رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :صراع السلطة والانثوي

كيف استطاعت أنثى فقيرة جنوبية في عشرينات القرن الماضي من اختراق السلطة والمجتمع وتكشف عن هشاشته ومعاييره السطحية،
وتخترق عاصمة وهي راعية غنم وتصبح نجمة غناء شهيرة لكن بإخفاء هويتها الإنثوية وإرتداء العكال واليشماغ كرجل وتدخل دار الاذاعة كرجل؟
ليس الأمر خدعة تنكرية او تحولاً جنسياً بل كان تحولاً كاملاً في الهوية من الانثوي الى الذكوري لكن في الشكل. كيف تغلبت على القوة، المال، القانون، و الأيديولوجيا؟
من المعروف ان المجتمع عندما يتضخم بالرموز والاساطير التاريخية تتراجع فيه العقلانية وتتحول الدوافع البدائية الى محركات مدمرة كما حدث مع النازية ـــــــــــــــــــ وكما حدث عندنا في النظام السابق واليوم ـــــــــــــ حسب تفسير عالم النفس غوستاف يونغ. كيف استطاعت راعية غنم اختراق منظومة كاملة من الرموز ؟
هذا ما فعلته مسعودة 1898ـــ 1944 الشهيرة بإسم مسعود العمارتلي،
غنت: كصيت المودة، اصبغ هدومي بدارك، سودة شلهاني ما رحت ويا هواي، براضة امشي براضة، طش وآنه ألم، محمد بويه محمد الخ.
راعية غنم الشيخ التي فرت الى بغداد من العمارة، ناحية الكحلاء، الجحلة،
وسجلت في دار الاذاعة كمطرب ذكر وقيل الكثير عن مسعودة بعد انكشاف أمرها لكن الجوانب الخفية في حياتها وهي الأهم لم تحلل كما يجب،
وهو القدرة على إخفاء الانثوي والتظاهر بالذكورة في مجتمع ذكوري يحرّم صوت الأنثى لكنه لا يحرم الحرمان والذل .
كيف تغلب التحايل الانثوي بابسط المظاهر على سلطة الدولة والذكور؟ وكم هي معاييرنا هشة بحيث تم اختراقها بعكال وشماغ؟.
بعكال وشماغ وصوت هزت مسعودة الراعية مجتمعاً محافظاً، وقلبت التراتبية وخدعت الذكور في أن الصوت رجولي،
وقد يلوح الأمر سهلاً في الظاهر لكن اخفاء الهوية الانثوية هو هلاك وعذاب ومعاناة وخاصة في الجوانب الحميمية،
وهي الجوانب التي لم تُدرس في حياتها وتوقفت عند الشكل العام ، عن الجرأة.
كيف دفعت مسعودة الأنثى في العتمة وحققت معادلة مستحيلة وهي:
إلغاء الذات الانثوية وفي الوقت نفسه تحقيق الذات الذكورية؟ وأين مسعودة الأنثى؟ أين نعثر عليها؟
حسب علماء النفس وتجارب البشر والحياة أن هدف الانسان ليس في أن يكون مثالياً في عالم غير مثالي،
ولتحقيق الهدف، حسب عالم النفس غوستاف يونغ، يجب أن يحترم الجانب
الإنثوي فيه كما الذكوري لكي يحقق التفرد والتفرد هنا لا يتحقق بلا حضور الآخر.
لا يمكن للرجل أو الأنثى قبول ذاته بلا قبول الآخر وفي حالة التنكر يجري نفي الذات، الأنثى، ونفي الآخر فكيف حققت هذه الراعية معادلة التوازن بين الجسد والنص والصوت والسلطة؟
كيف عاشت دوافعها العميقة كأنثى وفي الخارج ذكر؟ أغرب ما في قصة مسعودة أنها تزوجت مرتين، كرجل من امرأتين: في الزواج الأول صمتت المرأة عن الفضيحة لأسباب مجهولة، ربما كانت فقيرة مادياً،
لكن في الزواج الثاني صدمت الزوجة ووضعت السم لمسعودة،
وكانت دهشة أطباء التشريح في مشرحة بغداد كبيرة عندما إكتشفوا أن مسعود العمارتلي المطرب الشهير هو في الحقيقة أنثى متخفية.
قصة مسعودة تتجاوز التخفي الى اختراق مجتمع، عرفت راعية الغنم على بساطتها كيف تخترق عالم الذكور، عرفت هشاشة المجتمع وقيمه المظهرية،
الأمر بسيط جداً في الظاهر: تغيير الزي. بلغة التحليل البنيوي: انتصار الجسد على السلطة الاجتماعية.
نحن أمام قصة شهرزاد متنكرة: تغني كرجل وهي تنزف بصمت كانثى لكي يتسلى الذكور الامراء.
مسعودة أثبتت أن البطولة لا جنس لها وان النساء والرجال الذي يتعكزون على قسوة الظروف يستحقون القسوة. ليس هناك أقسى من العبودية تحت أي عنوان لأنها تلغي الانسان وتفرض عليه شخصية أخرى وعليه أن يعيش كممثل أدوار الى النهاية كمهرج في سيرك لكنه يبكي خلف الستارة كلوحة مهرج بيكاسو.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى