّ، ومن الشَّكلِ إلى الجوهرِ.
ـــ مختبرُ الكشفِ:
يتَّضحُ هذا في تحليلِ عِمارةِ المساجدِ القديمةِ؛ إذ يتحوَّلُ الفراغُ (الغيابُ الماديُّ) إلى هيبةٍ وجلالٍ (حضورٌ قُدسيٌّ)، وفي “قراءةِ الصَّمتِ” موسيقيًّا؛ إذ السَّكتاتُ هي ما يمنحُ النَّغمَ هُويَّتُهُ، وليست فراغًا كما يتراءى لنا.
• الفصلُ الثَّاني:
لسانُ الوجودِ وسيمياءُ النَّظمِ (هندسةُ اللَّفظِ)
اللُّغةُ ليست مجرَّدَ وسيلةَ اتِّصالٍ حسبُ، هذه إحدى وظائفها كما يُعرَفُ في علومِ اللِّسانيَّاتِ والتَّداوليَّاتِ، إنَّها أيضًا “هندسةُ حضورٍ” نستدعي بها الغائبَ؛ ليحضرَ في ذهنِ المُتلقِّي، ممتثِّلين للقولِ المُعجٍزِ كما في قَولِهِ تعالى: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (النَّحلِ: 15)؛ فكما تَمنعُ الرَّواسيَ اضطرابَ الأرضِ، فإنَّ الألفاظَ تضبطُ سُيولةَ المعاني الغائبةِ.
هنا؛ يضعُ عبد القاهرٌ الجُرجانيُّ (ت 471 أو 474هـ على اختلافٍ) في دلائلِ الإعجازِ (ص 402) أساسَ نظريَّةِ “معنى المعنى”؛ فاللَّفظُ يَحضُرُ؛ ليدلَّ على معنًى يغيبُ بدورِه، ويتركُ مكانَهُ لمعنًى أعمقَ، وهو فِعلُ “إدراكٍ حسيٍّ” وتوخٍّ لمعاني النَّحوِ، ويتوافقُ هذا النَّظرُ مَعَ رؤيةِ ميرلو بونتي للُّغةِ كـ”جسدٍ تعبيريٍّ” يلامسُ المعنى.
ويؤازرُهُ الجاحظُ (ت 255هـ) ـــ السَّابقُ عليه ـــ في البيانِ والتَّبيين (ج1، ص 76)؛ إذ يرى أنَّ “الإشارةَ” و”الصَّمتَ” حضورٌ يختزلُ غيابًا طويلًا، مستخدمًا تقنيةَ أو أسلوبَ “الاستطرادِ”؛ لتجديدِ نشاطِ الحضورِ الذِّهنيِّ، في حين يرى ابنُ فارس (ت 395هـ) في معجمِ مقاييسِ اللُّغةِ (ج1، ص 4) حضورَ الجذرَ الدِّلاليَّ في كلِّ غياباتِ الاشتقاقِ.
هذا التَّرابطُ هو ما يسمِّيه نعوم تشومسكي في اللُّغةِ والذِّهنِ (ص 120) “البنيةَ العميقةَ” الغائبةُ مقابلَ “البنيةِ السَّطحيةِ” الحاضرةِ.
ويبلغُ هذا التَّكثيفُ ذُروتَهُ في البيانِ النَّبويِّ الشَّريفِ: “أوتِيْتُ جوامعَ الكَلِمِ” (البخاري)، فتصبحُ الجملةُ القصيرةُ فضاءً دلاليًّا مفتوحًا، يحضرُ فيه اللَّفظُ؛ ليغيبَ الامتدادُ.
ـــ مُختبرُ النَّظْمِ:
يَتبدَّى ذلك ـــ على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ ـــ في تحليلِ آيةِ الكرسي؛ فنرى في تراكُبِ الجملِ (حضورًا) يخلقُ هيبةَ “الحيِّ القيُّومِ” (الذَّاتُ التي تغيبُ عن الإحاطةِ).
كما يمكن ملاحظةُ حضورِ هذه الهندسةِ في نَظْمِ الشِّعرِ العربيِّ الكلاسيكيِّ، حينما يمتزجُ التَّكرارُ والإيجازُ والتَّوازي؛ ليخلقَ حضورًا مُتعدِّدَ الطَّبقاتِ للمعنى الغائبِ، وهو ما يُسمِّيه النُّقَّادُ العربُ “معنًى بين السُّطورِ”.
ـــ التَّفاعلُ بين الصَّمتِ والحضورِ:
يتجاوزُ الصَّمتُ في النَّصِّ أن يكونَ غيابًا بالمعنى المباشرِ؛ ليكونَ بشكلٍ أو بآخَرَ حضورًا ضمنيًّا، يتركُ الفراغَ الذي يملؤهُ المُتلقِّي بمعنًى جديدٍ.
في هذا السِّياقِ؛ نجدُ أنَّ الإيجازَ النَّبويَّ والاستطرادَ البلاغيَّ يشتركان في وظيفةٍ واحدةٍ: تكثيفُ الحضورِ؛ لتوسيعِ أفُقِ الغيابِ، وتحويلِ المُتلقِّي من مُتلقٍّ سلبيٍّ إلى شريكٍ في إنتاجِ المعنى.
• الفصلُ الثَّالثُ:
فضاءُ النَّصِّ وبلاغةُ التَّكوينِ (شُهودُ الوجدانِ)
الأدبُ هو “استدعاءٌ للغائبِ أو المُغيَّبِ”، كما في قوله تعالى في سورة يوسف ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ (الآية: 15)؛ فالغَيابةُ رَحِمُ الحضورِ.
في ظاهراتيَّةِ “المكانِ المعيش” لـ باشلار، نجدُ أنَّ الأطلالَ في شعرِ امرئ القيس هي حضورٌ للغيابِ؛ إذ يغيبُ الأحبَّةُ ماديًّا؛ ليحضروا روحيًّا في النَّصِّ.
أمَّا المتنبِّي، فيعيشُ صراعًا بين حضورِ الأنا وغيابِ الاستقرارِ، ومن جهةٍ أخرى يقدِّمُ طه حسين في الأيَّام (ج1، ص 12) سيرةَ “العمى” الذي يحقِّقُ حضورًا أدبيًّا عبرَ الصَّوتِ والمَلمسِ.
وفي عالم نجيب محفوظ في أولاد حارتنا (ص 45)، يحضرُ الزَّمنُ ويحكمُ الغائبُ بالسُّلطةِ الرَّمزيَّةِ. هذا الغيابُ القاتلُ يُطِلُّ برأسِهِ عند غسَّان كنفاني في صمتِ الخَزَّان، وعند صموئيل بيكيت في انتظارِ “غودو” الغائبِ.
ـــ تَعدُّدُ الأصواتِ والمُراقبةِ الدِّلاليَّةِ:
كلُّ ذلك ينصهرُ في تَعدُّدِ الأصواتِ عند باختين (الكلمةُ في الرِّوايةِ، ص 45)؛ فيغيبُ المؤلِّفُ، ويحضرُ أبطالُهُ. ويبرزُ الصَّمتُ هنا كاختيارٍ دلاليٍّ، كما في قولِهِ ﷺ: “مَنْ كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ، فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصمُتْ” (البخاري)؛ فكان الصَّمتُ هنا حضورًا أخلاقيًّا ومعرفيًّا، يُفعِّلُ قُدرةَ المُتلقِّي على المشاركةِ في إنتاجٍ المعنى.
ـــ مُختبرُ فضاءِ النَّصِّ:
ـــ تحليلُ النُّصوصٍ الشِّعريَّةِ:
التَّكرارُ، الإيقاعُ، والصَّمتُ بين الأبياتِ تعملُ على استحضارٍ المعنى الغائبِ، وتمكينٍ المُتلقِّي من إكمالِ الفضاءِ النَْصٍّيٍّ بما يَنسجمُ مَعَ تجرِبتِهِ الذَّاتيَّةِ.
ـــ النُّصوصُ النَّثريَّةُ:
كما في السَّردِ القَصصيِّ، فالفواصلُ والسَّكْتاتُ الإيقاعيَّةُ تؤسِّسُ لحضورِ المعنى الغائبِ، فتخلِقُ ديناميَّةً بين القارئ والنَّصِّ، ويصبحُ الغيابُ “حاضرًا” بشكلٍ مُتدرِّجٍ.
ـــ الحضورُ العاطفيُّ والغيابُ الرَّمزيُّ:
فكما يُقاسُ حضورُ الشَّخصيَّاتِ بالظُّهورِ الماديِّ، فإنَّه يُقاسُ بالغيابِ الرَّمزيِّ الذي يتركُ أثرَهُ على المُتلقِّي أيضًا.
الغيابُ في النُّصوصِ الأدبيَّةِ يعطي مساحةً لتفكيرِ القارئ، وتحفيزِ الخيالِ، واستدعاءِ الخبرةِ الذَّاتيَّةِ، وهو ما يمكنُ اعتبارُه بنيةً تفاعليَّةً للوعي الأدبيٍّ.
هذا المفهومُ يلتقى مَعَ الخطابِ النَّبويِّ الشَْريفٍ؛ إذ يُترَكُ الفراغُ الاستنتاجيُّ للمُتلقِّي، يقولُ النَّبيُّ ﷺ: “مَنْ دَلَّ على خيرٍ فلَهُ مِثلُ أجرِ فاعلِهِ” (مسلم)، فغيابُ التَّفاصيلِ يُحضِرُ الدِّلالةَ الكبرى ويستدعيها.
• الفَصلُ الرَّابعُ:
بلاغةُ الإيجازِ النَّبويِّ وسيمياءُ الغيابِ (نموذجٌ تداوليٌّ مؤسِّسٌ)
يُقدِّمُ الخطابُ النَّبويُّ الشريفُ نموذجًا متكاملًا لإدارةِ الحضورِ والغيابِ تداوليًّا؛ فالبيانُ النَّبويُّ فِعلٌ تداوليٌّ مولِّدٌ للمعنى، يقومُ على تكثيفِ الحضورِ، وتوسيعِ أفُقِ الغيابِ، وتفعيلِ دورِ المتلقِّي في إتمامِ الدِّلالةِ.
ـــ الإيجازُ النَّبويُّ كأداةٍ حُضوريَّةٍ:
يتأسَّسُ الإيجازُ النَّبويُّ على مبدأ الحضورِ المكثَّفِ كما في قَولِهِ ﷺ: “أوتيْتُ جوامعَ الكَلِمِ” (البخاري).
فالإيجازُ هنا استراتيجيَّةٌ لُغويَّةٌ وفكريَّةٌ تُغيِّبُ الامتدادَ اللَّفظيَّ لصالحِ حضورِ الشَّبكةِ المعنويَّةِ الكبرى أكثرَ من أن يكونَ اختصارًا شكليًّا أو اقتصادًا لفظيًّا في الظَّاهرِ.
ـــ اقتصاديَّاتُ الغيابِ والحضورِ:
ـــ اقتصاديَّاتُ الانتباهِ:
يعملُ الغيابُ اللَّفظيُّ في الإيجازِ النَّبويِّ وَفقَ مبدأ “الاقتصادِ المعرفيِّ”؛ إذ يتمُّ توفيرُ الجهدِ اللُّغويِّ (الحضورِ) لصالحِ تكثيفِ الجهدِ الذِّهنيِّ (الغيابِ) لدى المتلقِّي، فيتحوَّلُ النَّصُّ من مجرَّدِ نقلٍ للمعلومةِ إلى حالةِ استحضارٍ كلِّيٍّ للمعنى.
إذن؛ فالصَّمتُ حضورٌ دلاليٌّ وأخلاقيٌّ، وليس غيابًا، ويُوظّفُ الحذفُ لا بوصفِهِ نقصًا أو فراغًا لا معنى له، إنَّه يؤدِّي بطريقةٍ عكس المنطوقِ وظيفةً لُغويَّةً تعبيريَّةً تقومُ على “استراتيجيَّةِ إشراكٍ”، كما في قولِهِ ﷺ: “الدِّينُ النَّصيحةُ” (مسلم)؛ إذ يُغيَّبُ التَّفصيلُ لصالحِ حضورِ المعنى الكليِّ، فيتحوَّلُ المتلقِّي من مُستقبِلٍ سلبيٍّ إلى شريكٍ في إنتاجِ الدِّلالةِ.
ـــ تكثيفُ المعنى: من الظَّاهرِ إلى الباطنِ:
يُعيدُ الخطابُ النَّبويُّ ترتيبَ بنيةَ الحضورِ من الظَّاهرِ إلى الباطنِ، يقولُ ﷺ: “ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكُم” (مسلم)، فيغيبُ الظَّاهرُ الحسيُّ؛ ليحضرَ الباطنُ القِيميُّ، مؤكِّدًا أنَّ الحضورَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بوفرةِ اللَّفظِ ـــ على شرفِهِ وكرامتِهِ ـــ، ولكن بقدرةِ النَّصِّ على استدعاءِ الغائبِ.
ـــ مختبرُ التَّداوليَّةِ النَّبويَّةِ:
ـــ تحليلُ الجملِ القصيرةِ:
مثلُ قولِهِ ﷺ: “أوتِيْتُ جوامعَ الكَلِمِ”؛ إذ تصبحُ كلُّ كلمةٍ محورَ حضورٍ مُكثَّفٍ، وتَتركُ مساحةً لخيالِ المتلقِّي؛ لإكمالِ الغيابِ الدِّلاليِّ.
ـــ السِّياقُ الأخلاقيُّ والرُّوحيُّ:
حضورُ المعنى لا يتمُّ بالعرضِ الخارجيِّ، إنَّما بقدرةِ النَّصِّ على الحفرِ في القِيمِ الرُّوحيَّةِ.
ـــ الاستراتيجيَّاتُ التَّداوليَّةُ:
من مثلِ: تفعيلِ دَورِ المتلقِّي، وتمكينِ الغيابِ الرَّمزيِّ من توجيهِ الاستنتاجاتِ، وخلقِ ديناميَّةٍ معرفيَّةٍ مستمرَّةٍ بين النَّصِّ والمستقبَلِ.
ـــ الإيجازُ والتَّواشجُ الرَّمزيُّ:
يتيحُ الإيجازُ النَّبويُّ ربطَ الحضورِ بالغيابِ عبرَ استدعاءِ عناصرَ خارجَ النَّصِّ مباشرةً، مثل الخلفيَّاتِ الثقافيَّةِ والرََمزيَّةِ.
هذه الخاصيَّةُ تجعلُ الخطابَ النَّبويَّ نموذجًا لتنظيمِ المعنى في سياقٍ محدودِ المواردِ اللَّفظيَّةِ، ما يجعلُهُ مرجعًا لدراساتِ سيمياءِ النُّصوصِ الحديثةِ.
ـــ ختامُ الفصلِ الرَّابعِ:
دراسةُ الإيجازِ النَّبويِّ تؤكُّدُ أنَّ العلاقةَ بين الحضورِ والغيابِ تقومُ على التَّكاملِ لا التَّضادِّ.
فالإيجازُ يعزِّزُ حضورَ المعنى في ذهنِ المتلقِّي، في حين أنَّ الغيابَ يحفِّزُ قدرةَ القارئ على المشاركةِ والتَّأمُّلِ، وهو ما يؤسِّسُ نموذجًا تداوليًّا مؤسِّسًا لسيمياءٍ عربيَّةٍ – إسلاميَّةٍ للحضورِ والغيابِ.
• الفصلُ الخامسُ:
موازينُ الحِجاجِ وظاهراتيَّةُ التَّأثيرِ
يُمثِّلُ الحِجاجُ امتدادًا عمليًّا لنموذجِ الحضورِ والغيابِ التَّداوليِّ الذي أرساه الخطابُ النَّبويُّ الشَّريفُ؛ فهو إدارةُ حضورِ الدَّليلِ مَعَ تغييبِ الخلفيَّاتِ المشتِّتةِ، ويعملُ على ترسيخِ المعنى في وعي المتلقِّي.
ـــ الحِجاجُ كإدارةٍ للغيابِ والحضورِ:
الحِجاجُ “أداةُ إبرازٍ” استراتيجيَّةٍ؛ فالحُجَّةُ تبرزُ لتكونَ حاضرةً أمامَ المتلقِّي، ومن طرفٍ آخَرَ تُغيَّبُ التَّفاصيلُ غيرُ الأساسيَّةِ؛ لتتركَ مجالًا للتَّركيزِ على المغزى المركزيِّ.
مثلُ ذلكَ نجدُهُ في القرآنِ الكريمِ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} (الأنعام: 153)؛ فتَحضرُ دلالةُ “الطَّريقُ المستقيمُ” حضورًا واضحًا، وفي المقابلِ يَغيبُ التَّفصيلُ عن كيفيَّةِ السَّيرِ فيهِ، فتتركُ مساحةً للتَّفكُّرِ والتَّدبُّرِ.
ـــ الظَّاهراتيَّةُ والحِجاجُ:
اعتمادُ مفهومِ “البروزِ” (Salience) في الظَّاهراتيَّةِ: الحضورُ المكثَّفُ لعنصرٍ معيَّنٍ مقابلَ تغييبِ عناصرَ أخرى، كما يُلحَظُ في فلسفةِ هوسرل وهايدغر؛ فالوعيُ يَلتقِطُ الظَّواهرَ الحاضرةَ، ويُبقي الغائبَ كمصدرٍ لإكمالِ المعنى.
الحِجاجُ هو تحويلُ الغيابِ إلى فعلٍ معرفيٍّ؛ فالغيابُ هنا ليس فراغًا، كما يبدو في الظَّاهرِ، إنَّه مساحةٌ معرفيَّةٌ يحتاجُها المتلقِّي لإنتاجِ المعنى.
ـــ التَّطبيقاتُ النَّبويَّةُ للحِجاجِ:
ـــ تغييبُ التَّفاصيلِ لإبرازِ الجوهرِ:
مثلُ قولِ النَّبيِّ ﷺ: “مَنْ كانَ يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيَقلْ خَيرًا أو لِيَصْمُتْ” (البخاري)، فنلحظُ غيابَ الوصفِ التَّفصيليِّ لأفعالِ الخيرِ لصالحِ الحضورِ العمليِّ للأمرِ الأخلاقيِّ.
ـــ ترتيبُ الحضورِ وَفقَ أولويَّةِ المعنى:
يَتَّضحُ في قولِ النَّبيِّ ﷺ: “إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوركِم وأموالِكُم، ولكن يَنظَرُ إلى قلوبِكُم وأعمالِكُم” (مسلم)؛ فيغيبُ الملموسُ ويبرزُ القيميُّ.
* تفعيلُ دورِ المتلقِّي: الحِجاجُ النَّبويُّ يجعلُ القارئَ شريكًا في إكمالِ الفراغِ؛ إذ يكتشفُ العلاقةَ بين الغائبِ والحاضرِ، ويستشعرُ المعنى الأخلاقيَّ والجماليَّ.
* حِجابُ المعنى: استراتيجيَّةٌ حِجاجيَّةٌ ومعرفيَّةٌ يتمُّ فيها تغييبُ بعضِ الدِّلالاتِ المباشرةِ في النُّصوصِ الرَّمزيَّةِ أو الصُّوفيَّةِ، لا بداعي الغموضِ، وإنَّما لصيانةِ المعنى من الابتذالِ، وتفعيلِ قدرةِ القارئِ على العبورِ من الحجابِ إلى التَّجلِّي.
يوافقُ هذا ما ذهبَ إليه بيرلمان في مصنَّفِ الحِجاجِ، ودريدا في علمِ الكتابةِ، إذ يظلُّ الحضورُ مرتبطًا ــ دائمًا ــ بالغائبِ كـ”أثرٍ مستمرٍّ”.
وعليهِ؛ فتكاملُ الحِجاجِ يعزُّزُ تكثيفَ الحضورِ ويستثمرُ الغيابَ في خلقِ ديناميَّةٍ معرفيَّةٍ كما رأينا في الفصلِ الرَّابعِ من خلالِ الرَّبطِ بين الإيجازِ النَّبويِّ، وسيمياءِ الغيابِ، ووعيِ المتلقِّي، وهذا يؤكِّدُ أنَّ الفعلَ التَّداوليَّ للنَّصِّ لا يقتصرُ على النَّقلِ، ويتجاوزُهُ إلى توليدِ التََجربةِ المعرفيَّةِ.
ـــ مختبرُ الحِجاجِ:
ـــ أدواتُ الحِجاجِ: الاستدلالُ، الإغراقُ في الأثرِ، الحذفُ الاستراتيجيُّ، ترتيبُ الأولويَّاتِ، وإبرازُ المغزى.
ـــ أمثلةٌ تحليليَّةٌ:
ـــ ابنُ رشدٍ، فصلُ المقالِ: إبرازُ التَّعارضِ وغيابُ التَّفاصيلِ الثَّانويَّةِ؛ لتركِ القارئِ يستخلصُ البنيةَ المنطقيَّةَ.
ـــ طه عبدُ الرَّحمنِ، أصولُ الحوارِ: المرابطةُ الأخلاقيَّةُ تغيبُ فيها السُّلطةُ المباشرةُ، ويبرزُ أثرُ الحِجاجِ في تفعيلِ الضَّميرِ.
ـــ أرسطو، القياسُ المُضمَرُ: حذفُ جزءٍ من المنطقِ (غيابٌ)؛ لخلقِ حضورٍ إقناعيٍّ فعَّالٍ.
ـــ ختامُ الفصلِ الخامسِ:
إنَّ الحِجاجَ، وظاهراتيَّةَ التَّأثيرِ، وحجابَ المعنى تشكِّلُ نموذجًا معرفيًّا متكاملًا يربطُ بين الحضورِ والغيابِ بطريقةٍ عمليَّةٍ وتطبيقيَّةٍ، ويؤكِّدُ أنَّ النَّصَّ ليس سلعةً جاهزةً، إنَّه ديناميَّةٌ مستمرَّةٌ بين الحضورِ والغيابِ، وهو ما يجعلُ الخطابَ النَّبويَّ نموذجًا مؤسِّسًا لسيمياءٍ عربيَّةٍ – إسلاميَّةٍ للتَّواصُلِ والمعنى.
• الفصلُ السادسُ:
أُفُقُ التَّحريرِ وفتوحاتُ الاستشرافِ
التَّحرُّرُ في السِّياقِ المعرفيِّ والأدبيِّ هو فعلُ كشفِ الغطاءِ، كما جاءَ في قولهِ تعالى: {وَيُخْرِجُكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة: 257)، وهو فعلٌ ظاهراتيٌّ بامتيازٍ؛ فيُمثُّلُ الانكشافُ (Aletheia) إزالةَ الحجبِ عن الحقيقةِ واستدعاءَ المعنى الغائبِ.
ـــ بيداغوجيا الفجوةِ:
ـــ مبدأُ الفجوةِ:
في العمليَّةِ التَّعليميَّةِ والمعرفيَّةِ، يتمُّ غيابُ المعلومةِ النِّهائيَّة؛ ليحضرَ شغفُ السُّؤالِ والبحثِ الذَّاتيِّ، فيتيحُ هذا للمستقبِلينَ أنْ يتفاعلوا مع النُّصوصِ بشكلٍ أعمقَ، ويصبحَ التَّعلُّمُ تجربةً وجوديَّةً، وليس مجرَّدَ حفظٍ سلبيٍّ.
تتَّضحُ هذه الفكرةُ في تحليلِ النُّصوصِ الأدبيَّةِ:
فالغيابُ المتعمَّدُ للأحداثِ أو التَّفاصيلِ في الرِّواياتِ العربيَّةِ الكلاسيكيَّةِ والمعاصرةِ ـــ على سبيلِ المثالِ ـــ يحفِّزُ القارئَ على ملءِ الفجوةِ الذِّهنيَّةِ؛ ليصبحَ الحضورُ تجربةً فعليَّةً داخليَّةً.
ـــ خوارزميَّاتُ الإيحاءِ:
في العالمِ الرَّقميِّ، الغيابُ يصبحُ أداةَ تحفيزٍ معرفيٍّ: فعدمُ الإفصاحِ الكاملِ عن جميعِ المعلوماتِ أو المعاني يحفِّزُ الذِّهنَ على التَّفاعلِ مَعَ النُّصوصِ الرَّقميَّةِ.
ويتَّضحُ هذا في استخدامِ وسائلِ التَّواصلِ الحديثةِ؛ إذ تُخلَقُ مساحاتٌ غيابيَّةٌ معرفيَّةٌ لاستدعاءِ حضورِ المتلقِّي الذِّهنيِّ، مؤكِّدًا أنَّ الغيابَ لا يعني الفراغَ، إنَّه فرصةٌ للتَّأمُّلِ والاستنتاجِ.
ـــ التَّحرُّرُ المعرفيُّ:
التَّحرُّرُ؛ تمكينُ العقلِ من استدعاءِ المعنى الغائبِ في مواجهةِ سيولةِ الحاضرِ الماديِّ، وهو امتدادٌ للفكرةِ المركزيَّةِ لما قدَّمْناه، وعرَضْنا له في الفصولِ السَّابقةِ؛ إذ إنَّ تفاعلِ الحضورِ والغيابِ كانَ محورًا أساسيًّا.
ومن ذلك على سبيلِ الذِّكرِ والتَّمثيلِ، عندَ قراءةِ النُّصوصِ القرآنيَّةِ أو النَّبويَّةِ، لا يكتفي المتلقِّي بما هو حاضرٌ في اللَّفظِ، بقدرِ ما يستدعي المعنى الغائبَ والقيميَّ، كما في قولهِ ﷺ: “الدِّينُ النَّصيحةُ” (مسلم)؛ فيغيبُ التَّفصيلُ ليحضرَ الجوهرُ.
ـــ التَّكاملُ بين الحضورِ والغيابِ:
لا يُنظَرُ للحضورِ المكثَّفِ والنُّصوصِ الغائبةِ على أنَّهما متناقضانِ، فهما “تواشجٍ برزخيٍّ” يُنتِجُ الكينونةَ المعرفيَّةَ.
ويحدثُ التَّحرُّرُ المعرفيُّ عندما يستطيعُ المتلقِّي الموازنةَ بين ما يحضرُ وما يغيبُ، واستخدامَ الغيابِ كأداةٍ لفهمٍ أعمقَ، وهو ما يربطُ عُقدةَ الفصلِ السَّادسِ بالفصولِ السَّابقةِ، خصوصًا الفصلان؛ الرََابعُ والخامسُ.
ـــ أُفُقُ الاستشرافِ الرقميِّ:
في عصرِ الرَّقمنةِ، يصبحُ الغيابُ والحضورُ ديناميكيَّاتٍ افتراضيَّةً: يغيبُ الجسدُ الماديُّ ويبرزُ الوعيُ الافتراضيُّ، وتتشابكُ المساحاتُ الغائبةُ والمعرفةُ المستدعاةُ.
يرى باودريار أنَّنا في “واقعٍ فائقٍ” تتلاشى فيه الحدودُ بين الحضورِ والغيابِ، بينما يحذِّرُ ليڤيناس من تغييبِ “وجهِ الآخرِ” الذي يمثِّلُ البعدَ الأخلاقيَّ للوعيِ.
ويؤكِّدُ مارشال مكلوهان أنَّ التقنيةَ هي امتدادٌ للحضورِ الماديِّ، ويرافقُها الغيابُ الرقميُّ الذي يستدعي وعيَ الإنسانِ لمواجهةِ سيلِ الصورِ والانطباعاتِ.
ـــ مختبرُ التَّحرُّرِ:
دراسةُ “الأدبِ الرَّقميِّ” تكشفُ أنَّ غيابَ التَّفاصيلِ الرَّقميَّةِ يدفعُ المتلقِّي لاستدعاءِ المعنى، ويحقِّقُ تجربةً معرفيَّةً تحرُّريَّةً.
فنجدُ ــ مثلًا ــ الغيابَ العلنيَّ للمعلومةِ أو المعنى المقصودِ في النُّصوصِ الدِّينيَّةِ، يُنشئُ مساحةً للتَّفكيرِ الأخلاقيِّ والفكريِّ، ويعزُّزُ الانخراطَ الذِّهنيَّ، كما في القَصصِ القرآنيِّ والحِجاجِ النَّبويِّ.
ـــ خاتمةُ الفصلِ السادسُ:
إنَّ أُفُقَ التَّحريرِ هو تمكينُ الوعيِ من التَّفاعلِ مَعَ الحضورِ والغيابِ في آنٍ واحدٍ، وهو مرحلةٌ متقدِّمةٌ في دراسةِ “سيمياءِ الحضورِ والغيابِ”؛ إذ يصبحُ الغيابُ أداةً معرفيَّةً فعَّالةً، والحضورُ وسيلةً لاستدعاءِ المعنى.
كما يفتحُ هذا الفصلُ آفاقًا لاستشرافِ التَّحولاتِ الرَّقميَّةِ والمعرفيَّةِ المستقبليَّةِ، مؤكدًا أنَّ الكينونةَ المعرفيَّةَ لا تتحقَّقُ إلا بتكاملِ الحضورِ والغيابِ، واستدعاءِ المعاني الغائبةِ.
• الفصلُ السَّابعُ:
جدليَّةُ “التَّخليقِ” ومستقبلُ الكينونةِ الرَّقميَّةِ
في هذا العصرِ الرَّقميِّ، تتراءى جدليَّةُ الحضورِ والغيابِ في إعادةِ صياغةِ الكينونةِ الإنسانيَّةِ؛ حينما يغيبُ الجسدُ الماديُّ؛ ليظهرَ “تضخُّمٌ ظاهراتيٌّ” للوعيِ الافتراضيِّ، وتصبحَ الكينونةُ مزيجًا بين الواقعِ الماديِّ والفضاءاتِ الرَّقميَّةِ المتخيَّلةِ.
ـــ التَّحوُّلاتُ الرَّقميَّةُ:
يرى باودريار أنَّنا نعيشُ في “واقعٍ فائقٍ” تتلاشى فيه الحدودُ بين الحضورِ والغيابِ، وتصبحُ الكائناتُ الرَّقميَّةُ امتدادًا للحضورِ الماديِّ، في حين يغيبُ الأصلُ الماديُّ، ما يخلقُ تضادًّا بين الحقيقيَّةِ والتَّجربةِ الرَّقميَّةِ.
ومن جهةٍ أخرى؛ يحذِّرُ إيمانويل ليفيناس من تغييبِ “وجهِ الآخَرِ” عبرَ الوسائطِ الرَّقميَّةِ؛ إذ يتحوَّلُ الحضورُ الإنسانيُّ إلى مجرَّدِ تمثيلٍ افتراضيٍّ، ويختفي البُعدُ الأخلاقيُّ للتَّفاعلِ.
ويؤكِّدُ مارشال مكلوهان في “الوسيلةُ هي الرِّسالةُ” أنَّ التَّقنيةَ هي امتدادٌ للحواسِّ والحضورِ الماديِّ، وأنَّ الغيابَ الرَّقميَّ يشكُّلُ تحديًا لاستعادةِ الوعيِ النَّقديِّ.
ـــ التَّخليقُ الرَّقميُّ:
“التَّخليقُ” هو عمليَّةُ إعادةِ تركيبِ الوجودِ والمعنى عبرَ الوسائطِ الرَّقميَّةِ، حيثُ يحضرُ الغائبُ في صورةٍ افتراضيَّةٍ أو تفاعليَّةٍ.
يتمثَّلُ هذا في العوالمِ الافتراضيَّةِ، كألعابِ المحاكاةِ، والذَّكاءِ الاصطناعيِّ؛ حيثُ يخلقُ الغيابُ مساحةً لاستحضارِ المعنى وإعادةِ التَّفاعلِ مَعَ الواقعِ.
يظهرُ هذا التَّفاعلُ في الأدبِ الرَّقميِّ المعاصرِ، لحظةَ غيابِ المؤلِّفِ؛ ليحضرَ النَّصُّ كفضاءٍ مفتوحٍ للتَّفسيرِ، ويصبحُ المتلقِّي شريكًا في إنتاجِ المعنى كما في النُّصوصِ النَّبويَّةِ والإشاراتِ القرآنيَّةِ.
ـــ تَمثُّلاتُ “الأفاتار”: ذُروةُ الحضورِ الغائبِ:
يظهرُ “التَّخليقُ” في أبهى صورِهِ الأنطولوجيَّةِ عبرَ مفهومِ “الأفاتار” (Avatar)؛ إذ يحقِّقُ الإنسانُ حضورًا كليًّا في الفضاءِ الرَّقميِّ بـ”وعيٍ فاعلٍ” رغمَ الغيابِ التَّامِّ لـ”الجسدِ الماديِّ”.
الأفاتار ليس مجرَّدَ قناعٍ، إنَّه وسيطٌ سيميائيٌّ يجعلُ “الغيابَ الفيزيائيَّ” شرطًا لـ”حضورٍ افتراضيٍّ” مكثَّفٍ، ممَّا يثبتُ أنَّ الكينونةَ في العصرِ الرَّقميِّ أصبحتْ “برزخًا” تقنيًّا يجمعُ بين ما هو كائنٌ وما هو متخيَّلٌ.
ـــ أُفُقُ الكينونةِ المستقبليَّةِ:
الكينونةُ الرَّقميَّةُ تطرحُ أسئلةً أنطولوجيَّةً وفلسفيَّةً حولَ حضورِ الإنسانِ وغيابِهِ: هل يصبحُ الحضورُ مرتبطًا بالشَّكلِ الماديِّ أم بالوعيِ الافتراضيِّ؟
تتطلَّبُ هذه المرحلةُ منهجيَّةً جديدةً في فهمِ النُّصوصِ والسُّلوكيَّاتِ الرَّقميَّةِ، تعتمدُ على التَّواشجِ بين الحضورِ الماديِّ والغيابِ الافتراضيِّ، وتستثمرُ استراتيجيَّاتِ؛ الإيحاءِ، الصَّمتِ، والاختزالِ التَّداوليِّ.
ـــ مختبرُ الكينونةِ الرَّقميَّةِ:
في الفضاءِ الرَّقميِّ، تتحوَّلُ عناصرُ الحضورِ التَّقليديِّ، مثلُ؛ الصَّوتِ، الصُّورةِ، والملمسِ إلى رموزٍ افتراضيَّةٍ للحضورِ، وفي الوقتِ نفسِه يصبحُ الغيابُ فِعلًا معرفيًّا، يمنحُ العقلَ الفرصةَ لاستدعاءِ المعنى والتَّفاعلِ النَّقديِّ.
هذا يعيدُ إنتاجَ النَّموذجِ التَّداوليِّ للنُّصوصِ النَّبويَّةِ: فالغيابُ المقصودُ ليس فقدانَ المعنى، بقدرِ ما هو إتاحةُ مجالٍ للخيالِ والاستنتاجِ الأخلاقيِّ، وتعزيزُ الإدراكِ المعرفيِّ العميقِ.
ـــ توصياتُ الفصلِ السَّابعِ:
من المهمِّ تطويرُ منهجيَّاتٍ نقديَّةٍ تربطُ الحضورَ والغيابَ بالفضاءِ الرَّقميِّ؛ لتعليمِ الطُّلابِ كيفيَّةَ التَّعاملِ مع النُّصوصِ الرَّقميَّةِ بوعيٍ نقديٍّ.
ينبغي دمجُ السِّيمياءِ الإسلاميَّةِ للحضورِ والغيابِ في الدِّراساتِ الرَّقميَّةِ؛ لاستحضارِ نموذجِ التَّداوليَّةِ النَّبويَّةِ كمثالٍ تطبيقيٍّ لإدارةِ المعنى في بيئاتٍ متغيِّرةٍ.
تعزيزُ وعيِ المستخدمينَ بتوازنِ الحضورِ والغيابِ الرَّقميِّ يخلقُ مساحةً معرفيَّةً أخلاقيَّةً، ويؤسِّسُ لكينونةٍ رقميَّةٍ أكثرَ توازنًا وحريةً.
• الخاتمةُ
انتهتِ الدِّراسةُ إلى أنَّ التَّواشجَ بين الحضورِ والغيابِ يشكِّلُ القاعدةَ الكليَّةَ للمعرفةِ والجمالِ واليقينِ، سواءً أكان في النُّصوصِ الأدبيَّةِ، والخطابِ الدِّينيِّ، أم الفضاءِ الرَّقميِّ.
لا يتحقَّقُ التَّحررُ المعرفيُّ إلا بقدرةِ المتلقِّي على إحضارِ المعاني الغائبةِ، واستثمارِ الغيابِ كأداةٍ معرفيَّةٍ، كما أكَّدَ النَّموذجُ التَّداوليُّ للنُّصوصِ النَّبويَّةِ: الحضورُ الحقيقيُّ لا يُقاسُ بوفرةِ اللَّفظِ، وإنَّما بقدرتِهِ على استدعاءِ الغائبِ، وهو ما ينبغي دمجُهُ في المناهجِ النَّقديَّةِ والأدبيَّةِ الحديثةِ.
• الخُلاصةُ والتَّوصياتُ العامَّة
ـــ الخلاصةُ:
خَلَصت الدِّراسةُ إلى أنَّ التَّواشجَ بين الحضورِ والغيابِ هو المحورُ الأنطولوجيُّ والمعرفيُّ الأساسيُّ لفهمِ النُّصوصِ والوعيِ الإنسانيِّ، سواءً أكان في النُّصوصِ الأدبيَّةِ، والخطابِ الدِّينيِّ، أم الفضاءِ الرَّقميِّ.
وأكَّدتْ على النِّقاطِ الجوهريَّةِ الآتيةِ:
* الحضورُ والغيابُ ليسا نقيضينِ، بقدرِ ما يُشكِّلان حالةً برزخيَّةً متشابكةً: الحضورُ يكشفُ عن الغيابِ، والغيابُ يُثمرُ حضورًا معرفيًّا وروحيًّا.
* النَّموذجُ التَّداوليُّ للنُّصوصِ النَّبويَّةِ يعيدُ تعريفَ الحضورِ من الظَّاهرِ إلى الجوهرِ، ويستثمرُ الغيابَ كأداةِ استدعاءٍ للمعنى لا كمفارقة بينهما.
* الخطابُ الرَّقميُّ يعيدُ إنتاجَ جدليَّةِ الحضورِ والغيابِ؛ إذ يتحوَّلُ الجسدُ الماديُّ إلى غيابٍ افتراضيٍّ، والحضورُ يصبحُ امتدادًا رقميًّا للوعيِ.
* التَّحرُّرُ المعرفيُّ يتحقَّقُ بقدرةِ المتلقِّي على إدراكِ الغائبِ، واستثمارِ الصَّمتِ والإيجازِ كأدواتٍ معرفيَّةٍ؛ لتوسيعِ أُفُقِ الفهمِ.
ـــ التَّوصيات:
* دمجُ سيمياءِ الغيابِ والحضورِ في المناهجِ النَّقديَّةِ والتَّربويَّةِ؛ لتعليمِ الطُّلابِ كيفيَّةَ إدراكِ المعاني الغائبةِ.
* تطويرُ أدواتٍ تحليليَّةٍ جديدةٍ للنُّصوصِ الرَّقميَّةِ، تأخذُ في الاعتبارِ التَّضخُّمَ الظَّاهراتيَّ والغيابَ الافتراضيَّ للوعيِ.
* تطبيقُ النَّموذجِ التَّداوليِّ النَّبويِّ كمرجعيَّةٍ لإدارةِ الحضورِ والغيابِ في الخطابِ الأدبيِّ، الثَّقافيِّ، والرَّقميِّ.
* الاستفادةُ من التَّراكمِ المعرفيِّ للتُّراثِ البلاغيِّ العربيِّ (الجُرجانيُّ، الجاحظُ، ابنُ عربيٍّ، وغيرُهم) في صياغةِ منهجيَّاتٍ جديدةٍ للبحثِ النَّقديِّ.
* تعزيزُ الوعيِ الأخلاقيِّ في الفضاءِ الرَّقميِّ من خلالِ إدراكِ حضورِ الغائبِ، واستثمارِ الغيابِ كأداةٍ للإبداعِ والاستدلالِ، وليس كمفارقةٍ أو تناقضٍ بينهما.
* فتحُ أُفُقٍ بحثيٍّ مستقبليٍّ لدراسةِ أثرِ التَّواشجِ بين الحضورِ والغيابِ في الأدبِ الرَّقميِّ والفنونِ الافتراضيَّةِ، وربطِهِ بالخطابِ الإسلاميِّ التَّقليديِّ.
___________________
(*) د. عبدالله عياصرة |
باحثٌ وأكاديميٌّ أردنيٌّ، متخصِّصٌ في لسانيَّاتِ المُصطلحِ وفقه اللُّغةِ العربيَّةِ. يَشتغلُ على مشروعِه الحضاريِّ الفلسفيِّ، والنَّقديِّ الثَّقافِيِّ “مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ”؛ إذْ يندرجُ “تواشُجُ المعنى” في سياقٍ إبستمولوجيٍّ مُعاصرٍ بوصفه مقاربةً أنطولوجيةً تكامليَّةً تسعى إلى إعادةِ وَصلِ العلاقةِ بين الفكرِ الفلسفيِّ والشُّهودِ العِرفانيِّ.
•📘 المراجعُ والمصادرُ (Bibliography)
ـــ المراجعُ العربيَّةُ:
1. ابن عربي، محيي الدِّين، الفتوحاتُ المكيَّةُ، دار الكتب العلميَّة، بيروت، 2001.
2. الجُرجانيُّ، عبد القاهر، دلائلُ الإعجازِ، تحقيق: أحمد محمَّد شاكر، دار المعارف، القاهرة، 1958.
3. الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتَّبيين، دار صادر، بيروت، 1997، ج1.
4. ابن فارس، أحمد، مقاييسُ اللُّغةِ، دار الكتب العلميَّة، بيروت، 1995، ج1، ص4.
5. طه حسين، الأيَّام، دار المعارف، القاهرة، 1968، ج1، ص12.
6. نجيب محفوظ، أولاد حارتنا، دار الشُّروق، القاهرة، 2005، ص45.
ـــ المراجعُ الأجنبيَّةُ والمعاصرةُ:
7. هايدغر، مارتن، الوجود والزَّمان، ترجمة: أحمد خالد مصطفى، دار الفارابي، بيروت، 2011، ص110.
8. هوسرل، إدموند، تأمُّلات ديكارتيَّة، ترجمة: علي محمَّد حيدر، دار الفكر العربي، دمشق، 1989، ص85.
9. عبد الرَّحمن، طه، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 1995، ص55.
10. بيرلمان، تشايم، مُصنَّف في الحِجاج، ترجمة: محمَّد عبد الله، دار الفكر، بيروت، 2000، ص142.
11. باودريار، جان، المصطنع والاصطناع، ترجمة: أحمد عبده، دار المدى، دمشق، 2002، ص20.
12. ليفيناس، إيمانويل، الأخلاق والغيريَّة، ترجمة: مصطفى عبد الغني، دار الفكر، بيروت، 2004، ص44.
13. تشومسكي، نعوم، اللُّغة والذِّهن، MIT Press, Cambridge, 2006، ص120.
14. مارشال مكلوهان، الوسيلة هي الرِّسالة، ترجمة: أحمد سعيد، دار الكتاب العربي، القاهرة، 2005، ص15.
ـــ النُّصوص الدِّينيَّة:
15. القرآن الكريم، المصحف الشَّريف، مَجمَع الملك فهد لطباعة المصحف الشَّريف، المدينة المُنوَّرة، 1417 هـ/ 1996 م.
16. البخاري، محمَّد بن إسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عفيفي، دار إحياء التُّراث العربي، بيروت، 2000 (كتاب فضائل القرآن، حديث رقم 5005).
17. مسلم، عبد الله بن الحسين، صحيح مسلم، دار إحياء التُّراث العربي، بيروت، 2000 (كتاب البِرِّ والصِّلة، حديث رقم 2564).
____________________
• تَمَّ تحريرُهُ بحمدِ اللهِ لَيلةِ الإثنين، بتاريخِ: 10.04.2026
• ويتبعُهُ المَدارُ الثَّامنُ بإذنِ المولى عزَّوجَلَّ وتوفيقِه وتيسيرِهِ.