سمير زين العابدين يكتب :المجد للبنادق السمراء: كيف ذابت خصوصية “محاربي أكتوبر” في بروتوكولات التعميم؟

في كل عام مع إشراقة السادس من أكتوبر، تتشح الشاشات والمنصات الرسمية برداء المجد الزائف، وتصدح الأناشيد صاخبةً ببطولات تُستغل كشعارات، وتُوزع التبريكات على مؤسسات بأكملها، ليعم الاحتفال جيلًا جديدًا من القادة والمسؤولين الذين لم يعاصروا الحرب، بل ولد معظمهم بعد أن وضعت أوزارها بعقود وانشغلوا بالمناصب والكراسي.
وفي خضم هذه الاحتفاليات المؤسسية الجوفاء والبروتوكولات المكررة، يغيب عن المشهد -بتعمد فج أو إهمال مخزٍ- عنوان فريد كان يجب أن يكتب بماء الذهب في الوثائق الرسمية والدستورية:
“محاربو أكتوبر”
اليوم، ومع مرور أكثر من نصف قرن على النصر، أصبح أصغر مقاتل شارك في تلك الملحمة يتخطى الثالثة والسبعين من عمره. إنهم بضع مئات أو آلاف قليلة على الأكثر، تبقت من جيش المليون مقاتل.
هؤلاء هم أصحاب “البنادق السمراء”؛ الجنود والمشاة البسطاء الذين لفحت شمس سيناء وجوههم فصارت بسمرة أرضها، والذين احتضنت سواعدهم سلاحهم الداكن على خط النار ليصنعوا العبور الحقيقي بأجسادهم لا بالشعارات.
هؤلاء الرجال الذين كُتبت لهم أعمار جديدة بعد أن وضعوا أرواحهم على أكفهم، يعيشون اليوم بيننا زاهدين، لا يستجدون تكريمًا ولا يطلبون عطاءً من أحد،
فعزة نفوسهم أرفع من أن تنحني لمنفعة. لكن الجريمة الحقيقية تكمن في مسلك الدوائر الرسمية التي أذابت الخصوصية التاريخية لهذا الجيل الاستثنائي تحت مظلة التعميم البليد، وصرفت المكافآت الزهيدة لهم ولمن لم يولدوا وقت الحرب،
متنكرة للأساتذة والمعلمين الحقيقيين الذين صنعوا هذا التاريخ بدمائهم وأطرافهم المبتورة.
هذه مقارنة بسيطة تسقط الأقنعة: كيف يصون العالم أبطاله ويهملهم الواقع؟
إن المقارنة بين ما يحدث لرجال أكتوبر في الدوائر الرسمية المحلية، وبين ما تفعله دول العالم التي تحترم تاريخها، تكشف حجم الإجحاف والخلل التنظيمي:
فمن حيث المسمى الرسمي والتوثيق القانوني، تمنح الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة، بريطانيا، وروسيا المقاتل الذي خاض حربًا فعلية صفة محددة وصارمة بموجب القانون ترتبط بالمعركة التي خاضها، ولها بطاقات هوية فريدة تمنحه مكانة فوق الجميع في كل مؤسسات الدولة.
بينما في واقعنا، يغيب مسمى “محاربي أكتوبر” تمامًا من القاموس المتداول، واقصاه أن يدرج هؤلاء الأبطال ليس بسبب الحرب ولكن بسبب ما لحقهم من اصابات تحت مسمى عام مطاط في “جمعية المحاربين القدماء”، ليتساوى جيل العبور العظيم مع أجيال السلم والمصابين في حوادث الخدمة العادية، في تمييع واضح للخصوصية التاريخية.
أما على صعيد الرعاية الطبية وحفظ الكرامة في الشيخوخة، فتسخر تلك الدول شبكات مستشفيات كاملة، عملاقة ومستقلة، تقدم رعاية طبية ونفسية منزلية فائقة لكبار السن من المحاربين مجانًا بالكامل وبأعلى جودة إنسانية ممكنة.
وفي المقابل، يُترك مقاتل أكتوبر للروتين، ليعتمد على المنظومة الطبية العسكرية العامة والمزدحمة، طاحنًا شيخوخته وأمراضه في طوابير الانتظار، دون وجود أي برنامج رعاية منزلي مخصص يحمي كبرياءه ويراعي تقدمه في السن.
وحتى في معركة الوعي وحفظ التاريخ الشفوي، تخصص الميزانيات الضخمة دوليًا لتوثيق شهادات المحاربين الأحياء صوتًا وصورة، وتُدرس في المدارس كـ “مادة حية” بلسان أصحابها الذين يُعاملون كضيوف شرف دائمين وفوق العادة في المحافل السياسية والدولية.
أما الدوائر الرسمية لدينا، فقد استسهلت إعادة عرض فيلم “الرصاصة لا تزال في جيبي” كل عام، واكتفت بالروايات الرسمية الجاهزة، مهملة توثيق التاريخ الشفوي لمن تبقى من الأحياء، وكأن التاريخ مات بموت من قضوا، أو كأن الأحياء لا قيمة لشهاداتهم ما داموا خارج حسابات السلطة والمناصب.
أما الامتيازات الحياتية اليومية، فبينما يتمتع المقاتل القديم في الغرب بإعفاءات ضريبية شاملة، وأولوية مطلقة تقترب من التقديس في إنهاء المعاملات، ومخصصات مالية شهرية ضخمة تضمن له حياة رغدة مستقلة عن معاش الخدمة؛
لا يحصل البطل الحقيقي في واقعنا علي اي امتيازات ولو انت هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع، وغيابًا تامًا للدعم المالي الاستثنائي المنفصل الذي يميزه عن أي موظف متقاعد عادي.
غياب التمييز: جناية على التاريخ قبل البشر
إن ذوبان جيل أكتوبر وسط ملايين المنتسبين الحاليين للمؤسسة العسكرية ليس مجرد غياب للتقدير، بل هو طعنة للتاريخ وتنكر مخزٍ لفضله. فعندما يُكافأ الجميع بذات القدر، تُمحى الفوارق بين من واجه الموت بقلب راضٍ على خط النار ليرد الأرض والكرامة، وبين من يقف في تكييف مكتبه غارقًا في المزايا والمناصب في أوقات السلم.
إن أبطال أكتوبر الأحياء لا يطلبون زهورًا بروتوكولية نفاقية تُوضع على القبور، بل يفضحون بصمتهم وعزة نفسهم تخاذل الدوائر الرسمية.
إن الوفاء الحقيقي ليس في خطابات الوزراء الصامتة ولا في تكريم من لم يولدوا بعد، بل في الانحناء إجلالاً وتوقيرًا وإقرار حقوق مادية ومعنوية فورية واستثنائية لهؤلاء المعلمين، قبل أن يرحل آخر شاهد على النصر، لتنتهي معه أصدق صفحة في تاريخنا الحديث.
#بالعقل_والهداوة عرض أقل