قراءة نقدية في قصيدة “عجباً لكم” للشاعر المصري المبدع: أشرف ياسين شبانة.. بقلم الأديب والناقد القدير: ماجد القيسي

عَجَباً لَكُمْ!
تَقِفُونَ عَلَىٰ أَيْدِيكُمْ
وَتُرِيْدُوْنَ الصُّعُودَ؟!
سَتَرْتَطِمُ رُؤُوسُكُمْ بِالقَاعِ،
أَوْ تَبْلُغُونَ السَّقْفَ بِنِعَالِكُمْ،
لِيَكُونَ سُقُوطُكُمْ..
أَقْبَحَ ارْتِفَاعٍ!
يَا مَنْ عَلَىٰ مُرِّ الحَنْظَلِ،
فَطَمْتُمُونَا عَنِ الرَّضَاعِ
وَعَلَّمْتُمُونَا الطَّيَرَانَ..
قَبْلَ المَشْيِ،
فَصِرْنَا وَنَحْنُ حُفَاةٌ؛
نَحْلَمُ بِالأَجْنِحَةِ.
نَزْرَعُ الشَّوْكَ بِأَيْدِينَا،
ثُمَّ نَبْكِي مَااقْتَرَفْنَاهُ البَارِحَةِ
و هُنَا؛ فِي الجَائِحَةِ،
تَحْشُونَ أَنْفَاسَنَا بِالبَصَلِ؛
فَلَانَفِيقُ إِلَّا عَلَىٰ الرَّائِحَةِ.
جَمِيعُنَا مُصَابٌ بِعَمَى أَلْوَانٍ؛
لَانُمَيِّزُ بَيْنَ أَخْضَرَ وَ أَحْمَرَ،
و نَكْتُمُ الضَّحِكَ..
فِي مَوْطِنِ الحُزْنِ
فَنَنْتَفِخُ كَعَجِينٍ تَخَمَّرَ.
هُنَا؛ نَتَصَارَعُ فَنَنْجَرِحُ،
وَنَتَوَرَّمُ،
نَحْتَفِلُ بِعَاشُورَاءَ،
وَإِخْوَانُنَا يَلْطَمُونَ بالمُحَرَّمِ.
هُنَا؛ كُلُّ القُلُوبِ مُدَانَةٌ
كُلُّ الأَفْوَاهِ جَبَانَةٌ،
وَهُنَا بِوَضْعِنَا المَقْلُوبِ؛
كُلَّمَا حَاوَلْنَا الشُّرْبَ؛
انْسَكَبَ المَاءُ عَلَى وُجُوهِنَا،
فَنَتَّهِمُ الكُوبَ بِالخِيَانَةِ.
هُنَا اللِّصُّ شَاطِرٌ،
وَالتَّصْفِيقُ للمُخاطِر،
و مَنْ يُجِيدُ إِخْفَاءَ البَاطِلِ؛
خَلْفَ ابْتِسَامَةِ المُنْتَصِرِ.
هُنَا، فِي مَدِينَتِنَا،
اسْتَسْلَمْنَا لِقَانُونِ الْقِسْمَةِ..
عَلَىٰ الْكَسْرِ؛
نَرْفَعُ الْمَقَامَ وَنُخْفِضُ الْبَسْطَ؛
بِدَعْوَى اسْتِقَامَةِ الْأَمْرِ!
فَالْأَمِينُ بَسْطٌ مُنْكَسِرٌ،
وَلِلتَّافِهِ مَقَامٌ يَعْلُو نَجْمُهُ،
وَلَا يَنْحَسِرُ.
هُنَا؛ الصِّدْقُ..
مِنَ الخِصَالِ اللَّئِيمَةِ،
و صُورَةُ المُنْتَصِبِ دَمِيمَةٌ
هُنَا فِي زَمَنِ المَقْلُوبِينَ؛
العَقْلُ تُهْمَةٌ،
وَالِاعْتِدَالُ جَرِيمَةٌ،
وَعَلَيْكَ أَنْ تُوَاجِهَ..
طَوَاحِينَ الشَّتِيمَةِ.
نَعَمْ؛
أَنَا أَعْقَلُ مَجَانِينِ العَائِلَةِ،
وَأَكْثَرُهُمْ إِدْرَاكاً
فَالْجُنُونُ صَارَ حِرَاكاً،
لِذَا قَرَّرْتُ التَّمَرُّدَ
عَلَىٰ الأَوْضَاعِ المَائِلَةِ
و لَنْ أَنْقَلِبَ..
لَنْ أَقْلِبَ الكُوبَ،
لَنْ أَمْشِيَ بِالْمَقْلُوبِ؛
رَغْمَ الضُّغُوطِ الهَائِلَةِ.
شعر: أشرف ياسين شبانة
#ashraf_shabana
القراءة النقدية:
تقوم قصيدة الشاعر (أشرف ياسين شبانة) على تصوير عالم مقلوب اختلَّت فيه الموازين، فأصبح السقوط صورة من صور الصعود، واختلطت الأسباب بالنتائج، وصار الإنسان يُحمِّل الأشياء مسؤولية أخطائه. ويتجلَّى هذا الانقلاب في صور ساخرة، مثل: الوقوف على اليدين طلباً للارتفاع، وانسكاب الماء على الوجوه مع اتهام الكأس، وهي صور تكشف عبثية الواقع وتناقضاته.
تعتمد القصيدة على السخرية السوداء لكشف فساد القيم الاجتماعية، فتسخر من الذين يحلمون بالطيران قبل أن يتعلَّموا المشي، ومن الذين يبالغون في أحلامهم وهم عاجزون عن امتلاك أبسط مقوماتها. كما تنتقد التناقض بين الشعائر والسلوك، حين تنفصل المظاهر الدينية عن الأخلاق، وتتحوَّل الشطارة من مهارة وقدرة إلى مديح للمحتال، بينما يُصفَّق للمغامرين ويُخفى الزيف وراء ابتسامة المنتصر.
كذلك تمنح الصور الرياضية القصيدة بُعداً دلالياً لافتاً، إذ تتحوَّل عملية القسمة وارتفاع المقام وانخفاض البسط إلى رموز لاختلال معايير التقييم؛ فيرتفع شأن التافه، وينكسر مقام الصادق، وكأنَّ المجتمع يعيد ترتيب الناس وفق مقاييس معكوسة لا تعترف بالكفاءة والنزاهة.
وتتسع المفارقة لتشمل العقل والاعتدال، فيغدو التفكير تهمة، والوسطية جريمة، ويتعرَّض المختلف لحملات من السخرية والإهانة. وتستحضر صورة طواحين الشتائم صراع الإنسان مع أوهام المجتمع وأحكامه، حيث يُحاصَر صاحب الرأي بدلاً من الإصغاء إليه.
وفي مواجهة هذا الواقع، ينتقل الشاعر من وصف الجماعة إلى التعبير عن ذاته، معلناً أنه أعقل المجانين في العائلة. فالمفارقة هنا أنَّ الجنون قد يكون علامة على الاحتفاظ بالعقل في بيئة فقدت توازنها، وأنَّ رفض الانصياع للواقع المقلوب يصبح موقفاً أخلاقياً لا مجرد تمرُّد.
وتعزِّز البنية الفنية هذه الدلالات من خلال تكرار الإشارة إلى المكان، واستخدام ضمير الجماعة، ثم الانتقال إلى ضمير المتكلم، فضلاً عن الجمل القصيرة والتوقفات التي تمنح الصور الساخرة إيقاعاً متوتِّراً. وتتضافر هذه الوسائل لتوحيد التجربة حول فكرة انقلاب القيم.
وهكذا لا تكتفي القصيدة بتشخيص عالم مضطرب، بل تكشف آليات تزييف الوعي وتبديل معايير الحكم على الإنسان.
وعلى الرغم من نبرتها الساخرة، فإنها لا تنتهي إلى اليأس الكامل، بل تترك مجالاً للمقاومة الفردية، حيث يرفض الشاعر أن يقلب الكأس أو يمشي على يديه لمجرَّد أن العالم اختار السير بالمقلوب.
بقلم: ماجد القيسي