
أمام المرآة، رتب ربطة عنقه، ودرب شفتيه على انحناءة اللياقة. في الصالة، تبادل الزوجان المجاملات أمام الكاميرات، وتقاذفا السكاكين بابتسامات مصقولة. غادر المهنئون، وانسدل الليل كستار أخير على المسرحية.
التفتت نحوه بعينين تنتظران اعترافا. أطفأ الضوء، وأدار ظهره، وغرق في نوم ثقيل.
في العتمة، فتحت هاتفها وكتبت: أنا بخير، ثم محتها، كما فعلت في الليالي الماضية كلها. هذه المرة، لم تمحها بالكامل؛ تركت الحرف الأول معلَّقاً على الشاشة، كأنها توقِّع اعترافاً لن يقرأ.
لم تكن نائمة كما بدت؛ رأته وهو يمسح الحرف بإصبعه، كما يمسح فاتورة، أو دمعة، أو سؤالاً. لم تتحرَّك، ولم تتكلَّم، فقط أحصت في داخلها عدد المرَّات التي فقدت فيها العد.
في الصباح، قدَّم لها القهوة كعادته، وسألها بابتسامته المصقولة: نمت جيداً؟
فابتسمت، وقالت: أنا بخير.
لكنها، قبل أن تغلق الباب خلفها وتخرج إلى يومها، مالت نحو المرآة التي رتَّب أمامها هو ربطة عنقه كل صباح، وكتبت بإصبعها على بخارها حرفاً واحداً -الحرف نفسه الذي مسحه بالأمس- وخرجت، تاركةً إياه هذه المرة معلَّقاً.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي