رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب:أخيرًا.. امتحانات بـ”زيرو” غش!

هل انتهى إلى غير رجعة عصر الغش؟ هل نجحت التقنيات الإلكترونية الحديثة في جعله من الماضي؟ حين كتبتُ عن ضرورة إجراء امتحان قدرات للالتحاق بكليات الطب كما في الغرب لفلترة المتقدمين، رد البعض متشككًا بأن الطلاب يمكنهم أن يغشوا فيه كما فعلوا ويفعلون في الثانوية العامة، التي أصبح الغش فيها سُنة محببة، وأصبح المجموع الذي يفوق ٩٥-١٠٠٪؜ معتادًا بالغش، وربما يؤدي إلى دخول كلية الطب -الشاقة الدراسة- لغير المستحقين، وبعض الفاشلين دراسيًّا!
ولمن لا يعرف، أخيرًا أصبح من الممكن استخدام التكنولوجيا الحديثة لإجراء امتحان إلكتروني بالكامل يصل بالغش إلى نسبة (صفر في المئة)، حتى لو كان الامتحان بنظام الكتاب المفتوح، أو كانت السماعة الخارجية في أذن الطالب طوال الامتحان. ولقد بدأ التوسع الكبير في هذا النظام في الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة بعد اختباره في كل الظروف، ونحتاج بشدة إلى مثله في مصر.
والسر هنا ليس في منع الغش، بل في جعل الغش غير مفيد، وغير ممكن، بل مستحيل التحقيق، وذلك من خلال تصميم امتحان يُغيّر الأسئلة تلقائيًّا لكل ممتحَن، ويراقب السلوك رقميًّا، ويقيس التفكير والقدرة على اتخاذ القرار بدون حفظ. فالامتحانات الحديثة أصبحت تعتمد على “هندسة التقييم”، وليس على منع الغش بالقوة. وتُصحَّح هذه الامتحانات آليًّا دون تدخل بشر، من خلال خوارزميات تكشف الأنماط غير الطبيعية للاجابة.
وأهم هذه الأساليب الإلكترونية الحديثة المتبعة:
١- التوليد التلقائي للأسئلة، فكل طالب يحصل على نسخة مختلفة من نفس السؤال من خلال خوارزميات Item Generation، بمعنى أنه نفس السؤال، ولكن ببيانات مختلفة، وأرقام مختلفة، وسيناريو مختلف. فمثلًا، لو سأل الطالب عن جرعة دواء، يُعطى كل طالب مريضًا مختلفًا بوزن مختلف، أو عمر مختلف، أو وظائف كلى مختلفة. الغش هنا لا يفيد؛ لأن الإجابة تختلف بين الطلاب.
٢- الأسئلة القائمة على تحليل مخطوط، أو صورة، أو تفسير نتيجة معمل، أو وضع خطة علاجية. فهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال سماعة، أو كتاب؛ لأن الطرف الآخر لا يراها، ولأن المطلوب تفكير تحليلي، وليس معلومة جاهزة.
٣- الأسئلة المتكيفة تلقائيًّا (Adaptive Testing)، وفيها يغيّر الامتحان مستوى الأسئلة حسب أداء الطالب لحظيًّا. فإذا أجاب الطالب سؤالًا بسهولة، ينتقل إلى سؤال أصعب، وإذا أخطأ، ينتقل إلى سؤال أسهل، وهذا يجعل الغش مستحيلًا؛ لأن أحدًا لا يعرف السؤال التالي، وكل طالب يسير في مسار مختلف، ولا يمكن لشخص خارجي أن يوجّه الإجابات.
٤- الأسئلة التي تتطلب إنتاجًا شخصيًّا، مثل: اكتب تفسيرك لنتيجة هذا الرسم البياني، أو: ما القرار الذي ستتخذه لو كنت الطبيب المسؤول؟ هذه الأسئلة لا يمكن نقلها من خلال سماعة؛ لأن الإجابة تعتمد على تفكير الطالب نفسه.
٥- تحليل السلوك الرقمي (Digital Behavior Analytics)؛ فالمنصات الحديثة تراقب سرعة الإجابة، ونمط التنقل بين الأسئلة، ووقت التوقف، وتكرار تغيير الإجابات، وتشابه الإجابات بين الطلاب. فهذه الخوارزميات تكشف الغش، حتى لو لم يُضبط الطالب مباشرة.
٦- الأسئلة الزمنية القصيرة جدًّا، فمثلًا: ٤٥ ثانية لكل سؤال، فهذا يمنع أي شخص خارجي من التفكير وإعطاء إجابة من خلال سماعة.
٧- أسئلة الكتاب المفتوح، ففي الامتحانات الحديثة، بدلًا من منع الكتاب المفتوح، يُطلب من الطالب استخدامه، مثل: افتح الجدول التالي وحدّد الخطأ فيه، أو: استخدم هذا الدليل الإرشادي لتحديد الجرعة المناسبة، فهنا يصبح فتح الكتاب جزءًا من الامتحان، وليس وسيلة للغش.
وهناك الآن كثير من برامج الكمبيوتر التي تقوم بذلك كله بدقة شديدة وسهولة، وتصحّح الامتحان في ثوانٍ معدودة، دون تدخل بشري، وهو ما أتمنى تطبيقه في مصر في امتحان القدرات لكلية الطب، أو في امتحان ترخيص مزاولة المهنة، والأهم في امتحان الثانوية العامة، لينتهي بذلك الغش تمامًا، إلى غير رجعة، وتتحقق العدالة في التقييم.
ولكن كل ذلك طبعًا لو أردنا، وكانت لدينا النية. فما رأيك؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى