
كتب:هاني الكنيسي
مساء اليوم (الثلاثاء)، يُعرض فيلم “ملفات بيبي”The Bibi Files، المحظور في إسرائيل، على أعضاء البرلمان الأوروبي في بروكسل، قبل أن ينتقل إلى دور العرض في إيطاليا يوم 30 سبتمبر، تحت إشراف الصحافية الإيطالية ‘جوليا إينوشينتي’ المسؤولة عن توزيعه السينمائي.
ورغم أن الحدث الذي تنظمه حركة “الخمس نجوم الأوروبية” (اليسارية)، لا يندرج تحت فعالية رسمية للبرلمان الأوروبي، ولا يعبر عن موقف الاتحاد الأوروبي أو مؤسساته، فإن توقيت عرض الفيلم بالغ الحساسية بالنسبة إلى النتنياهو الذي يخوض أصعب معاركه الانتخابية استعدادًا للتصويت في 27 أكتوبر، على وقع استطلاعات تشير إلى تقدم منافسه الجنرال ‘غادي آيزنكوت’ رئيس حزب “يَشَر” Yashar، وتوقعات بفشل الليكود وحلفائه من اليمين المتطرف في حصد 61 مقعداً – هو الحد الأدنى المطلوب لأغلبية برلمانية تسمح بتشكيل الحكومة المقبلة.
“ملفات بيبي” الذي حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي منع عرضه بشتى الطرق، فيلم وثائقي من إخراج الجنوب أفريقية اليهودية ‘أليكسيس بلوم’، وأنتجه ‘أليكس غيبني’ الحائز على جائزة الأوسكار، بمشاركة الصحافي الإسرائيلي ‘رافيف دروكر’ وآخرين.
وقد اعتمد في المونتاج على أكثر من ألف ساعة من المواد المسربة، بينها تسجيلات مصورة لاستجوابات الشرطة التي خضع لها النتنياهو وزوجته سارة وابنه العاق ‘يائير’، بخلاف شخصيات أخرى ارتبطت بقضايا التحقيق.
وبحسب صانعي الفيلم، وصلت المواد إلى ‘غيبني’ عام 2023 عبر تطبيق “سيغنال” Signal، من مصدر لم تُكشف هويته. وتولت ‘بلوم’، بمساعدة محرر ناطق بالعبرية، فرز التسجيلات وتفكيك محتواها البصري والمسموع، قبل تحويلها إلى فيلم مدته نحو 110 دقائق.
ويوثق الفيلم لقطات “لم تُعرض من قبل” من التحقيقات المرتبطة بقضايا فساد أدت إلى توجيه اتهامات للنتنياهو بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة عام 2019.
في تلك التسجيلات يظهر “بيبي” داخل غرف الاستجواب، وهو يُسأل عن الهدايا التي تلقاها من رجال أعمال، بما فيها السيجار والشمبانيا، وعن علاقاته بأثرياء وشخصيات في عالم الإعلام والسياسة.
ولا يكتفي الفيلم بالتسجيلات؛ إذ يضم أيضا مقابلات مع شخصيات كانت قريبة من النتنياهو ومنظومته السياسية والأمنية، أبرزهم مساعد رئيس الوزراء السابق ‘نير حيفيتز’، والرئيس السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك) ‘عامي أيالون’، ورئيس الوزراء السابق ‘إيهود أولمرت’.
ومن هذه المواد، يبني الفيلم “سردية سياسية” حادة تتجاوز ملفات الفساد نفسها، لتربط بين صراع النتنياهو القضائي ومحاولاته السياسية اليائسة للبقاء في السلطة من جهة، وبين تحالفاته الخبيثة مع اليمين المتطرف ومعركته لإعادة تشكيل النظام القضائي، وسياسات حكوماته خلال الحرب، من جهة موازية.
غير أن الفيلم اكتسب قوته الأهم “بصريًا” من حقيقة أن أكثر مشاهده حساسية جاءت من جلسات تحقيق “حقيقية”، وليس من تقنيات “إعادة تمثيل”، أو مقابلات مع سياسيين.
في سبتمبر 2024، وقبيل عرضه في مهرجان “تورونتو السينمائي الدولي” TIFF، تقدم محامو النتنياهو بطلب إلى المحكمة لمنع عرض اللقطات المأخوذة من استجوابات أجريت بين عامي 2016 و2018. لكن المحكمة الإسرائيلية رفضت الطلب، ما سمح بعرض الفيلم في كندا للمرة الأولى.
وفي أكتوبر 2024، اختاره مهرجان DOC NYC بنيويورك ضمن قائمته المختصرة لأفضل الأفلام الوثائقية. ثم أعلنت “أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة”، في ديسمبر من العام ذاته، إدراجه ضمن القائمة المختصرة المكونة من 15 فيلماً لأفضل فيلم وثائقي طويل.
وبعدها طالب النتنياهو بالتحقيق في “مصدر التسريب” والظروف التي وصلت بها المواد إلى صنّاع الفيلم. كما طلب محاموه إصدار أمر يمنع نشر التسجيلات داخل إسرائيل، رغم أن القانون الإسرائيلي يحظر أصلاً نشر مواد صوتية أو مرئية من التحقيقات دون إذن قضائي.
وهكذا، من تورونتو إلى نيويورك ثم إلى أوروبا، أخذ “ملفات بيبي” اتجاهاً عكسياً للمسار الذي أراده النتنياهو .. ولعلها “بشرة خير”