رؤي ومقالات

جمال محمد غيطاس يكتب :لماذا فازت دينا عزت وخسرت وزارة الداخلية

أي نظرة سريعة على عينة بسيطة مما نشر حول حادث القبض علي دينا عزت وزوجها، وردود الفعل الجماهيرية الواسعة حوله، تكشف بسهولة عن أن دينا الشابة الصغيرة التي تحركت بمفردها ومعها كاميرا محمولها، قد فازت في المواجهة الجماهيرية حتى وهي في محبسها هي وزوجها، فيما خسرت الداخلية جماهيريا، بعدما وجدت نفسها أمام غالبية ساحقة من الجمهور تدير لها ظهرها، على الرغم مما تملكه من قدرات وخبرات وموارد وترسانة من القوانين واللوائح وقوة مفرطة صاخبة متنوعة الألوان والأشكال
أؤكد في البداية ان الفوز والخسارة هنا ليس بسبب تهاوي الموقف القانوني للوزارة أمام الموقف القانوني لدينا عزت وزوجها، ولكن في القدر الذي حققه كل مهما في كسب التأييد الجماهيري، وحيازة التعاطف والظهور بمظهر صاحب الحق.
خلال اقل من يومين شقت دينا عزت وزوجها طريقهما بسرعة البرق بين الجماهير، وهو ما لم تحققه هي او زوجها خلال فترة أربعين يوما منذ القاء القبض على زوجها، وحتى لحظة بثها لفيديوهاتها.
في المقابل بدت الداخلية في حركتها بين الجماهير كديناصور بطيء الحركة ثقيل الدم قليل الذكاء، مرهق بتاريخ طويل من الشك والريبة، يتحرك في بيئة حاضرة غير حاضنة وغير صديقة في الغالبية الساحقة من الأوقات، فذهب كل أو معظم ما قالته واعلنته ادراج الرياح، وبدى كما لو كان صفارة في صحراء، او حركات شفاه تتحرك على فم دون صوت فلم تصل معانيها إلى اذن أحد.
خلال يومين بدت دينا عزت كمن يتحدث في ميدان يغص بملايين من البشر، مهيأين سلفا للسمع والقبول بما يقال، لأنها ببساطة واحدة من ملايين حرقتهم الأسعار وخنقهم الكبت والكمكمة التي تعصف بالجو العام للبلاد، وهرسهم الخوف من كل شيء ولا شيء، واحبطتهم قسوة الحاضر وحيرهم غموض المستقبل، وعكر دمائهم سوء توزيع الثروة، وانعدام الرحمة في الجباية المشرعنة عبر قوانين وإجراءات صدرت وطبقت بمنطق الإذعان.
وفي المقابل … تحدثت الداخلية في شوارع خالية، وميادين صامتة، لأن كل من فيها انصرف قسرا وقهرا وجبرا وقلة حيلة إلي حيث ارادت السلطة التي تطبق الداخلية سياستها، سياسة جوهرها: لا يهم ان تكون انسانا، بل المهم ان تكون سجين نفسك، تلتف حول عنقك سلاسل غليظة من ضغوط البحث عن لقمة عيش، ومكان للمبيت، وعمل تتكسب منه، وان تحاول جاهدا ألا تسقط مهزوما في الصباح او المساء، عاجزا أمام عائلتك، زوجك او ابنك او ابنتك، غير قادر علي القيام بواجبك كاب او زوج او عائل من أي مستوي، وبعدما تعيش كل هذه المرارة والشظف عليك أن تبحث لنفسك عن حائط تمشي بجواره او بداخله خوفا من الدهس تحت سنابك من يتصورون انفسهم فريق سماوي يحلق في الفضاء، ويحجب الشمس والهواء عن ما تحته من ملايين الغلابة.
بعبارة اخري … الذين ارهفوا السمع لدينا وأشاحوا بوجههم عن الداخلية، هم أنفسهم الذين يذهبون إلى أقسام المرور فيدفعون مئات الجنيهات في بضع وريقات تكلفتها لا تتعدي بضع جنيهات أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، وهم أيضا من يذهبون لمصلحة الأحوال المدنية فيدفعون في ورقة اسمها شهادة الميلاد ما يتجاوز المائة جنيه، وهم أيضا من يدفعون خمسين جنيها لكي يستقبلوا والد او والدة تقدم بهم العمر علي رصيف محطة قطار، بعبارة أخرى هم أنفسهم من يتعرضون لما يشبه الحلب اليومي من لحمهم الحي بمنطق الإذعان.
مرة أخري أانا اتحدث هنا عن الوصول الجماهيري لكل من المواطنة والوزارة، لا عن الموقف القانوني لأي منهما، فحتي هذه اللحظة لم يتبين الخيط الأبيض من الأسود في القضية من الناحية القانونية، فالنيابة العامة لم تنتهي بعد من اعمالها، والقضية برمتها لم تصل الي منصة القضاء ليقدم الحكم الذي هو عنوان الحقيقة.
لذلك فإن الفارق بين دينا والداخلية من المنظور الجماهيري هو بالضبط ما يجعل منها هي وما شابهها وقائع فيلم الموسم وكل موسم، أي قضية ليست عابرة أو عارضة وليست الواقعة الأولي من نوعها ولن تكون الأخيرة، ما دامت السلطة ككل قد صنعت من الوطن ميادين تعج بملايين من باتوا جاهزين لإرهاف السمع لكل ما يقال ضدها، وميادين خالية أدار لها الشعب ظهره، وأشاح عنها بوجهه وأصم أمامها أذنيه، وفي مثل هذه الوضعية فإنه مهما قالت الداخلية سيكون قولها صرخة في وادي الصمت، واي همسة من مواطن عبر مقطع مصور بكاميرا محمول تصبح صوتا جهوريا يطرب أذان الجماهير المتعطشة، لأي شيء تجد فيه تعبيرا عن الهم والغم والألم المشترك الذي تعيشه.
على الداخلية أن تعيد النظر وتقتنع انها تعمل وسط بيئة تجعل من قولها صدي تبدده الرياح، وقول المواطن صوت يهز الأرجاء، ما يجعل أي دينا تكسب وأي وزارة تخسر، وسيظل الحال كذلك حتى يتغير الوضع ويشعر المواطن بأنه عاد إنسانا له كرامة مصانة، وعدل يظلله وحرية يتنفسها، وحق في التعبير يمارسه دون خوف
الخلاصة: في فيلم هذا الموسم فازت دينا جماهيريا وخسرت الوزارة جماهيريا، وفي فيلم أي موسم مقبل ستظل أي دينا تفوز جماهيريا حتى لو كانت خلف القضبان، وأي وزارة ستخسر مهما كان لديها من هيلمان وجبروت وسلطان.
فهل الدرس واضح يا أصحاب السلطان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى