رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب :لماذا نجحوا؟ ونحن ندق المسمار الأخير؟

سألني كثيرون: لماذا نجح التعليم والتدريب الطبي في أمريكا؟ وما وجه المقارنة من الناحية العلمية بينه وبين التعليم والتدريب الطبي في مصر؟
وسأوجز الإجابة في النقاط التالية:
١- تُعدّ الدراسة في كليات الطب والقانون -لأهميتها- دراسات عليا في أمريكا؛ لذا يستلزم الالتحاق بها دراسة ٤ سنوات جامعية مؤهلة قبل دخول الكلية، وتسمى ما قبل الطب pre-med، وتحتوي على “كورسات” محددة من البيولوجي، والكيمياء، والكيمياء العضوية، والكيمياء الحيوية، والفيزياء، والرياضة، والإحصاء، واللغة الإنجليزية.
– أما في مصر فيلتحق الطالب بكلية الطب مباشرة من الثانوية، دون أى تأهيل.
٢- على الطالب الذي يريد الالتحاق بكلية الطب في أمريكا أن يجتاز امتحانًا صعبًا في القدرات الطبية، يشمل ما درسه في المواد المؤهلة، بالإضافة إلى علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الوراثة والتشريح والفسيولوجي والبيولوجي المتقدم. ويسمى هذا الامتحان Medical College Admission Test (MCAT)، أو امتحان دخول كليات الطب، ويفضل أن يحصل الطالب على درجة عالية أول مرة؛ لأن إعادة الامتحان تُعدّ نقطة سلبية.
– أما في الكليات المصرية فلا يوجد امتحان قدرات طبية.
٣- للالتحاق بكلية الطب في أمريكا يكتب الطالب مقالًا يوضح فيه السبب المقنع لاختياره كلية الطب، وما فعله لكي يكون مؤهلًا للالتحاق بها، وعادةً ما يتطوع الطالب -لمدة سنة أو سنتين- للعمل في المستشفيات، أو يشارك في البحوث الطبية، أو يحصل على ماجستير في الصحة العامة حتى يكون ما يذكره مقنعًا.
– أما في الكليات المصرية: فلا يوجد!
٤- في كلية الطب في أمريكا يمرّ المتقدم بمقابلة شخصية مع أحد أساتذة الطب المخضرمين والمحنكين، الذين يستطيعون فرز المتقدمين، والتأكد من إمكانية نجاحهم في دراسة الطب.
– في الكليات المصرية: لا توجد!
ورغم صعوبة المؤهلات المطلوبة، فإن ٤ فقط من كل ١٠ متقدمين ومستوفين للشروط يُقبلون في كلية الطب حفاظًا على جودة الداخلين والخريجين.
وفي الولايات المتحدة ١٦٠ كلية طب، تقبل الكلية الواحدة منها من ١٠٠ إلى ١٥٠ طالبًا فقط. ومع أن دراسة الطب مكلفة جدًّا فإن ٥ من أفضل كليات الطب في الولايات المتحدة والعالم تقبل جميع الطلاب مجانًا للحاجة إلى الأطباء الأكفاء، كما أن كليتين تقبلان المتفوقين من ذوي دخول الأهل الضعيفة. وعليه، فإن عدد المقبولين لدراسة الطب يتراوح سنويًّا من ١٦ إلى ٢٤ ألف طالب، لدولة عدد سكانها ٣٤٠ مليونًا!
– في حين أن الملتحقين بكليات الطب المصرية يتراوح عددهم من ٢٥ إلى ٣٧ ألف طالب، لدولة تعداد سكانها ١١٥ مليونًا.
ويبقى أن نعرف أن في الولايات المتحدة الامريكية ٤٣٠ مستشفى جامعيًّا، ونحو ٥٠٠ مستشفى تعليمي، كما أن عدد المستشفيات التي بها برنامج تدريبي للخريجين ١٧٠٠ مستشفى.
– في حين أن في مصر ١٢٠ مستشفى جامعيًّا وتعليميًّا فقط.
الخلاصة: في الولايات المتحدة نظام صارم للالتحاق بكلية الطب وتخريج الأطباء، وفرص متاحة بوفرة شديدة للتدريب في المستشفيات، في حين أن نظام الالتحاق بكلية الطب في مصر نظام مبسط من الثانوية العامة، وفقط بمجموع الدرجات، وبدون قياس لقدرات الطالب، وبدون تأهيل سابق، مع قبول أعداد ضخمة تفوق عدد المستشفيات وقدرتها على التدريب، وفي ظل وجود منافسة مع الوافدين والجامعات الخاصة في فرص التدريب، والنتيجة خريج “سلق بيض”؛ لا تأهيل، ولا اختيار، ولا تدريب! وتتصور الدولة -بسذاجة- أنها ستصدره إلى الخارج من أجل العملة الصعبة، أو سيسد في الداخل عجزها في عدد الأطباء!
لقد نجحوا لأنهم عرفوا أن الصحة التي عمادها الطبيب الجيد مسألة أمن قومي لا تحتمل العبث بها، وأن الأهمية في الكيف وليس الكم، أما نحن فنتعاون في دق المسمار الأخير في نعش الطب في مصر، ويومًا ما لن نجد الطبيب الجيد الذي يعالجنا، ويعالج أولادنا وأحفادنا، ويومئذ لن ينفع الندم!
إذن، ما الحل في رأيك؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى