
حجرةُ سجلتْ حادثتها في تاريخ المنطقة بمدينة الجلفة في أيام المستعمر الفرنسي عندما دخل البلاد ودرس ما يجب عمله من مشاريع مبرمجة على حسب واقع المجتمع عبر التراب الوطني. فمنه مَنْ نفاه خارج البلاد (كاليدونيا الجديدة وجزيرة الكيان وغيرهم في عدة دول)، ومنه مَنْ سلط عليه العمل الشاق والسوط والمغرم والسجن، ومنه مَن جعله مساعدا له. حسب طبيعة المناطق والوسائل المتاحة في تلك الفترة. فأثناء إنجاز الطريق بين الجلفة والعاصمة مرورا بقصر البخاري وامتداده إلى مدينة الأغواط وأكثر فيما بعد. كانت ورشة أشغال في مدخل المدينة من الناحية الشمالية لتعبيد هذا الطريق أو جلب الحجر لبناء المدينة حسب البعض. الورشة متكونة من المساجين الألمان وغيرهم ولكن شق المسلك جاء في مكان جبلي وعر الأحراش وأثناء الأشغال تدحرجت صخرة كبيرة (حسب الأقوال المتداولة) على الحارس الفرنسي فقتلته. فأُمر آنذاك بمحاكمتها (الصخرة) بطريقة رسمية أمام الملأ وصدر الحكم بحبسها وسجنها بالسلاسل لمدة 35 سنة وكلما حلت الذكرى يصب عليها وابل من رصاص من طرف الجنود الفرنسيين. وهي موجودة إلى يومنا هذا. (الصورة رقم01)
الحادثة طبعا سمعها وشاهدها المحيط وبقيت الرواية تحت اسم “الحجرة المباصية” (اي الصخرة المسجونة). يسأل سائل: هل في تلك الفترة كان قانون يسن بسجن الحجر؟ أم تعتبر نزوة وخدعة في محاكمة على شكل مسرحي لصرامة القانون لمسؤول تعثر بالحادثة؟ (هذا ما تناولته وتداولته بعض المقالات وتصريحات في اعلام المستعمر). أم هي عبرة وتخويف لمجتمع تلك المنطقة؟ لو نسأل أي كان بغض النظر عن ثقافته ومستواه التعليمي وانتمائه الديني وفي أي مكان في المعمورة على تصرف مسؤول ما سجن حجرة، ماذا يكون الجواب؟ في الغالب التعجب والاستغراب من هذا التصرف والسلوك. يا ترى ما هو المغزى من هذا العمل؟
بالرجوع إلى الجو السائد في تلك المرحلة (أي (1852، أين قررت فرنسا تكون الجزائر فرنسية بلد من مستعمرة وهي تنجز منشآت دائمة لها وليس كمستعمرة فقط. وإنشاء الطريق والسكة الحديدية بضواحي المكان المسمى (العرقوب لحمر) لهذه المدينة والتفكير فيما بعد في 1881 في مد السكة إلى دولة النيجر، أين تم القضاء على 73 فرنسي مكلفين بدراسة المشروع في المكان المسمى باسم القائد “فور فلاتار” في الصحراء قرب مدينة تقرت حاليا ولاية. وهوما يوضح ذلك البرنامج المخطط، من أجل تصدير ثروة الماشية حتى سميت بطريق ” الموتونيار” أي طريق الماشية من الجلفة إلى ميناء العاصمة لتحميل الماشية وأيضا مادة الحلفاء التي تعتمد عليها لصنع الورق. أما بخصوص الامتداد إلى دولة النيجر الشقيقة كان من أجل مادة اليورانيوم. ولكن المنطقة التي كانت تحت الحكم العسكري أخذت هذه الحادثة ضمن الأعمال التي تساهم في السيطرة على الجانب السيكولوجي حسب أقوال المختصين للمجتمع الجزائري حتى تبرز عظمة الجلاد للمجلود والخطاب الذي يعرفه الملأ والملائم له.
إنها ظاهريا حادثة عابرة مقارنة بما أخفي من حوادث عبر العالم وربما أكثر. ولكن بقيت الصخرة معلما تاريخيا يوحي بالدلائل ويعكس صورة لمجريات مرحلة من المراحل وبصمة من التاريخ من تصرف المستعمر وكيفية النظر لتسييره ووسائل الاخضاع وتسهيل المهمة المبرمجة.
يحضروني هنا ما قاله ابن خلدون ومالك بن نبي في شأن قهر الشعوب وعبودياتها. حيث يقول ابن خلدون ” الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها، وكلما طال تهميش إنسانها يصبح كالبهيمة، لا يهمه سوى الأكل والغريزة”. أما مالك بن نبي يقول ” أخرجوا المستعمر من أنفسكم، يخرج من أرضكم”. فحادثة هذه الحجرة أو الصخرة، أصبحت رواية محلية تروى للعامة، ففئة تراها وسيلة ضغط على المجتمع لتخويفه بالغطرسة والخضوع التام للأوامر والتسليم لها. وفئة تراها صورة من صور التصرف المطلق في عالم الجهل والغفلة وعدم الفطنة. وفئة أخرى تراها مشروع متكامل مخطط يدخل في إطار الجزائر الفرنسية وإبادة ما تبقى من أهلها وتضييق المجال لما تبقى من المعارضة الخفية والسيطرة عليها وإبقاء الحالة المعيشية على نمطها وأكثر.
يستخلص من هذه الرواية أو الحادثة أو العبرة، إن أصح تعبير أن عامل الجهل والركود الفاقد لحركة الشعوب المبيت لها عامة، تجعلها عرضة للسيطرة من اليد الخارجية على الجانب العقلي وحبس التفكير والمبادرة والتطلع وإقحام نمط مبرمج ممزوج على أساس الخوف والتبعية المدروسة. إذا انطلقنا من هذين المقولتين من علمائنا المحليين الذين عاشوا في وسط هذا المجتمع ويعتبران من رواد العلم في الحالة الاجتماعية في الجزائر أكثر من غيرهم. نستطيع أن نجزم أن الجهل هو العامل الرئيسي وخاصة إذا تساعده قابلية التسليم في الجينات والبيئة.
كيف يكون نشر الوعي في وسط الأمة وما هي المقاييس والوسائل؟ غالبا ما يكون الوعي متعلق بالحاجة، فطبيعة الإنسان اكتشافي للحاجة ومادام يبحث ويتدبر في معرفتها وأهميتها له تزداد معرفته ووعيه بالمحيط وهذا من الأسباب عموما. أما بخصوص نشره في أوساط الشعوب التي لسبب ما كانت مستعمرة أو متخلفة نتيجة تسيير مخالف لواقعها وعاداتها. ففي هذه الحالة وما هو سائد في غالبية الأمم، يجب على ولي الأمر أن يعمل على ضمان الأمن ومنح حرية التكلم والتنقل وأخذ المبادرة المحلية وربط العلاقات مع العالم الخارجي كمرحلة أولى وفتح المجال لاستعمال الوسائل للمواطن الصالح ثانيا. فمن خلال هذه العوامل تتحرك الأنشطة في كل مجال واتجاه لأن داخل الأمة مسجون فتبرز منها كل ما هو بداخلها في كل المجالات عندما يتوفر لها عامل الاطمئنان الذي يحفزها للمزيد، ومن ثمة تظهر فيها إبداعات ورجوع العادات الحميدة التي كانت مفقودة ومطموسة ومكتومة ويذهب على المواطن عامل الخوف ويزداد عامل اليقين وحب الاستقرار في الوطن.
فعلى والي الأمر أو الحاكم من خلال صدق كلامه وفعله لا يحتاج إلى نظريات وخطب من اجل جلب الاقتصاد والمساعدات وغير ذلك، فكل هذا سيأتي من سواعد أهل بلد الذين جندتهم المرحلة الصادقة وفتح أعينهم فتزداد المبادرات والتضحيات والإبداعات والاقتراحات من الواقع المعيش لا المستورد والملائم لتلك الأمة مع تطوير الحس المدني الذي يكون حجر الزاوية لصلابة بناء الدولة.
في عهد الجزائر المستقلة، وضع نموذج طبق الأصل لهذه الصخرة بسلاسلها وقفلها في شارع وسط المدينة (صورة رقم 2) هل هو على أساس رمزية تحرير الصخرة من السجن بعد استقلال البلاد كجواب بعد إتمام مدة السجن المقدرة بـ 35 سنة؟ أو كمعلم أثري له حادثة تاريخية؟ في كلتا الحالتين يطرح السؤال. فإذا كان القصد منه البراءة لها، لماذا إذا السلاسل والقفل؟ وإذا كان من أجل تقريب الذاكرة للمواطن فالمكان الأصلي ليس بعيد من المدينة (أقل من ثلاثة كلم)، فالمعلم التاريخي يبقى شاهدا في مكانه وتتم صيانته والعناية به ويصنف ليروي قصة لحقبة زمنية من طرف المصالح المختصة.
نظرا لغرابة الحادثة على مجتمع مسلم وعلاقتها بجعل المنطقة تحت الحكم العسكري إبان الحقبة الاستعمارية لفترةِ. كان له أثر نفسي كبيرو قاص على المجتمع الجزائري عامة. إذا ما رجعنا إلى قول العلامة ابن خلدون. فأين ما تكون السيطرة وحبس التفتح في مجتمع ما، تبقى تلك السمات والمآثر والسلوك، ما لم يمحوها العلم ومحاربة الجهل بشتى الوسائل. فتظل أرض خصبة لتنفيذ ما يمكن من مخططات على مجتمع قاسى الويلات والحرمان وكل أنواع العبودية الظاهرة والخافية. ومن هذه المآثر على المنطقة، ظاهرة وجود بلونيس يحارب بجيش مجهز من تمويل المستعمر موازيا لثورة التحرير بدعاية على أساس تحرير البلاد من فرنسا. أو انعقاد التصحيحية لحزب بعد الاختلاف في هرم السلطة خلال العشرية السوداء. يعطي لمحة عن درجة التأثير على الشعوب بصفة عامة وما حدث ويحدث الآن في العالم (العبودية في إفريقيا في القرون الماضية وحرب السودان اليوم وغزة).
في اعتقادي كما قال ابن خلدون “الاستبداد يقلب موازين الأخلاق، فيجعل من الفضائل رذائل، ومن الرذائل فضائل”.
هؤلاء الغوزات لم يدركوا الجانب العقائدي الأصيل والمتجذر في هذا المجتمع المسلم و يظنوا أنه كالمجتمع الأوروبي الذي سيطرت عليه الكنيسة و جعلته يؤمن بأن الجنة تمنح عن طريق وصل منها
رغم كل هذا الوضع مقابل القابلية كان حاجز ديني يحمي هذا المجتمع زيادة على عامل العادات و التقاليد التي تتنافى مع عادات المستعمر و بواسطة هذا المجتمع نفسه استطاعت الجزائر أن تحرر