قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ «كنتُ أشتهي الموتَ عندكَ» للأديبةِ المبدعةِ: “زينب الكناني”.. بقلم الناقدة اللبنانية القديرة: ليلى صليبي

كنتُ أشتهي الموت عندكَ
بقلم: زينب الكناني
كان يطرز
فستاني بنظراتهِ
ويعزف أسمي لحناً
على شفتيهِ
كان.. يُحذّر الفراشات
أن لا تقترب مني
ويحلو لهُ الكلام
إذا مرّ ذكري
كان… يقول
إن كل ماء الكون
يعطش لشفتيّ
كان…. وكان..
لكن… أصبحت أنا
في عالمه…..كان..
باع خطاي لرصيف
الغربةِ
وعطل الروح
على هوس الراحلين..
مد جسر الظنون
على ألف منيةٍ
حتَّى صار الموت
أجمل الأماني..
وفي ظلام العشق
ضيعَ لحظة الياسمين…
القراءةُ النقديةُ:
في هذه القصيدةِ لا يبدو الحبُّ حالةً وجدانيّةً عابرةً، بل يتحوّلُ إلى مساحةِ اختبارٍ للوجودِ؛ تبدأُ الذاتُ فيها من نشوةِ الاقترابِ، وتنتهي إلى رغبةٍ في الموتِ حينَ يصبحُ الفقدُ أقسى من احتمالِ الغيابِ. وبينَ البدايتيْنِ، يبني النصُّ حكايتَه على مفارقةٍ مؤلمةٍ: من كانَ يمنحُ الحياةَ بالكلمةِ، صارَ سببًا في اشتهاءِ الموتِ.
يفتتحُ النصُّ بعبارةٍ شديدةِ الكثافةِ: «كنتُ أشتهي الموت عندكَ». والمفارقةُ هنا لافتةٌ؛ فالموتُ «عنده» لا يبدو فناءً، بل ذروةً للاتحادِ بالمحبوبِ، وكأنَّ الذاتَ تريدُ أن تجعلَ من حضورِ الآخرِ مكانًا أخيرًا للخلودِ. ثمَّ تأتي صورةُ «كان يطرز فستاني بنظراته» لتمنحَ الحبَّ ملمساً بصريَّاً وأنثويَّاً، فالنظراتُ تتحوّلُ إلى خيوطٍ، والفستانُ إلى فضاءٍ ينسجُ فيه العاشقُ صورةَ محبوبتِه.
وتتوالى الصورُ في منحى تصاعدي:
«ويعزف اسمي لحناً على شفتيه»، ثمَّ يحذّرُ الفراشاتِ ألاَّ تقتربُ مني».
الفراشاتُ هنا ليستْ مجرّدَ كائناتٍ جميلةٍ، بل يمكنُ قراءتُها رمزاً للرقةِ والجمالِ والانجذابِ؛ ومن ثمَّ يصبحُ تحذيرُها تعبيراً عن غيرةِ العاشقِ ورغبتِه في امتلاكِ فضاءِ المحبوبةِ.
وتبلغُ المبالغةُ العاطفيةُ ذروتَها في قولِه:
«إن كل ماء الكون يعطش لشفتيّ».
إنّها صورةٌ تقومُ على قلبِ العلاقةِ بين الماءِ والعطشِ: فالماءُ، الذي يفترضُ أن يرويَ، يصبحُ عطشاناً. وهنا تتحوّلُ المحبوبةُ إلى مصدرٍ للارتواءِ، لا إلى طالبةٍ له، فيكتسبُ خطابُ العاشقِ طابعاً أسطوريَّاً يرفعُها فوقَ حدودِ الواقعِ.
لكنْ كلمةُ «كانَ» تتكرّرُ حتى تصبحَ بحدِّ ذاتِها بنيةً دلاليّةً في القصيدةِ.
«كان… وكان… لكن أصبحت أنا / في عالمه… كان».
هنا يحدثُ الانكسارُ الحقيقي. فكانَ لم تعدْ مجرّدَ فعلٍ للماضي، بل تحوّلتْ إلى مقبرةٍ لغويةٍ للعلاقةِ. كلُّ ما كانَ حيَّاً صارَ ذكرى، وحتى الذاتُ نفسُها أصبحتْ جزءاً من ذلك الماضي. وكأنَّ الشاعرةَ تقولُ: لم ينتهِ الحبُّ فقط، بل انتهتِ النسخةُ التي كنتُها داخلَه.
ثمَّ يأتي المقطعُ الأكثرُ قسوةً:
«باع خطاي لرصيف الغربة / وعطّل الروح على هوس الراحلين»
إنّها صورةُ اغترابٍ مركبةٍ؛ فالخُطا التي كانَ يفترضُ أن تقودَ إلى اللقاءِ أصبحتْ مرهونةً برصيفِ الغربةِ، والروحُ نفسُها تدخلُ في حالةِ تعطيلٍ. وهنا ينتقلُ النصُّ من قاموسِ العشقِ إلى قاموسِ الرحيلِ والضياعِ والتشظي.
أمّا «مدّ جسر الظنون / على ألف منية» فتفتحُ القصيدةَ على فضاءٍ نفسيٍّ أكثرَ اضطراباً؛ فالظنون تصبحُ جسراً ممتداً فوقَ الأمنياتِ، أو ربّما فوقَ «المنايا» إذا حملتْ كلمةُ «منية» معنى الموتِ أيضاً. وبذلك يتشابكُ في النصِّ الحبُّ والموتُ والانتظارُ والشكُّ، وهي ثيماتٌ تتكرّرُ منذُ المطلعِ حتى الخاتمةِ.
وتصلُ القصيدةُ إلى ذروتِها في:
«حتى صار الموت أجمل الأماني»
وهنا يعودُ الموتُ الذي افتتِحَ به النصُّ، لكنَّ دلالتَه تغيرتْ. في البدايةِ كانَ الموتُ رغبةً في القربِ، أمّا الآنَ فأصبحَ خلاصاً من ألمِ الفقدِ. وهذه النقلةُ هي التي تمنحُ القصيدةَ قوسَها الدرامي.
أمّا الخاتمةُ:
«وفي ظلام العشق
ضيّع لحظة الياسمين»
فهي من أكثرِ صورِ النصِّ إيحاءً. الياسمينُ يمكنُ أنْ يرمزَ إلى اللحظةِ النقيّةِ، والفرحِ، والعطرِ، والفرصةِ الجميلةِ التي كانَ يمكنُ أن تنقذَ العلاقةَ. لكنَّ ظلامُ العشقِ نفسُه هو الذي أضاعَها؛ أي إنَّ الحبَّ لم يكنْ ضحيةً للغيابِ وحدِه، بل ربّما كان أيضًا ضحيةً لما يحملُه من شكٍّ وغيرةً وانتظارَ وهمٍ.
فنيَّاً:
يمتلكُ النصُّ لغةً عاطفيةً كثيفةً، تعتمدُ على التكرارِ، والمفارقةِ، والاستعارةِ، والرمزِ، وتتحرّكُ من فضاءِ الأنوثةِ والاحتفاءِ بالجسدِ إلى فضاءِ الغربةِ والموتِ. كما أنَّ التدرجَ من «الفراشات» و«الماء» و«الياسمين» إلى «الرصيف» و«الغربة» و«الموت» يرسمُ تحولاً واضحاً في المزاجِ الشعوري.
واللافتُ أنَّ الشاعرةَ لا تحكي الفقدَ مباشرةً، بل تجعلُ القارئَ يستشعرُه من خلالِ الأشياءِ، فالفستانُ، والفراشاتُ، والماءُ، والرصيفُ، والجسرُ، والياسمينُ تتحوّلُ جميعُها إلى علاماتٍ على رحلةِ الحبِّ من التوهّجِ إلى الانطفاءِ.
إنّها قصيدةٌ عن الحبِّ حينَ يفقدُ زمنَه، وعن امرأةٍ لم تفقدْ حبيبَها فقط، بل فقدتْ معها اللحظةَ التي كانَ يمكنُ أن يصبحَ فيها الحبُّ خلاصاً بدلَ أن يتحوّلَ إلى منفى.
يمكن أن تكون الخاتمة أدبية وراقية هكذا:
وفي الختامِ، أتقدّمُ إلى الأديبةِ القديرةِ “زينب الكناني” بخالصِ الشكرِ والتقديرِ على هذا النصِّ الذي حملَ في ثناياه كثافةَ الشعورِ وصدقِ البوحِ، وأتاحَ لنا أن نلامسَ وجعاً إنسانيَّاً يتوارى خلفَ جمالِ اللغةِ والصورةِ.
شكراً لهذا الحضورِ الشعري الذي يتركُ أثرَه في الوجدانِ، وللقلمِ الذي يعرفُ كيف يحوّلُ الألمَ إلى جمالٍ، والبوحَ إلى قصيدةٍ. دمتِ مبدعةً، ودامَ يراعُكِ نابضاً بالجمالِ.
بقلم الناقدة المبدعة: ليلى صليبي