
كنتُ أظنّكِ امرأةً من زمنٍ آخر
امرأةً لا تشبه النساء
استثنائية… مختلفة… متميِّزة
تأتي من آخر الدنيا لتقلب تاريخ قلبي
وتعيد ترتيب النساء في دفاتري
كنتُ أظنّكِ القصيدة التي
لم أكتب من الشعر الجميل مثلها
وكنتُ أظنّكِ آخر امرأةٍ
سأقول بعد لقائها:
لا امرأةَ بعدها ولا امرأةَ سواها
كم كنتُ ساذجاً حين صدّقتُكِ
حين صدّقتُ كل ما قلتِهِ عن نفسكِ
حين أقمّتُ لكِ في خيالي مملكةً
ونصبتُ فوق عرشها تاج الاستثناء
قلتِ:
أنا لستُ مثل باقي النساء
أنا امرأةٌ إذا أحببتُ
لا أعرف نصف الحب
ولا أعرف نصف الوفاء
ولا نصف الطهارة ولا نصف النقاء
قُلتِ:
سأكونُ أُمَّك وحبيبتَك ونِصفَك…
سأكونُ العشيقةَ والأختَ والشقيقةَ…
وسندَك حين يميلُ بك الطريقُ…
وسأكونُ آخرَ امرأةٍ تطرقُ بابَ قلبِكَ…
ثم لا ترحلُ أبدًا ولا تزعجُكَ أبدًا…
سأكونُ الدواءَ والبلسمَ والحبلَ والبوصلةَ…
فصدَّقتُكِ…
وذبحتُ على منبرِ الحبِّ…
كلَّ حبيباتي القديماتِ…
وحرّمتُ على قلبي…
أن يلتفتَ إلى امرأةٍ سواكِ…
وكسرتُ مرايا النِّساءِ…
واحدةً واحدةً…
وأغلقتُ أبوابَ الربيعِ…
وقلتُ:
هذهِ هيَ…
هذهِ التي كنتُ أبحثُ عنها…
منذُ أولِ قصيدةٍ كتبتها في النِّساءِ…
ثم اكتشفتُ…
يا لسخريةِ القدرِ كم كنتُ ساذجًا…
أنَّكِ مجرَّدُ امرأةٍ عاديةٍ جدًّا…
لكنني كنتُ شاعرًا أحمقَ…
يجيدُ صناعةَ الأساطيرِ من امرأةٍ عابرةٍ…
كنتُ أراكِ نجمةً في السماءْ
فإذا بكِ مصباحُ غرفةٍ خافتْ
كنتُ أراكِ محيطاً هائجاً
فإذا بكِ قطرةُ ماءٍ تذروها الرياحْ
كنتُ أراكِ قصراً وشمساً ساطعةْ
فإذا بكِ زنزانةٌ مظلمةٌ باردةْ
كنتُ أراكِ امرأةً مختلفةْ
تأتي مرةً واحدةً في عمرِ الرجالْ
فإذا بكِ تشبهينَ كثيراتٍ مررنَ من هنا
ثم لم يبقَ منهنَّ إلا أسماءٌ باليةْ
لا تدخلي
نعم
هذه المرةَ أنا الذي أقولها
لا تدخلي
فقد تعلمتُ أخيراً أنَّ بعضَ النساءْ
يأتينَ إلى القلبِ لا ليبقينَ فيه
بل ليختبرنَ
كم يستطيعُ الرجلُ أن يكون غبياً
حين يحبُّ بصدقْ
ويصدقُ كلَّ تلك الخرافاتْ
لقد سددتُ في وجهكِ الطريقَ عمداً
بكبريائي وأنفتي
وقلتُ لكِ أخيراً:
قفي مكانكِ
لا تتقدمي خطوةً أخرى
فقد انتهى زمنُ المعجزاتْ
وانتهى زمنُ المرأةِ
التي صنعتُها في خيالي
وانتهى زمنُ الرجلِ الذي كان يراكِ
أجملَ وأحلى وأبهى وأرقى النساءْ
لا تسأليني:
أين ذهبَ حبُّكِ؟
لقد ذهبَ حين ظهرتِ على حقيقتكِ
وحين سقطَ عن وجهكِ قناعُ الاستثناءْ
كم مرةً كنتِ تقولينَ:
أنا مختلفةْ
وأنا الآنَ أقولُ:
نعم
كنتِ مختلفةً عن الصورةِ
التي رسمتُها لكِ في خيالي
أما عن النساء فلم تكوني مختلفةً
إلا في قدرتكِ على إقناعي
بأنكِ لستِ مثلهنَّ.
امرأة
ذبحت من أجلها
كل النساء اللواتي عرفتهن
وشنقت آخر حبيباتي
على مشنقة غرورها
يا امرأة لم أكن أعرف
أن غرورها أكبر من حبها
وأنها حين تدخل القلب
تدخله بجنازة امرأة أخرى
لقد قتلت الماضي من أجلك
وأحرقت كل رسائل النساء
ومزقت صورهن
وقلت:
لن يبقى في هذا القلب إلا هي
فما أغبى الرجال حين يصدقون النساء
حين تقول امرأة أنا الأخيرة
فيصدقونها
وكل النساء أقسمن على ذلك جميعاً
أين ذهبت؟
أين ذهبت تلك المرأة
التي كانت تتحدث عن الوفاء
كأنها هي من اخترعت كلماته؟
أين اختفتْ…
تلك التي كانت تقول…:
“أنا لا أؤذي قلباً أحبني…”؟
ولن أنسى ثغراً قبّلَ يوماً يدي…
لقد آذيته وأدميتهِ…
بل جعلتِ من قلبي ساحةً لتجاربكِ…
ومن صبري كرسيَّ اعترافٍ…
ومن حبي شيئاً يشبه الخطيئة…
فلا تعتذري اليوم…
فأنا لا أريد اعتذاراً من امرأةٍ…
أمضت نصف وقتها…
تحاول إقناعي بأنها استثنائية…
ثم احتاجت إلى لحظةٍ واحدةٍ…
لتثبت لي أنها عاديةٌ أو أقل من ذلك…
لا تقولي…:
“لم أقصد…”
فبعض الجراح لا تحتاج إلى قصدٍ…
كي تكون مؤلمةً، داميةً، وعميقة…
ولا تقولي…:
“كنتُ أحبكِ وما زلتُ…
“فالحب يا حلوتي الجميلة…
ليس كلاماً جميلاً يُقال في الليل…
ثم يُنسى في الصباح…
وليس كلاماً يُقال في الحِلِّ…
ويُنسى في السَّفَر…
الحب موقفٌ قبل كل شيء…
والمرأة التي تحب رجلاً…
لا تجعله يبحث كل ليلةٍ…
عن سببٍ جديدٍ كي يطمئنها…
ويزيل كل يومٍ شكوكها الكثيرة…
التي لا تتوقف عن التكاثر…
لقد كنتُ أضع كل ليلةٍ يدي على قلبي…
كلما ابتعدتُ عنكِ بضعة أيامٍ…
وأقول…:
“ستتوب، فهي مختلفة…”
وكنتِ تعودين كما عوّدتِني…
فأصدقكِ ثم تبتعدين…
فأصدق غيابكِ ثم تعودين…
فأصدق عودتكِ…
حتى لم يبقَ فيَّ شيءٌ إلا وصدّقكِ…
واليوم يا حلوتي الجميلة…
لم يبقَ شيءٌ يصدقكِ…
حتى قلبي ذلك الطيب…
الذي كان يدافع عنكِ في غيابكِ…
تعب من الدفاع عنكِ وعن حماقاتكِ…
فاذهبي…
وخذي معكِ…
ذلك التاج الذي صنعتِهِ لنفسكِ…
وخذي عرشكِ وخذي حكاية أنكِ…
امرأة لا تشبه النساء ولا تتكرر…
أنا لا أكرهكِ أبداً…
وهذه ربما أقسى مراحل الوداع…
أن أصل إلى مرحلةٍ…
لا أكرهكِ فيها ولا أحبكِ…
ولا أنتظر منكِ بعد اليوم شيئاً…
أن تمري أمامي فلا يرتبك الطريق…
ولا يتوقف قلبي عن الخفقان…
ولا أسأل نفسي:
“هل ما زالت تحبني…؟”
لا…
لقد أصبحتِ امرأةً مثل كل النساء…
وأصبحتُ أنا رجلاً تعلّم أخيراً…
أن لا يقتل قلبه من أجل امرأةٍ…
تعيش على قتل قلوب الآخرين…
كنتُ أظنكِ…
آخر قصيدةٍ في دفاتري…
فإذ بكِ مجرد صفحةٍ…
كان يجب أن أمزقها…
منذ السطر الأول…
وكنتُ أظن أنني شنقتُ آخر حبيباتي…
على مشنقة غروركِ…
لكنني اكتشفتُ شيئاً آخر:
أنني لم أشنقها وحدها…
لقد شنقت معها ذلك الرجلَ السَّاذج…
الذي كان يصدق أنَّ امرأةً واحدةً…
يمكن أن تكونَ كلَّ النساء.
والآنَ يا حلوتي الجميلة…
إنْ عدت يوماً فلا تطرقي الباب…
فأنا لا أملكُ لك بيتاً في قلبي…
ولا غرفة في الذاكرةِ المجروحة….
كلّ الغرفِ التي كانت لك…
للأسف الشديد أغلقتها..
والمفتاح….
دفنته مع آخر امرأة….
قتلتها من أجلِ عينيك…..
ومن أجلِ تلك الابتسامة الفتَّانة….
كلمات: محمد الشاعر دعدي