محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند”
إن أعضاءها كانوا قد اندهشوا بسبب إقدام ثلاثة شعراء على نشر قصائدهم بالمجلة المختطفة، لكن هذه الدهشة سرعان ما زالت عندما أرسلوا هذه الرسالة.
رسالة شديدة اللهجة من الشعراء الشباب إلى صلاح عبد الصبور
إلى السيد صلاح عبدالصبور:
لسنا في حاجة إلى رضاك ونطالبك بالغضب علينا
بماذا يمكن وصف تلك الرسالة؟ ربما.. قوية وواضحة ومؤلمة.
«السيد صلاح عبدالصبور: لم نفاجأ بالسقطة التي هويت فيها بقبولك رئاسة تحرير مجلة الكاتب الأميرية، مشكّلاً عنصراً من عناصر الضعف في موقفها الدفاعي خلال معركة الديمقراطية التي تخوضها فصائل الشرفاء ضد أعداء الثقافة والمستقبل، لم نفاجأ ولم نُفجع فيك، فقد وقفت نفس الموقف في كل تاريخك ومواقعك التي حاربت وحاصرت من خلالها كل ما يزدهر في مصر ويتفتح، لتبقى الأكذوبة الشعرية التي تمثلها رائجة ومطلقة في الساحة تلتهم كل بشائر الحساسية الجديدة وتسد الطريق أمام جيل كامل باصطفافك ورعايتك للمواهب الهزيلة، وما حدث في العدد الأخير من مجلة الكاتب الأميرية تجسيد لكل المواقف المبتذلة».
وتقول الرسالة بنفس اللهجة الحادة إن «حديثك الغثّ عن المواهب والأصوات الشعرية الجديدة ومحاولات الاستقطاب والتظاهر بالتعاطف الزائف مع شعراء أنت أحد قاتليهم يدفعنا لتوضيح المسألة للقراء، حتى لا يظنوا أننا يمكن أن نسقط إلى هذا الحد في أوحال المواقف اللاديمقراطية والانتهازية العارية من الشرف. أولاً: إننا نرفض تقديمك لنا بهذه الصورة اللاأخلاقية لتعلن على الملأ رضاك عنا. إننا لا نطالبك بالرضا، فلسنا في حاجة إلى رضاك، بل نطالبك بالغضب علينا. ثانياً: إننا نرفض تحقيق أي مكسب مهما كان عن طريق الوقوف ضد الديمقراطية، وحرية الرأي تلك التي تتباكى على موتها وبيدك خنجرك المسموم الذي يتوغل في قلبها».
ثم تبدأ الرسالة في ذكر ما تصفه بـ«القصة المضحكة وراء نشر هذه القصائد»: «بالنسبة لقصيدة الشاعر محمد يوسف (بانتومايم) فإنها كانت في حوزة سكرتير مكتبك السابق حسن توفيق من عام 1971 لتُنشر بمجلة الشعر، أما قصيدة الشاعر محمد محمد الشهاوي (معزوفة متداخلة على شطآن السقوط) فقد أُعطيت لك – هي الأخرى – ضمن مجموعة من قصائده لتُنشر في مجلة الشعر أيضاً، وبالنسبة لقصيدة الشاعر حسن النجار (المدخل إلى التراجيديا الريفية) فقد أرسلها قبل عام 1970 لتُنشر بمجلة (الكاتب) قبل أن تُجهض، وبناء عليه فإن نشر هذه الأعمال الشعرية في هذه الفترة يمثل اغتصاباً مبتذلاً لهذه الأصوات التي ترفض التعامل بهذا الأسلوب، واستيلاء غير مشروع على إبداع، هو في الحقيقة فوق مستوى الكلام والمهاترات التي وردت في تعليقكم، الذي يتظاهر بالتعاطف الزائف، والذي هو استمرار لسياسة القتل لحساسية شعرية تتجاوز مقدرتكم على استقطابها أو محاولتكم لتشويهها وطمس ملامحها»، وإمعاناً في التنكيل بصلاح عبدالصبور اختارت «الكاتب» مقطعين له، واحد من قصيدة وآخر من مسرحية، وكأنه يصف نفسه بهما، تحت عنوان «يا للإنسان الورقة»، وكان المقطع الأول من ديوان «أحلام الفارس القديم» 1964: «قد كنتُ فيما فات من أيام، يا فتنتي محارباً صلباً وفارساً همام، من قبل أن تدوس في فؤادي الأقدام، من قبل أن تجلدني الشموس والصقيع، كي تذل كبريائي الرفيع»، ثم المقطع الثاني وهو سطر واحد من مسرحيته الشعرية «ليلى والمجنون» 1970: «في شهرين سقطت.. يا للإنسان الورقة».
صلاح عبدالصبور:
محمد محمد الشهاوي اشتكى لي من علّة جسدية ونفسية
ولم يرد عبدالصبور على هذه الرسالة، مع أن تقديمه لأصحابها على صفحتين كاملتين 80 و81 في عدد نوفمبر 1974 من «الكاتب الأميرية» احتوى على حقائق يمكن البناء عليها، ومنها ما كتبه عن محمد محمد الشهاوي، حيث وصفه بـ«صوت لشاعر لقيته ولقيني في تلك الآونة»، مضيفاً: «أودعني كراسة شعره، وكنت قد قرأت له بعضه في المجلة المذكورة بحسن الأثر وطيب الصيت (سنابل) وكنت قد أُعجبت بهذا الصوت الجديد، رغم تأثره بشاعر من شعرائنا المعروفين هو الشاعر محمد عفيفي مطر في تماسكه ومقدرته على بناء القصيدة، وما أظن ذلك القول يُغضب عفيفي مطر، فإني أعرف أن الآباء يحبّون لأبنائهم أكثر مما يحبون لأنفسهم»، ويبدو أن الشهاوي وجد في عبدالصبور صاحب مشاعر دافئة شجعته على أن يبثّه همومه وأوجاعه، فصاحب «مأساة الحلاج» قال إن من يقصده هو «محمد محمد الشهاوي من كفر الشيخ»، ثم «لا أدري ما شأنه الآن، ولكني أرجو أن يكون خيراً كله، وأن يكون صحيح الجسم والنفس، فقد اشتكى لي في ذلك الوقت علّة بهما معاً»، كما مضى عبدالصبور في تقديمه للأصوات الجديدة وظروف حصوله على قصائدهم، متطرقاً إلى الشاعر حسن النجار: «كان ذلك الوقت مقاتلاً، وهو الآن يعمل بوزارة الصحة في طنطا، ويرجو أن يُنقل إلى جهة ثقافية بالقاهرة، ويتخذ منها منبراً لصوته، وإني لأحسّ في حسن النجار شيئاً مني، وأرجو أن يكون قد تجاوزني منذ ذلك الحين»، ثم كانت المفاجأة في الصوت الثالث، الذي لم يوقّع مع الموقّعين على رسالة «الطليعة»، إنه الشاعر رفعت سلام: «وقصيدته التي أوردها هنا تتحدث عن تجربة حب عصرية، حيث ينمو في وجه القهر، وقد كُتبت هذه القصيدة قبل هبوب رياح الحرية على بلدنا الحبيب»، ثم كان الصوت الرابع لحلمي سالم: «وفيه نبرة رومانتيكية عذبة، ما أسعده وأغناه بها إذا استطاع أن يحفظها على نفسه، وأن يمنحها عمقاً وأصالة باختبارات حياته وصورها»، ثم كان الصوت الخامس للشاعر حسام الدين الفوّال، الذي يقول عبدالصبور عن قصيدته إنه استمتع برقّتها، وأخيراً الصوت السادس للشاعر محمد يوسف: «وهو صوت كنت أعرف صاحبه، وأراه بين حين وآخر.. كان فيما أذكر طالباً مخضرماً في إحدى كليات الجامعة، وطامحاً للسفر إلى بلاد الله، ولعل الله أسكنه من بلاده حيث يحب».
نجيب سرور: الشاعر الذي يسير «مائل الرأس» اسمه عفيفي مطر
وهناك إشارة لازمة قبل إكمال قصتنا الرئيسية، ففي كلام عبدالصبور عن عفيفي مطر، يبدو الأول متحسباً من غضب الثاني لمجرد قوله عن شاعر شاب إنه تأثر بأسلوبه في بناء القصيدة، فيحاول أن يغلق أمامه طريق الغضب. هذه الحساسية المفرطة في تعامل عبد الصبور مع مطر تكشف عن صراع مكتوم بين الشاعرين الكبيرين، تناقل تفاصيله أصدقاؤهما المقربون جيلاً بعد جيل حتى وصلت إلينا، وكان من بين فصوله أن لاحق نجيب سرور – صديق عبدالصبور المقرّب – عفيفي مطر كالكابوس، فكتب عنه سلسلة مقالات لاذعة، في مجلة «الكاتب» استمرت على مدار أربعة أعداد، أولها كان في العدد 207، وقد ركز سرور في هذه المقالات القاسية على تخفي عفيفي مطر وراء المعاني غير المفهومة، إذ كان، بحسب ما ذهب إليه، يهرب من الواقع إلى الشعر، وفي الشعر المغلق، الصعب، لا تستطيع أن تستنبط موقفاً، أو رسالة، وحتى وإن استنبطت، كما استبط نجيب سرور نفسه، فإنك ستحكم عليه بأنه «مدّعي بطولات» و«مدعي فروسية» و«مدعي نضال». يكتب نجيب سرور في الحلقة الثانية، المنشورة في العدد 208، أغسطس 1978 عن قصيدة مطر «شهادة الضحك في زمن البكاء» قائلاً إن «القصيدة المذكور عنوانها على رأس هذه الفقرة هي خطوة انحدار أخرى نحو الهاوية التي لا قرار لها، فالشاعر في الواقع سيصادر فيها على المصير وعلى الشعر وعلى كل شيء لحساب أشياء أخرى تماماً، حريصاً في نفس الوقت على الاحتفاظ بأقنعة التمرد والرفض والغضب والثورة والفروسية كوسائل للتغطية والتمرير، الأمر الذي يحتّم على القارئ أن يكون غاية في التيقظ والحذر، وخصوصاً أمام الكلمات الحارة، أو المفرقعات التمويهية من الكلمات والإيقاعات والفواصل»، ثم يضرب نموذجاً بجزء من القصيدة يبدأ بـ«الشاعر الذي يسير مائل الرأس محاذراً في الطرق المشبوهة، يقتات من جهامة الصوت» معقباً: «إن الشاعر الذي يسير (مائل الرأس) هنا هو عفيفي مطر نفسه، الذي نكّس رأسه أمام الأمر الواقع، وأمام الظروف، ولاذ بالشعر»، ثم يمنحنا نموذجاً ثانياً من القصيدة يبدأ بـ«حاكمني الصباح والمساء» ليصل إلى أن «الشاعر الذي يضيق بالمحاكمة هو الشاعر الذي لا يشعر بالمسؤولية، أو الذي تخلى عن المسؤولية أو يحب التخلي عنها، أما الشاعر الذي يتحمل المسؤولية فلا يسير (مائل الرأس) محاذراً في الطرق المشبوهة»، كما أنه يصوّر عفيفي على أنه «يدّعي في نفس الوقت أنه جرؤ بفروسية وبطولية زائفة ومعكوسة على أن يدخل الأبواب المحرمة»، ويضرب مثالاً بهذين السطرين الشعريين: «كيف جرؤت في هذه اللحظة أن تمر عبر بابنا المحرم، لا أنت من طينتنا ولا على ثوبك شارة الدخول» معقباً من جديد: «ولكن الدخول من الأبواب المحرّمة أمر مجرد من الجرأة نهائياً، كما أنه ليس اقتحاماً لها، وإنما هو استسلام – كما سيقول هو نفسه بعد قليل – لأن الشاعر أصبح فعلاً من نفس طينة حرّاس تلك الأبواب»، كما جزم بأن «الحرام لديه مباح، والمباح لديه حرام، والسلب كالإيجاب، والعكس وعكس العكس»، وبعد مقطع جديد لمطر، مقطع يقول فيه: «أنا مسافر أدخل في البواية الممنوعة، وشارتي التي أرفعها: قصائدي الطيّعة المطيعة» يعقّب سرور: «وهكذا أصبح – كما قلت – حيواناً أليفاً مستأنساً ممتثلِاً، ومن ثم دخل بعد أن (غسل) طينته كما يقول، واحترف الرقص في الأعراس، كما احترف (مدح الفحول) وكما احترف الرثاء (بكل مأتم) وأصبح يسكب (النبيذ الذي يُدفع من عصارة الدم) وتحول إلى حنجرة لكل نابح وصاهل وشاحج (غليظ الصوت) للندب والطبول» متسائلاً في النهاية: «أعرفتم الآن من ذلك الشاعر المائل الرأس؟!».
وحتى لا نطيل على سيادتكم نكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ومن يهتم بالأمر نرجو التعليق بأكمل