رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :مصر بين وعود “الخطة الجديدة” ومخالب التضخم الاحتكاري

في ظل المشهد الاقتصادي المتأزم، أعلن رئيس مجلس الوزراء المصري عن صياغة خطة اقتصادية جديدة للدولة في محاولة لامتصاص الصدمات الهيكلية المتتالية.
وجاء هذا الإعلان وسط تساؤلات ملحة من الشارع والخبراء حول جدوى الوعود الجديدة، في وقت تؤكد فيه البيانات الرسمية والواقع المعيشي أن السياسات السابقة، المتمثلة في التعويمات المتلاحقة وغياب الرقابة تحت لافتة “الاقتصاد الحر”، لم تسفر إلا عن تعميق الفجوة الطبقية، ومضاعفة ثروات قلة من النافذين، مقابل إثقال كاهل المواطن والدولة بتبعات غير مسبوقة.
أولاً: كعكة الأزمة.. كيف تربح كبار رجال الأعمال والانتهازيون؟
تحولت موجات خفض قيمة الجنيه وغياب آليات ضبط الأسواق إلى “منجم ذهب” لرجال الأعمال ذوي النفوذ والمحتكرين، من خلال مسارات واضحة:
1. أرباح الفارق السعري والمضاربة:
قبل توحيد سعر الصرف منذ نوفمبر 2016 وحتي مارس 2024 والتحولات اللاحقة، عمد كبار وكلاء السيارات والأجهزة الكهربائية إلى تسعير بضائعهم بناءً على سعر “الدولار التحوطي” في السوق الموازية الذي تجاوز 70 جنيهًا، في حين كان السعر الرسمي في البنوك قرابة 31 جنيهًا. هذا الفارق الضخم تحول مباشرة إلى أرباح صافية في جيوب قلة من المستوردين والموزعين.
2. التحوط الجشع وحجب السلع:
استغلت الشركات الاحتكارية الكبرى غياب الرقابة لحجب سلع أساسية (كالحديد، الإسمنت، والسكر) لتعطيش السوق، ثم إعادة طرحها بزيادات بلغت 150%، وهي نسبة تفوق بمراحل التراجع الفعلي في قيمة العملة، مما ضاعف هوامش أرباحها بشكل فج.
3. صيد الأصول الرخيصة ببرنامج الطروحات:
أدى انهيار الجنيه إلى تقييم الشركات الناجحة والأراضي الحكومية بأسعار بخسة عند احتسابها بالدولار. استفاد رجال الأعمال المقربون عبر التحالف مع صناديق (إقليمية) للاستحواذ على حصص حاكمة في شركات كبرى (مثل شركات الأسمدة والفنادق التاريخية) تدر عوائد دولارية مستدامة.
4. التربح من مديونيات “الجنيه الرخيص”:
حصل مستثمرون نافذون على قروض مليارية بفوائد مدعومة (ضمن المبادرات الصناعية السابقة) عندما كان الدولار بـ 15 أو 30 جنيهًا، ليعيدوا سدادها بـ”جنيه تآكلت قيمته” بعد وصول الدولار لعتبة الـ 48-50-52 جنيهًا، مما يعني عملياً أن التضخم التهم أكثر من نصف قيمة قروضهم لصالحهم، وتحمل المودعون النسبة الأكبر من الخسارة.
ثانياً: المواطن في عين العاصفة.. سحق القوة الشرائية و”انكماش الحجم”
عكست المؤشرات الحياتية للمواطن المصري عمق المأساة، حيث تُرجمت السياسات المتخبطة إلى تراجع حاد في جودة المعيشة:
انفلات التضخم الاستهلاكي:
وفقاً للتقارير الرسمية وتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، استقر التضخم السنوي عند مستويات خانقة (سجل 26.3% في بعض الفترات)، مدفوعاً برفع أسعار الوقود والطاقة وخفض الدعم الموجه لقطاعات النقل والمرافق.
ظاهرة انكماش الحجم (Shrinkflation):
كآلية دفاعية للحفاظ على أرباحها، لجأت كبرى شركات الأغذية إلى خفض أوزان العبوات (مثل الأجبان، الألبان، والمنظفات) بنسب تتراوح بين 15% إلى 25% مع الإبقاء على أسعارها المرتفعة أو زيادتها، مما جعل المواطن يدفع أكثر مقابل كميات أقل.
دولرة الخدمات وحصار الطبقة المتوسطة:
قفزت مصروفات المدارس والجامعات الخاصة بمعدلات تتراوح بين 30% إلى 50% سنوياً بحجة تضخم أدوات التعليم. ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن نسبة الفقر ظلت تراوح مكانها عند مستويات حرجة تقارب 29.7% من السكان، مع وجود 4.5% يعيشون في فقر مدقع، فضلاً عن أن 75% من العمالة أصبحت تندرج تحت بند “العمالة غير الرسمية” الهشة التي تفتقر لأي مظلة حماية.
ثالثاً: نزيف المؤشرات.. أثر الآليات على الموازنة العامة والدين العام
لم تكن مالية الدولة بمعزل عن هذا التخبط؛ إذ أدى إعفاء الكبار وتحمل التبعات عبر الاستدانة إلى تشويه هيكلي في الموازنة:
انفجار فاتورة خدمة الدين:
اضطر البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية لكبح التضخم وجذب الأموال الساخنة. هذا الإجراء جعل بند “فوائد الديون” يلتهم النسبة الأكبر من مصروفات الموازنة العامة، مما حد من قدرة الدولة على تمويل قطاعات التنمية البشرية الأساسية كالتعليم والصحة.
تضخم الدين الخارجي دفترياً:
مع كل قفزة لسعر الدولار، ترتفع قيمة القروض الخارجية تلقائياً عند تقييمها بالجنيه داخل الموازنة، مما دفع بالدين العام الإجمالي إلى مستويات قريبة من الناتج المحلي الإجمالي، برغم المحاولات الحكومية اللاحقة لخفض النسبة عبر صفقات استثنائية (مثل رأس الحكمة وتوجيه عوائدها لخفض الدين).
تآكل الإيرادات الضريبية الفعلية:
بالرغم من الأرباح المليارية لقطاعات العقارات الفاخرة والمحتكرين، إلا أن العديد من الشركات النافذة نجحت في تسوية ميزانياتها دفترياً تحت بند “خسائر فروق العملة”، مما أدى إلى حرمان الخزانة العامة من عوائد ضريبية سيادية ضخمة، ودفع الحكومة لتعويض العجز عبر التوسع في الضرائب غير المباشرة (مثل القيمة المضافة ورسوم الخدمات) التي يتحملها المواطن البسيط بالتساوي مع الغني.
رابعاً: التوقعات المستقبلية.. هل تنقذ “الخطة الجديدة” المشهد؟
في ظل غياب مسار إصلاحي حقيقي يركز على الإنتاج والصناعة والرقابة الصارمة، بدلاً من الجباية وإرضاء كبار المستثمرين، فإن السيناريوهات القادمة تشير إلى الآتي:
1. تلاشي الطبقة المتوسطة: ستستمر معدلات الفقر في التصاعد نتيجة عدم التوازن بين هيكل الأجور والتضخم الفعلي، لتتحول الطبقة المتوسطة تاريخياً إلى طبقة كادحة، تتركز جهودها اليومية حول تأمين الغذاء والخدمات الأساسية فقط.
2. فخ التعويم اللانهائي:
ما دامت الدولة تعتمد على القروض وسد العجز عبر بيع الأصول الاستراتيجية بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية تصديرية، سيبقى الجنيه رهينة لموجات هبوط دورية، يعقبها تضخم جديد، مما يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار.
3. خطر انفجار الفقاعة العقارية:
تشير البيانات إلى أن التوسع الجنوني في مشروعات العقارات الفاخرة (التي يتجاوز سعر الوحدة فيها عشرات الملايين) قد يصطدم بجدار ضعف السيولة وتراجع القدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين، مما قد يعرض بعض الشركات الكبرى لأزمات تعثر مالي قد تضغط بدورها على القطاع المصرفي.
4. تنامي اقتصاد الظل وهجرة العقول:
سيؤدي احتكار الكبار للفرص وغياب المنافسة العادلة إلى استمرار نزيف العقول والكفاءات الطبية والهندسية والتكنولوجية نحو الخارج بحثاً عن حياة كريمة، بينما سيتوسع المواطنون محلياً في “اقتصاد الظل” للهروب من طائلة الرسوم الحكومية التصاعدية.
خلاصة القول:
إن أي خطة اقتصادية جديدة تعلنها الحكومة لن تعدو كونها “مسكناً مؤقتاً” ما لم تتضمن تغييراً جذرياً في فلسفة الحكم الاقتصادي؛ يبدأ بإنهاء الامتيازات الاحتكاربة لكبار النافذين، وتفعيل رقابة حقيقية وقاسية على الأسواق، وتوجيه الموارد نحو بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي يضع توفير حياة كريمة للمواطن في صدارة أولوياته، وليس كشعار هامشي في خطابات السياسات العامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى