رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :مفارقات عربية

من العسير على الباحث ان ” يُنَمْذِج” البنية العربية ليتمكن من اقتراح اطار نظري تفسيري لفهم التفاعلات العربية البينية والدولية، فمن السهل وضع نموذج تحليلي لفهم تفاعلات الاتحاد الاوروبي مع البيئة الذاتية او الدولية، ومن اليسير فهم الفروق في بعض معطيات البنية ،لكنها تبقى قابلة “للنمذجة” لبناء تحليل نظري على اساسها .
لتوضيح الفكرة اعلاه ، لتنوقف عند الملاحظات العربية التالية لمؤشرات الفترة 2024-2025:
أولا: الانفاق العسكري العربي:
تشير مراكز الابحاث المتخصصة –وبخاصة معهد استوكهولم SIPRI- أن اجمالي الانفاق العسكري العربي للدول ال22 الاعضاء في الجامعة العربية لعام 2025 بلغ ما بين 165-170 مليار دولار(حسب عدد من التقارير الاكاديمية)، ولكن عند تحليل البيانات يتبين ان :
أ‌- يشكل الانفاق العسكري السعودي ما نسبته ما بين 57-59% من اجمالي الانفاق العربي، وهو ما يعني ان انفاق السعودية يساوي –كمعدل – 58% بينما قيمة انفاق ال 21 دولة عربية اخرى هي 42%، علما ان عدد سكان السعودية يمثل حوالي 8% من اجمالي عدد سكان الدول العربية ،كما ان مساحتها لا تشكل الا 16.9 من مساحة الدول ال21 الأخرى، وإذا حسبنا معدل الناتج المحلي السعودي فان نسبته تصل الى 27% من اجمالي الناتج المحلي العربي (على اساس المعادل الشرائي PPP)، وعند العودة لعدد من نماذج قياس التهديد الامني للدول مثل نموذج Political Risk Services(وهو المعروف بقدرته التنبؤية) او نموذج Structural Geopolitical Risk او نموذج Geopolitical Risk Index تبين ان السعودية تحتل المرتبة الثالثة في مستوى الامن من المخاطر (اي ان مؤشرات الأمن الجيوسياسي يجعلها افضل من ال19 دولة عربية أخرى)
فإذا كانت السعودية هي الأقل عرضة للتهديد (بالقياس الكمي لا بالانطباع) وهي الاعلى في الناتج المحلي وضمن الاكبر مساحة(بعد الجزائر) ، فكيف نفسر انها تنفق ما يفوق انفاق ال21 دولة عربية الأخرى.؟
ب‌- لو قارنا حجم الانفاق العسكري المصري حتى حرب اكتوبر 1973 بما هو عليه الآن ،سنجد تراجعا كبيرا للغاية، ففي فترة السبعينات بلغ الانفاق العسكري حدود 17%، ثم بدأ يتراجع مع المعاهدة مع اسرائيل ،الى ان بلغ حاليا في حدود 0.61 %، ورغم هذا التراجع الهائل فان حجم الديون والتزايد غير العادي في معدلات التضخم والتراجع غير المسبوق في قيمة الجنيه المصري والتصاعد الخطي في حجم الديون ،وانكماش القدرة الشرائية للفرد يزداد سوءا ، وبرغم ان جزءا من الانفاق العسكري يتم تمويله من المساعدات الامريكية(حوالي 1.3 مليار سنويا)
والملفت ان التخفيض في الانفاق العسكري (كنسبة من الانتاج المحلي) ترافق مع عجز مزمن في الموازنة بلغ حاليا 7.6%، ودين جعل قيمة نصيب الفرد من الدين يرتفع من 105 آلاف جنيه الى 150 الف جنيه، كما ان خدمة الدين تلتهم 63% من ايرادات الحكومة ،الى جانب نسبة تضخم تجاوزت 13.4%.
ولعل التمعن في البيئة الجيوسياسية والجيواستراتيجية لمصر تشير الى ان عرضتها للخطر عالية جدا بسبب عدم الاستقرار العالي جدا حولها في السودان وليبيا وفلسطين(غزة) والبحر الاحمر والخليج ، اي ان مصر خفضت انفاقها العسكري في وقت تراجع معدل الامن فيها وحولها، وتخفيض الانفاق العسكري لم ينعكس على صحة الاقتصاد المصري، اليس كل هذا هذا يثير ارتباكا؟
ت‌- لو حددنا الدول العربية الاعلى في نسبة الانفاق العسكري من اجمالي الناتج المحلي سنجد ان ترتيبها على النحو التالي:%
1- الجزائر 8.8
2- السعودية 6.5
3- سلطنة عمان 5,7
4- الكويت 4.7
5- الاردن 4.56
الملاحظ ان الاردن في هذا المؤشر يحتل المرتبة الخامسة بين الدول العربية ،ويحتل المرتبة العاشرة عالميا ، وهذا يثير ملاحظة ،فالاردن يقع في المرتبة العاشرة عربيا في معدل دخل الفرد لكنه يقع في المرتبة الخامسة في نسبة الانفاق العسكري، وهو ما يعني ان العبء الدفاعي لا يتسق مع معدل الدخل الفردي ، وكيف نفسر انه رغم المعاهدة مع اسرائيل فان الاردن ما زال يحتل مرتبة متقدمة عالميا وعربيا في نسبة الانفاق العسكري، وهنا نعود للمقارنة، لماذا انخفض المعدل المصري بنسبة تفوق انخفاض معدله الاردني؟ تتعدد التفسيرات لكنها تبقينا عند نقطة صعوبة اتساق الواقع مع نموذج قياس دقيق. فالملاحظ ان الانفاق العسكري الاردني عام 1995 كان حوالي 4.45 %، لكنه عاد للارتفاع حتى عام 2009، وعاد للتراجع الى معدلة الذي كان عام 1995 تقريبا(4.6) خلال الفترة من 2012 الى 2025، فكيف نفسر ذلك؟ نلاحظ تراجع في اول عام بعد المعاهدة، ثم عودة لنسبة اعلى خلال الخمس سنوات التالية وبقي حتى عام 2009 اعلى من فترة المعاهدة ،ثم عاد للتراجع الى حدود فترة المعاهدة تقريبا من 2013 الى الآن وهي فترة عدم الاستقرار السياسي الاوسع في المنطقة العربية(ما سمي الربيع العربي)..فكيف ننمذج ذلك؟ والملاحظ ان معدلات النمو الاقتصادي في الاردن ومعدلات الانفاق العسكري لا تشير الى معامل ارتباط عالي (+ 0.23) وهو معدل ارتباط ايجابي لكنه ضعيف بشك واضح.
ث‌- لو قارنا التفاوض العربي العربي(بين الدول العربية عند وقوع مشكلات) والتفاوض العربي مع الدول الاجنبية، ستجد ان “الكرم العربي يتجسد من الجلسات الاولى مع الاجنبي ، بينما تحضر الأنفة المفتعلة عند التفاوض مع ذوي القربى”، ويكفي ان تنظر الى اي بلد عربي حاليا، ستجد ان لكل منها مشاكل مع جواره العربي ، بل ان اغلب الدول العربية تتناحر داخليا لخلاف بين شخصين، تخيلوا ان السودان يحترق لخلاف على المكاسب بين شخصين ، وليبيا كذلك،وسوريا ، وعلى ذلك وقس في التاريخ العربي ، صحيح ان هناك جوانب موضوعية مثل الحريات والفساد والاستبداد والاحتلال او التدخل الخارجي والفقر ..الخ، ولكن اليس هناك معادلا اخلاقيا (كما وصفه نورمان انجيل) للتناحر؟ فما هو النموذج الذي يمكن وضعه لفهم بيئة بهذا الخلل، ففي الوقت الذي يبحث الصينيون والامريكيون في امكانية تزويد الروبوت بالمشاعر ،ما زلنا مشغولين “بهل تقود المرأة السيارة؟ ومع ذلك تسمع حاكما عربيا يتعهد بانه سيجعل العالم العربي خلال عامين او ثلاثة “في طليعة دول العالم”..يا الهي ،اي نموذج اكاديمي لفهم “الوهم والمرض النفسي”؟
اخيرا
اتمنى ان يتم فتح وحدات اكاديمية في الجامعات ومراكز الدراسات العربية لوضع نماذج قياس تستفيد من مناهج القياس الدولية وتراعي خصوصيات الوضع العربي ، ثم تقدم لنا بيانات كمية ،مع تفسيرها وشرحها كيفيا من خلال مناقشات علمية، لوضع نظريات علمية ، وبهذا تكون النتائج اقل اتاحة لعلماء الثرثرة ،ويمكن بناء تصورات علمية استنادا لها..ولكن هل يخدم ذلك السلطات العربية ؟ الامر متروك للنقاش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى