حروب الرعيل الأول لنشر الإلحاد في مصر ” الحلقة الثالثة عشر ” ..تفكيك الملحدين …
محمد عنانى
محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند” والقاص فخري فايد وغيرهم». صعد الاثنان وسألا عن «الكاتب» على وجه التحديد، وقيل لهما: «أول أوضة على الشمال»، يكمل شعبان الحكاية: «بمجرد أن هممت بالدخول، وكان خلفي محمود نسيم، إذا به يعود للخلف كأن عقرباً لدغه، ويخرج من المكان مسرعاً، وهرولت خلفه، وسألته باندهاش شديد عن سبب مغادرته، فقال إنه فوجئ بصلاح عبدالصبور، لم يقو على الدخول، فقد كان عبدالصبور نجماً كبيراً، والهالة التي أحاطت به أربكت نسيم، لكنه بعد أن تماسك، وكان قد مضى وقت على وقوفنا في الشارع، صعدنا مرة أخرى، وللأسف كان عبدالصبور قد خرج وترك المجلة، واستقبلنا شخص وديع ولطيف للغاية، استقبلنا بمودة مدهشة، وكأنه أخ كبير، وعرفنا أنه الأستاذ علي شلش، وتركنا له نصوصاً كانت بحوزتنا».
ذهب شعبان يوسف، بعد تلك الزيارة بأيام قليلة، إلى مجلة «الكاتب» وكان مقرها في غرفة صغيرة للغاية، تضم مكتباً خشبياً قديماً، وحوله بضعة فوتيهات متآكلة، وكان بعض الشعراء الشباب يجلسون على تلك الفوتيهات، ومنهم أمجد ريان بشاربه الكث الذي يشبه جرن قمح، وبعينيه المندهشتين على الدوام، وحلمي سالم بمرحه الذي يبدو أول رسائله لأي شخص آخر، ووليد منير الذي يغرق في صمت مهذب، وبدا صلاح عبدالصبور على المكتب الخشبي القديم كمعلم بين تلاميذه، يتحدث بقوة وثبات وشبه يقين ما، وكان علي شلش يجلس بجواره مبتسماً ورقيقاً، ولاحظ شعبان وجود الشاعر نجيب سرور بين ضيوف المجلة، وشعر بأنه يتعامل مع المكان باعتباره صاحب بيت، وكان صوته هو الأعلى في ذلك اللقاء الأول.
يقول شعبان: «في البداية لم أكن متابعاً جيداً للمعركة التي دارت حول المجلة، رغم انخراطي في العمل السياسي النوعي والمتمرد، ولكن استهواني الذهاب المرة تلو المرة إلى مقرها، وقد استطاع عبدالصبور أن يجذب إليها كتّاباً من شباب الشعراء، وهم الذين سيُعرَفون بعد ذلك بـ(شعراء السبعينات)، فقرأنا على صفحاتها قصائد لحلمي سالم وأمجد ريان وحسن طلب وجمال القصاص وعبد المنعم رمضان عبيد وغيرهم. وأريد أن أتوقف عند هذه النقطة قليلاً، حيث أن كل جيل دائماً يبحث عن مساندة ما، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية تناسب الشعارات التي يرفعها أبناء هذا الجيل، فمنذ أن توفى الشاعر علي قنديل في حادث مأساوي، تصاعدت حالة التبني من إدارة المجلة للشعراء الشباب، أقول تصاعدت، لأن حالة التبني كانت بالفعل موجودة، منذ صدور العدد الذي تولى فيه عبدالصبور إدارتها، وسط معركة طاحنة بين يوسف السباعي، ومجلس تحرير المجلة ذاته، تلك المعركة التي انتهت بتقديم المجلس لاستقالته وقبولها فوراً، وكان وزير الثقافة جاهزاً على الفور للإحلال والتبديل، فاستعان بصلاح عبدالصبور، وهكذا لا نستطيع التماس الأعذار له، إذ كانت مسيرته العملية طوال الوقت مسيرة موظف كبير، بعيداً عن كونه الشاعر الأهم والأعظم في تاريخ الشعر في مصر، ولا ينكر فضله في الشعر إلا أعمى».
كان صلاح عبدالصبور في فترة اعتقال كثير من المفكرين والكتّاب الكبار، في أواخر عقد الخمسينات، مثل فؤاد حجاج ومحمود أمين العالم ولويس عوض وعبدالعظيم أنيس وألفريد فرج وصلاح حافظ وغيرهم، كما يقول شعبان يوسف، يتغنّى بالسلطة وإنجازاتها رغم عمليات القتل والتعذيب والتنكيل التي تجري في حق أصدقائه «لم يكن مطلوباً منه سوى الصمت على الأقل، لا المديح، لقد كتب ما لم يكتبه شاعر آخر في التنظير لثورة يوليو، وله في ذلك مقولات كبيرة، منها مثلاً: «حين قامت ثورة 23 يوليو سنة 1952، تحسسنا جراحنا، فعرفنا قوميتنا، وعاد ركب هذا الجيل، الذي كاد يضيع بين التيارات الغربية، إلى كتيبة العروبة»، وكذلك: «حين قامت ثورة 23 يوليو سنة 1952، وتوالت انتصاراتها ابتدأ المفكرون ينظرون إلى مواطئ أقدامهم، وأخذنا نحاول أن نقيم لنا فلسفة فكرية عربية معاصرة»، كانت أفكاره تؤازر الفكر الديماجوجي السائد في ذلك الوقت، ولم يكن عبدالصبور الشاعر المجدد والمثقف الراقي، إلا فرداً في جوقة واسعة تمجّد في السلطة وإنجازاتها العظيمة، رغم أن معتقلات تلك السلطة كانت تتكدس بآلاف النبلاء، بل حدث أن تم اغتيال بعضهم مثل شهدي عطية الشافعي وفريد حداد ولويس إسحاق ومحمد عثمان وغيرهم».
يستدعي شعبان وصف إبراهيم فتحي لصلاح عبدالصبور: «المكتئب شعراً، والمبتسم نثراً»، كان فتحي يطلق على الشاعر الكبير «العبقري» ويعلق شعبان: «لم يكن عبدالصبور سعيداً في شعره، ودائماً كان بطله يبحث عن الحرية، ولا تبتعد عن الذاكرة قصيدته الأشهر (عودة ذي الوجه الكئيب إلى الاستعمار وأعوانه)، والتي قيل إنها تقصد جمال عبدالناصر، وتعود ظروف كتابتها إلى عام 1954 بعد أزمة مارس الطاحنة، وتملّك جمال عبد الناصر كل مقاليد الحكم في سبتمبر 1954 بعد الإطاحة التامة بالرئيس محمد نجيب، ومما يؤكد أن تلك القصيدة مكتوبة في هجاء الزعيم أنها نشرت في مايو ١٩٥٤بـ «الآداب» اللبنانية بدون التذييل الذي أضافه في العنوان وهو «إلى الاستعمار وأعوانه» وقد اعتبر باحثون أن هذه الإضافة نوع من التمويه لكي يعطي دلالة على أن القصيدة لا تنال من عبدالناصر، ثم نشرت في ديوانه الأول (الناس في بلادي) عام 1957 في بيروت، وحُذفت منه عندما صدر في مصر، ولم تعد القصيدة إلى الديوان، مرة أخرى، إلا بعد رحيل جمال عبدالناصر وصلاح عبدالصبور نفسه، وذلك في طبعة دار الشروق في عقد الثمانينات».
وكان صلاح عبدالصبور نجماً ساطعاً في سماء الحياة الثقافية، وكانت مقالاته البحثية والفكرية والأدبية، والبعيدة عن الكتابة السياسية، من أجمل ما كان يُكتَب في «روز اليوسف» وبعد مسرحيته «مأساة الحلاج»، أصبح من نجوم المسرح الشعري الكبار، وظل يكتب دراسات ومقالات وأبحاثاً في المسرح، حتى ترأس تحرير مجلة المسرح عام 1969 خلفاً لرشاد رشدي وعبد القادر القط، ونشر مسرحيته الثانية «ليلى والمجنون» في العدد الصادر في فبراير 1970، وظل رئيساً لتحريرها حتى توقفت بعد قرارات د. عبد القادر حاتم الحاسمة في تعطيل المجلات الثقافية، ولم تنج إلا مجلات قليلة جداً مثل مجلة الكاتب.
وعندما توقفت مجلة المسرح، كما يحكي شعبان، جيء بعبدالصبور لكي يترأس تحرير عدد واحد من مجلة «الشعر»، ثم جاءت واقعة مجلة «الكاتب»، وكان رحيل الشاعر الشاب والموهوب علي قنديل حالة نموذجية لكي يستثمرها الجميع، كان علي قنديل التلميذ النجيب والمباشر للشاعر محمد عفيفي مطر، وقد اكتشفه في مجلة «سنابل» التي يرأس تحريرها وتصدر في كفر الشيخ، وعندما جاء قنديل إلى القاهرة، ليلتحق بكلية الطب، كان الشاعر سيد حجاب يقيم «ندوة الشباب» في «الاتحاد الاشتراكي العربي»، وهو التنظيم السياسي الأوحد للدولة، وبرز في هذه الندوة مجموعة من الشعراء الشباب الموهوبين.
من أزاح عفيفي مطر من ملف علي قنديل في «الكاتب»؟
بعد رحيل علي قنديل، ذهب رفاقه إلى مجلة الكاتب في عنوانها بـ«1117 كورنيش النيل» ليسلموا مادة ملف عنه، وهي تعيش فترة شائكة، يحكي شعبان يوسف: «عبد الصبور ومعه أعضاء هيئة التحرير وجدوا أن تبني قنديل ورفاقه مناسبة كبيرة لكي يلتف هؤلاء الشعراء حول المجلة، ولا يخفى علينا أنه تم إزاحة عفيفي مطر عن المشاركة في ملف علي قنديل، أو الكتابة عنه، بما يشبه العمد، ولذلك جاءت طبعة الديوان الأولى التي أصدرتها دار الثقافة الجديدة لعلي قنديل في نوفمبر 1976، مصحوبة بمقدمة نقدية وعاطفية طويلة لمحمد عفيفي مطر، وفي هذه المقدمة صبّ عفيفي مطر غضبه على عدو لدود، ولا يخفى على أحد تلك الإشارات التي خصّ بها عفيفي مطر، خصمه صلاح عبدالصبور، وللأسف أن مقدمته لم تنشر فيما بعد، في أي طبعة من طبعات الديوان اللاحقة لعلي قنديل».
يكتب عفيفي مطر في مقدمته: «..تم الحذف والاستبعاد النهائي بالتجاهل، وبدأت عمليات الاحتواء والتكتل القبلي والعشائري لتعود سيطرة الاندماج فيما هو قائم، بعد أن توزعتها وتقسمتها أيدي وكلاء عموم النضال ومطلق السلطة، وأصيبت حركة الشباب وانتفاضاتهم بأبشع أمراض الشيخوخة وطفح القمع وقروح الثنائية، مما يدخل في علم النفس الباثيولوجي وأمراض التخلف في العدد الثالث، وأصبحت موجة يعتليها ويوظفها من استطاع لما يشاء..».
وبالطبع جاءت مجلة «الكاتب» لصلاح عبدالصبور في سياق التصفية الشاملة لكل الأصوات اليسارية أو الناصرية، كما يقول شعبان يوسف، وكان صلاح نفسه قد انقلب على الفكرة الناصرية، بعد أن كتب مسرحيته الشهيرة «بعد أن يموت الملك»، ويعلق: «لن يختلف اثنان بالطبع على أن جمال عبد الناصر كان ماثلاً في كل سطر فيها، ولم تكن العمل الوحيد الذي هاجم جمال عبد الناصر، إذ أن الموسم كان حافلاً بالهجوم على الزعيم وسياساته وسلطة يوليو كلها، على مدى ثمانية عشر عاماً، دون استثناء، كتب توفيق الحكيم وجلال الدين الحمامصي وصالح جودت وغيرهم، وانقلب على العهد السابق أناس كانوا مؤيدين، منهم رشاد رشدي، والذي أصبح نجماً في العهد الساداتي، حتى أن الشيوعيين كتبوا ضد المرحلة، ورغم أن مسرحية عبدالصبور كانت تعالج علاقة المثقف بالسلطة، إلا أن كل ظلالها امتدت إلى عبدالناصر وعهده، وكذلك رواية (حكاية تو) لفتحي غانم، والتي نشرت مسلسلة في مجلة (روز اليوسف) عام 1973».
ونكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ونرجو التعليق بأكمل لو كان الأمر يهمكم