كتاب وشعراء

شُرُوخُ التّيهِ.. بقلم الشّاعر القدير: د. عبدالكريم بعلبكي

في الأماكنِ التي تتباهى بذهبِها
تتدلّى الأنسابُ من سقوفٍ واطئة،

تنامُ الوجوهُ في خزائنَ مستأجرة،
كلُّ شيءٍ يلمع…
إلّا الثقوبَ التي تتّسعُ في الروح.

هناك،
تُقاسُ المسافاتُ بارتفاعِ الكعب،
وتُوزَنُ القلوبُ بجيوبِ المعاطف،
ويجرُّ النسبُ ظلَّهُ كطاووسٍ أعمى
فوقَ حدائقَ من البلاستيك.

الأشخاصُ المستهلَكون
وجوهٌ أعادَ الغيابُ تدويرَها،
أفواهٌ تلوكُ مراياها،
وأرواحٌ تضعُ عطورَ الآخرين
فوقَ جثثِ ملامحِها.

في مصاعدِ العلاقاتِ العابرة
نصعدُ بلا أسماء،
نهبطُ بلا ذاكرة،
نتركُ على أزرارِ القلب
بصماتٍ لا تخصُّ أحدًا.

كم يدًا صافحتْ سكّينًا
ثم خبّأتْ ارتعاشَها في منديل،
كم فمًا علّقَ وردةً على حافةِ الكذب
وأرسلَ إلى الحقيقةِ جنازةً من تصفيق.

الاجتماعاتُ موائدُ مستديرة،
تدورُ حولَ فراغٍ يرتدي ربطةَ عنق،
والكراسي تُنصتُ إلى كراسيها،
والكلماتُ،
تلك الحشراتُ المذهّبة،
تبيضُ في آذانِ الحاضرين.

في الخارج،
أعداءٌ يلمعونَ كأسنانِ الذئاب،
يستطيبونَ البغضاءَ
كما تستطيبُ النارُ حطبَها،
يفتحونَ للضغينةِ نوافذَ
كي يدخلَ الليلُ أكثر.

أتركُ لهم ظلالَهم،
لا أريدُ أن أُعلّقَ اسمي
على مشانقِ كراهيتِهم،
ولا أن أُهدرَ نافذةً من عمري
في مطاردةِ حشرةٍ
توهمتْ أنّها عاصفة.

ثم ألتفتُ…

ثمةَ هاجسٌ
لم يغادرْ مقعدَهُ منذُ الولادة،
يسكنُ خلفَ عينيَّ،
ويبدّلُ وجهي كلّما اقتربتُ من المرآة.

يُطعمني من ماضيَّ
ويُسمّمني بالغد،
يُربّي في صدري ذئبًا
ثم ينامُ مطمئنًّا
إلى أنّني سأسمّيه العالم.

كلّما مددتُ يديَّ إلى السكينة
أخرجَ من ضلوعي سيفًا،
وكلّما أغلقتُ بابًا على الكراهية
نبتَ في داخلي ممرٌّ آخر
يؤدّي إلى الضياع.

أيُّ مرآةٍ هذه
التي لا تعكسُ وجهي
بل تُعيدُ ترتيبَ التناقضات؟

وأيُّ سلامٍ هذا
الذي ينامُ على حافةِ اللسان
ويستيقظُ مذعورًا
كلّما مرَّ طيفٌ قديم؟

متى تنزعُ الروحُ خوذتَها؟
متى تكفُّ الذاكرةُ عن حفرِ الخنادق
في حديقةِ القلب؟
متى يعودُ الجسدُ من حروبه
بلا رايةٍ ممزّقة
ولا قتيلٍ يحملُ اسمَه؟

أريدُ للداخلِ أن يُطفئَ حدودَه،
أن تتصالحَ الجهاتُ الأربعُ في دمي،
أن تنامَ المرايا متقابلةً
من دون أن تتبادلَ الاتهام،
أن يخلعَ الظلُّ سوادَهُ
ويجلسَ إلى جواري
كرفيقٍ تأخّرَ في العودة.

ربّما حينَ تتعبُ السكاكينُ من لمعانِها،
حينَ يسقطُ الذهبُ عن وجهِ الفراغ،
حينَ نكفُّ عن توريثِ الكراهية
كما نورّثُ أسماءَنا…

ربّما،
تخرجُ من شقوقِنا شجرة،
لا تسألُ الأرضَ عن نسبِها،
ولا ترفعُ أغصانَها في وجهِ الريح،
بل تُنصتُ إلى جذورِها
وهي تفكُّ عقدةَ التراب.

هناك،
حيثُ لا يحتاجُ القلبُ إلى شاهدٍ
كي يصدّقَ خفقتَه،
ولا تحتاجُ الروحُ إلى عدوٍّ
كي تتعرّفَ إلى حدودِها،

قد نرى أخيرًا
أنّ بابَ المنفى
كان يدورُ في داخلِنا،
وأنّ البلادَ التي أضعناها
لم تكن وراءَ الحدود…

بل في المسافةِ
بينَ وجهِنا
ووجهِنا الآخر.

كلمات: د. عبد الكريم بعلبكي
لبنان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى