
في الذكرى الثانية لغزوة البيجر الإسرائيلية التي وصفها زعيم حزب الله الراحل حسن نصر الله بأنها “إعلان حرب يستوجب الرد الحاسم”، تكشف تفاصيل جديدة من “مصادر استخباراتية”، نشرها العديد من المواقع العبرية (أبرزها ‘واللا’، و JNS) فضلًا عن تقرير حصري في صحيفة ‘جيروزاليم بوست’، عن كيف تحولت فكرة بدت أشبه بالخيال العلمي إلى ضربة محورية غيّرت مسار الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله، ومهدت لاغتيال زعيمه حسن نصر الله نفسه بعد أيام في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت.
في صباح يوم 17 سبتمبر 2024، كان آلاف العناصر من حزب الله المنتشرين بين بيروت والجنوب والبقاع يحملون أجهزة النداء الصغيرة Pager، التي اعتادوا استخدامها في التواصل منخفض التعقيد بعيداً عن الرقابة الإلكترونية ووسائل التجسس السيبراني.
وفي الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، صدر الأمر وبضغطة زر واحدة من مكان ما في إسرائيل أُرسلت رسالة مفبركة بدت وكأنها صادرة عن قيادة حزب الله. فبدأت أصوات التنبيه المتقطعة تنبعث من الأجهزة الصغيرة، ولم تمضِ سوى لحظات حتى دوّى انفجار متزامن في عشرات المواقع في أنحاء لبنان وسوريا، في مشهد سيريالي أقرب لأفلام هوليوود.
كل من أمسك بالجهاز ونظر إلى الشاشة أصيب بانفجار عبوة ناسفة صغيرة زُرعت مسبقاً داخله. استمرت الانفجارات لنحو نصف ساعة، تاركة نحو خمسة آلاف جريح، مئات منهم في حالة خطيرة، وأكثر من عشرين قتيلاً بينهم قادة ميدانيون من حزب الله والحرس الثوري الإيراني.
أصيب السفير الإيراني ‘مجتبى أماني’ في وجهه وفقد البصر في إحدى عينيه، وهو ما اعتبره معلقون لبنانيون دليلاً إضافياً على عمق الارتباط بين طهران ومنظومة صنع القرار في حزب الله. ووصف موقع JNS تلك اللحظة بأن “إسرائيل استعادت زمام المبادرة” بعد أشهر من الضغط االعسكري على جبهتها الشمالية.
وفي غضون دقائق، عجّت السوشيال ميديا اللبنانية بمقاطع فيديو من كاميرات المراقبة في المتاجر الكبرى والمحلات التجارية والمقاهي والتقاطعات الرئيسية، تُظهر أشخاصًا يُصابون ويسقطون أرضًا متألمين. وبعدها، تأكد خبر الهجوم بأجهزة النداء لدى قيادة الحزب التي أمرت العاملين الميدانيين بإلقاء ما يحملونه من تلك الأجهزة فوراً في القمامة أو في أماكن مفتوحة، خشية موجة ثانية من الانفجارات.
وزعمت مصادر استخباراتية إسرائيلية أن “الصرخات سُمعت عبر شبكات الاتصالات الداخلية للتنظيم”.
ووفقا للتحقيق الحصري الذي نشرته ‘جيروزاليم بوست’ بعنوان “أفضل عمليات الموساد على الإطلاق”، لم تكن ضربة البيجر وليدة اللحظة بل كانت ثمرة سنوات من العمل داخل سلسلة التوريد التي أدخلت أجهزة “Gold Apollo” التايوانية الصنع إلى لبنان. إذ زرعت وحدات متخصصة في الموساد شحنات متفجرة دقيقة داخل الأجهزة، بحيث تنفجر عند تلقي إشارة محددة وتستهدف حامل الجهاز دون إحداث دمار محيط. ونقلت الصحيفة عن مسؤول استخباراتي أمريكي قوله إن العملية “تُعدّ من أكثر عمليات التخريب دقة في تاريخ الاستخبارات الحديثة”.
ووفقا لأحد المصادر المطلعة على كواليس العملية، فإن رئيس الموساد الجديد آنذاك ‘ديدي برنياع’ كان شديد الحماس لفكرة تلغيم أجهزة النداء “التي لم يسبق لأحد في العالم أن ابتكر مثلها، وكانت المهمة الأصعب ضمان عدم اكتشافها”.
وفي سبيل ذلك، سخّر ‘برنياع’ كل نفوذه لإنجاح العملية وشارك شخصيًا في تفاصيلها، متحديًا العديد من مستشاريه الذين قالوا إنها “مهمة مستحيلة لأن المتفجرات صغيرة جداً ولن تكون فعّالة، ولأنه من المستحيل إخفاء قنبلة داخل جهاز”.
وفي عام 2022، اقترب أحد أعضاد فريق “الوحدة الهندسية” من رئيس الموساد هامسًا “لقد فعلتها .. هناك طريقة”. فطلب منه ‘برنياع’ فوراً أن يأتي إلى مكتبه، قائلًا “أريد أن أرى ذلك بنفسي”.
ووفقا للتقارير، فإن الشاب التقني، الذي نال لاحقاً جائزة الدفاع الإسرائيلية عن هذا العمل، قال إنه رسم المخطط على ورقة في مكتب رئيس الجهاز. وبعدها، حصلت الفكرة على كل الموافقات التشغيلية والسلامة، وأصبحت الأجهزة من طراز AR-924 مزروعة بمادة PETN المتفجرة التي لا تكتشفها فحوصات الأشعة السينية الروتينية التي كان يجريها الحزب.
ورغم المعارضة داخل المؤسسة الدفاعية (قيادة الجيش الإسرائيلي)، حصل ‘برنياع’ على الضوء الأخضر من رئيس الوزراء بعد أن اشترط النتنياهو “إحضار جهاز مماثل إلى مكتبه، وبموجب ترخيص خاص ألقاه بقوة على الحائط فتصدع وأحدث ثقباً لم يُصلح حتى اليوم”، ليتأكد من متانته وقدرته على تحمل اختبارات الحزب الميدانية.
وبالفعل، بدأ تجميع الأجهزة “يدويًا” بدقة متناهية، جهازًا تلو الآخر، نظرًا للحساسية التقنية البالغة في عملية دمج عبوة ناسفة صغيرة داخل الجهاز دون أن ترصدها أي آلة المسح الضوئي ودون ترك أي علامات تثير الريبة.
وبحلول 7 أكتوبر 2023، كان الموساد قد أنتج 500 جهاز وسلّمها بطرق بالغة التعقيد إلى الوسطاء الذين نقلوها بدورهم لحزب الله، دون أن يترك أثراً.
وقبل امتصاصه صدمة “طوفان الأقصى”، أمر رئيس الموساد آنذاك ‘ديدي برنياع’ بتسريع خط الإنتاج، مدركاً أن انخراط حزب الله في الحرب مسألة وقت، وأن “يوم القيامة اقترب” على حد تعبيره.
أما المفارقة التي خدمته، فكانت “الطلب المتزايد من حزب الله على تلك الأجهزة نتيجة تصاعد التوتر في المنطقة”.
وللوفاء بمواعيد التسليم الضيقة، ودون المساس بجودة الإنتاج، تقرر إنشاء خط إنتاج وتجميع ضخم داخل مقر الموساد. كما أصدر ‘بارنياع’ إذنًا استثنائيا بتجميد المشاريع الأخرى، ووقف التطوع في المستوطنات المحيطة والمزارع التي كانت في أمس الحاجة إلى الأيدي العاملة، وتسخير جميع القوى البشرية لإنجاز المهمة الرئيسية.
لكن التحدي الأصعب وقتها نتيجة ضيق الوقت، أنه لم يكن هناك مبنى أو منشأة شاغرة واحدة في مقر الموساد يمكنها استيعاب جميع محطات التجميع.
وبموافقة ‘بارنياع’، أُخليت صالة الألعاب الرياضية التابعة للموساد من معدات التمارين الرياضية والأوزان، وأُنشئ مركز أمني في قلب المقر، ووُضعت هياكل متنقلة بجوار المبنى. ثم بدأ أفراد الموساد ومنتسبيه في العمل على مدار الساعة، بنظام المناوبات، لزرع المتفجرات في أجهزة الاتصال.
كان الموساد والمخابرات العسكرية يعلمان أن نصر الله نفسه لم يكن يحمل جهاز نداء في الملجأ، لكن مساعديه وحراسه المقربين كانوا يستخدمون تلك الأجهزة.
وفي ساعة الصفر، أصيب أقرب الأشخاص إلى زعيم حزب الله وسقطوا بجانبه مباشرة. وكانت تلك من أصعب اللحظات التي شعر فيها بخطورة الموقف خلال نحو عشرين عاماً من قيادة المقاومة اللبنانية.
ووفقا لما نقله الإعلام العبري عن مصادر استخباراتية “مطلعة”، فإن تلك اللحظة، مع الأثر الأوسع للعملية، شكلت “نقطة تحول في وعي حسن نصر الله”. الرجل الذي كان يعرف إسرائيل وصناع قرارها أفضل من أي شخص في الشرق الأوسط أصبح منعزلاً.
فيقول مصدر أمني: “على الرغم من هول المفاجأة، إلا أن الصدمة والإذلال اللذين شعر بهما نصر الله وكبار قادة الحزب كانا عظيمين أيضاً”، مضيفاً أن “الحدث قوّض بشدة ثقته بنفسه”.
وفي اليوم التالي جاءت الضربة الثانية بتفجير أجهزة الاتصال اللاسلكي أو الـ”Walkie-Talkies” (التي تعمل بموجات الراديو) التي كان يستخدمها عناصر الحزب في التنسيق الميداني. ويشير التحقيق المنشور في موقع ‘واللا’ العبري إلى إصابة نحو 500 آخرين من كوادر حزب الله في العملية، ما أدى إلى “انهيار سريع في منظومة القيادة والسيطرة داخل الحزب، واضطراره إلى الاعتماد على وسائل بديلة بدائية في بعض الجبهات”.
وتمضي الرواية الإسرائيلية بالقول إنه “بعد عام تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من الاطلاع على الحالة النفسية لحسن نصر الله من واقع شهادات عائلته”.
إذ صرّح ابنه جواد في مقابلة مع قناة المنار في 28 فبراير 2025 أن والده “دخل في حالة اكتئاب حاد بعد اغتيال مساعده لميداني فؤاد شكر (نهاية يوليو 2024)، ثم عقب عملية البيجر”.
ووفقا لما ذكره جواد نصر الله في المقابلة، فإن كل من التقى والده بعد العملية ردّد عبارة: “لقد فارقنا”، موضحًا أنه كان مستاءً وغاضباً بطريقة غير مسبوقة، وحمّل نفسه “المسؤولية المباشرة” عن إلحاق الضرر باللبنانيين بسبب فداحة المفاجأة وحجم الاختراق الأمني.
فيما قالت ابنته زينب إنها عندما اتصلت بوالدتها بعد العملية وسألتها عن حال والدها، أجابت الأم: “كان يبكي”.
وبحسب مصادر الاستخبارات الإسرائيلية، فإن النجاح الأكبر لعملية البيجر كان أساساً في “زعزعة استقرار نصر الله النفسي وإرباك قيادته للحزب”، مما ساعد على “إخضاعه” قبل أيام من تنفيذ اغتياله في أحد معاقله بالضاحية.
وفي كلمة أطلق عليها الموساد اسم “الخطاب الأخير”، قبل يومين فقط من اغتياله، وصف نصر الله تفجير أجهزة الراديو والبيجر بأنه “ضربة أمنية قاسية وغير مسبوقة”، معترفاً بأنها “ألحقت ضرراً بالغاً بهيكل القيادة والسيطرة”.
وفي تعليقها على تصريحاته تلك، قالت مصادر استخباراتية “في هذا الخطاب كان واضحاً أنه مكتئب؛ لم يكن هذا هو نصر الله الذي نعرفه… شرح للشعب اللبناني مدى القوة التكنولوجية لدولة إسرائيل في عملية البيجر. يمكنك أن تراه وهو يخلع نظارته ويمسح عرقه”.