
أنا لا أبكي.
أنا أُعيدُ ترتيبَ الخراب داخلَ عيني.
أتركُ للدمعةِ أن تفكِّرَ وحدها قبلَ أن تسقط.
أنا ابنُ صلصالٍ تعلّمَ شكلَ الإنسان ولم يتعلمْ كيف يحميه.
ابنُ أرضٍ كلما غسلتْ وجهها بالمطر ظهرَ تحتَ الماء وجهُ قتيل.
أمشي.
لا لأن الطريقَ يحبني، بل لأن الوقوفَ صار نوعاً آخرَ من الموت.
أمشي وفي ظهري مقبرةٌ صغيرة لكل حلمٍ صدّقته.
كنتُ أظنُّ أن الثقافةَ مفتاحُ باب.
ثم اكتشفتُ أن بعضَ الأبواب لا تفتحها المفاتيح، بل تفتحها القرابة، والمال، والخوف، وابتسامةٌ صفراء في الوقت المناسب.
يا للثقافة!
كم أنتِ عظيمة في الكتب.
وكم تبدين فقيرةً حين يجوعُ الكاتب.
أمّي قالت:
ماذا أعطتكَ الثقافة؟
لم أعرف بماذا أجيبها.
قلتُ في داخلي:
أعطتني عينين أرى بهما ما لا يريدُ الآخرون أن أراه.
وأعطتني لساناً يصعبُ عليه أن يصفِّقَ للكذب.
وأعطتني قلباً لا يعرفُ كيف يعيشُ بلا سؤال.
ثم دفعتُ الثمن.
كلَّ يوم.
دفعتُه من نومي.
من صحتي.
من وحدتي.
ومن أعمارٍ كان يمكنُ أن تكون أخفَّ من هذا كله.
قالوا:
ما أفادتكَ الثقافة.
ضحكتُ.
كان سؤالهم أكثرَ ثقافةً من كل الإجابات.
فماذا أفعل بقصيدةٍ لا تُشترى بها وجبة؟
ماذا أفعل بكتابٍ لا يمنعُ فاتورةً من الوصول؟
ماذا أفعل بمقالٍ حين يكونُ صاحبُ المقال هو نفسه من ينتظرُ يداً تقول له:
خذ…
وعش.
أنا لا أطلبُ ثروة.
أريدُ فقط أن لا أحتاجَ إلى الانحناء.
وهذه، في بلادٍ كثيرة، أغلى من الثروة.
رأيتُ شيخاً يخشى من عنزة.
لكنه يتحدثُ عن قيادة القوم.
قلتُ:
يا سيِّدي، القطيعُ يحتاجُ إلى راعٍ.
لا إلى لقب.
فضحك.
وضَحكَ معه من اعتادوا أن يسموا الخوفَ حكمة.
رأيتُ رجلاً يبحثُ عن الشجاعة في وجوه الآخرين.
وحين وجدها هرب.
ورأيتُ قريباً يكرهُ الحقيقة لأنها قالت له:
أنت مخطئ.
فصار الخطأُ عند العائلة فضيلةً، والحقيقةُ فضيحة.
ورأيتُ من يتمنى أن أغيب.
لا لأنني آذيته.
بل لأن كلمةً خرجت من فمي أزعجت راحته.
يا للعائلة!
أحياناً تكون صلةُ الدم أضعفَ من صلةِ المصلحة.
وأحياناً يصبحُ القريبُ غريباً حين تقول له الحقيقة.
وأحياناً يصبحُ الغريبُ أخاً حين يسمعُ وجعك ولا يسأل:
من أي عشيرةٍ أنت؟
أنا تعبت.
لكنَّني لا أملكُ رفاهيةَ السقوط.
كلما سقطتُ قالوا:
انتهى.
فأنهض.
ليس انتصاراً.
بل عناداً.
فالذين يريدونَ موتَ صوتك يزعجهم أن يسمعوا تنفسك.
أنا صلصال.
نعم.
لكنَّني لم أعد أقبلُ أن تصنعني أيدي الآخرين على مقاس رغباتهم.
أنا الذي سأصنعُ وجهي.
حتى لو خرج من الطين وجهٌ متعب.
حتى لو خرج مبللًا بالدموع.
حتى لو خرج مليئًا بالندوب.
فالندبةُ ليست عيبًا.
إنها توقيعُ الجرح على جسدِ الناجي.
وأنا ناجٍ.
لا أدّعي البطولة.
لكنَّني مازلتُ هنا.
بعد كل الذين قالوا:
لن يبقى.
بعد كل الذين انتظروا سقوطَ القلم.
بعد كل الذين حسبوا أن الجوع يكسرُ الفكرة.
لم يعرفوا أن بعضَ الأفكار تزدادُ جوعاً كلما حاولوا إطعامَ صاحبها بالخوف.
أنا لا أكرهكم.
وهذه مشكلتي.
أعرفُ أسماءَ خيباتكم وأحفظُ وجوهكم وأعرفُ أين خبأتم السكين.
ومع ذلك لا أحملُها.
أتركها لكم.
فالسكينُ حين يعودُ إلى يدِ صاحبها يصبحُ اعترافاً
أما أنا فسأعودُ إلى صلصالي
إلى ألمي.
إلى قصيدتي.
سأبكي قليلاً
وأضحكُ كثيراً.
فالضحكُ أحياناً أرقى أشكالِ الانتقام.
وسأكتب.
لا لأغيظَ أحداً.
بل لأنني إن توقفتُ عن الكتابة سأتحوّلُ إلى شخصٍ يشبههم.
وهذا ما لا أحتمله.
فليقولوا:
ماذا صنعتَ الثقافة؟
سأقول:
صنعتْ لي وطناً داخلَ رأسي حين ضاقتِ الأوطان.
ومنحتني لغةً أستطيعُ بها أن أقولَ للوجع:
أنتَ ضيفٌ ثقيل.
لكنَّني لن أتركَ لكَ البيت.
بقلم: حامد الضبياني