محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند ” ثم ينشر نص الاستقالة التي عرضها هذا التحقيق. وقد بدا ثروت أباظة وسط الأدباء الذين يشهدون لصالح «الكاتب» في ملف «الآداب» كالغراب الذي حطّ على طاولة يجلس حولها مجموعة من الأصدقاء متقاربي الأفكار، وليست هناك فوارق ضخمة في فهمهم للفن أو قضايا الحريات. فما الذي يمكن انتظاره منه؟ لقد قالت ابنته أمينة ذات يوم في «الوفد» إنهم يهاجمون أباها حياً وميتاً، ومن الطبيعي أن ينبشوا قبره، ومن الطبيعي كذلك أن لا ترى الابنة أي سوء فيما كان يفعله حتى لو كان يذبح خصومه بدم بارد، خاصة وأنه كان مثل كثير من كتّاب اليمين صاحب حجة ومنطق، لكنه منطق لا يرى في المخالف سوى عميل. يكتب في شهادته: «ومجلة الكاتب تصدر عن وزارة الثقافة، فليس عجيباً أن يكوّن الوزير المسؤول هيئة التحرير التي يراها صالحة، وأول ما يجب أن يتوفر لهذه الهيئة أن تكون مصرية، تصدر في مشاعرها وآرائها عن الفكر الوطني، وهناك جانب من اليسار ينتمي إلى الشيوعية العالمية التي ترفض الوطنية وتطلق عليها الشيفونية، وترى في الوطنية جريمة لا تغتفر»، وفي شهادته أثنى نجيب محفوظ على المجلة، إذ وصفها بأنها «تمثل تياراً فكرياً جديراً بالتعبير عن ذاته، لأنه تيار موجود له الحق – في نظري – في التعبير عن ذاته، وفضلاً عن ذلك فهو لا يتناقض مع تيار الدولة التي تسير في طريق الاشتراكية»، ويتساءل: «كيف ينبغي أن يتصرف الوزير فيما يعتقد أنه خروج على الخط الوطني؟ هل يمنعه بوساطة موظف في المجلة من أهل ثقته؟» وهو يجيب قائلاً «إنه لحل معقول لو كان الوزير وزيراً للإعلام مثلاً، ولكن سيادته وزير للثقافة»، والثقافة بحسب ما ذهب إليه نطاقها ضيق وجميع روادها على درجة من الوعي تجعلهم يفكرون فيما يقرأون، ويصل محفوظ إلى ما يريده، لكنه لم يستخدم كعادته كلمات حادة أو حلولاً قاطعة، صحيح أنه يتبنى أن «يجيء التصحيح عن طريق القلم والكلمة لا عن طريق الرقيب» إلا أن أقصى ما اقترحه على «الوزير الأديب» بلهجته الحكيمة البسيطة التي طالما ميّزته: «أن يدعو مجلس المجلة القديم إلى لقاء جديد، وألا يعتبر التراجع عن قراره هزيمة، فطالما قابل هجوم أعدائه بالتسامح الكريم، فضلاً عن أن التراجع إلى ما يعز الفكر والثقافة يعتبر تقدماً ونصراً وكرامة».
وحينما تنتقل من شهادة محفوظ إلى شهادة إدريس يبدو كأنك انتقلت من مشاهدة غزال وديع لا يُسمَع له صوت، إلى مشاهدة أسد غاضب، لا يكف عن الزئير: «إن قطع اللسان ليس عقوبة، إنه جريمة تقشعر لها الأبدان، وإن مصادرة الكاتب جريمة في حق تحالف قوى الشعب العامل، ولا أعتقد أنه سياسة الدولة مطلقاً، تلك التي عبّرت عن نفسها في ورقة أكتوبر وغيرها، إنما هو إجراء من تلقاء ذات الوزير، إجراء يستهدف القضاء على نقطة ذكية ثورية مخلصة كي يسود المجلة ما يسود كافة أجهزة وزارة الثقافة من تسطيح وغثاثة وسلفية»، أما رضوى عاشور فقد أطلقت رصاصة باتجاه الوزير: «أشعر – وأعتقد أن الغالبية العظمى من المثقفين المصريين الشرفاء يشاركونني في هذا الموقف – بأن وجود السباعي كوزير للثقافة أمر مهين للغاية»، كما أن نبرة إبراهيم أصلان كانت عالية، فالأمور لا تحتمل الوسطية: «إن المشكلة كما نعرف جميعاً تتعلق بتلك النظرة الدونية الجهولة التي تحكم العمل الثقافي في مصر خلال هذه الأيام» ثم يتساءل: «هل نتكلم ونفكر بوصفنا رجالاً أحراراً أم كمستبدين؟» إلى أن يصل للقول: «إن عدم التعاون مع مجلة الكاتب في ظل هذه الظروف الجديدة، وبذل أي جهد من أجل مساعدتها على الاستمرار، بعد أن أُجبر رجالها على الرحيل، واحدة من الكبائر التي لن يغتفرها التاريخ لأي كاتب عربي، ذلك أنها ليست أقل من خيانة دنيئة في حق كل ما جاهد الإنسان من أجله، عبر سنوات طويلة من المظالم والانتهاكات»، أما شهادة عبده جبير فقد أكدت على وجود مخطط واضح منذ صدور «الجديد» و«الثقافة» و«المسرح والسينما» من قبل المسؤولين على مؤسسات وزارة الثقافة، مخطط «يعمل على تغليب تيار متخلف من المرتزقة والجهلة دعاة التجهيل، إلى حد يجعلنا نتردد في تسميته باليمين»، مخطط يمكن القول معه بوضوح إن «السيد الوزير ليس فقط يقف بصلابة في صف هذا التيار المتخلف، بل وفي موقف معارض تماماً للديموقراطية»، وسخرت شهادة محمود الورداني من الأمور، إذ يفاجئنا بأنه يرى ما يجري لـ«الكاتب» أمراً طبيعياً، ومفهوم طبعاً ما يقصده الورداني، أن السلطة وقتها كانت تسعى للهيمنة على أجهزة الثقافة، وبالتالي فإنه يصعب تصديق تركها المجال لمجلة جادة وكتّاب يسعون لإحداث التغيير، حتى أنه يقول ببساطة، بنفس لهجته الساخرة في نهاية المقال: «وعليه فلتغلق مجلة الكاتب بمنتهى البساطة»، ووجّه سعيد الكفراوي رسالة بليغة وحادة إلى الوزير لا تتناسب مع بدايتها بـ«يا سيادة الوزير»: «بعد أن أقفرت الحياة الثقافية في عهد د. عبدالقادر حاتم وعلا فيها صفير الخراب وشُكلت لجان النظام، وتمت تصفية كل التيارات التقدمية والمعارضة بدءاً بحركة الطلبة والعمال، وانتهاء بعزل المثقفين المصريين الشرفاء، والذين لولا ضغوطهم الحقيقية ما كانت اتضحت الرؤيا لدخول حرب أكتوبر المجيدة بعد تلك الفترة. جئت أنت فماذا قدمت؟ أتيت لتصفي مجلة (الكاتب) محاولاً ضرب تيار أنت ترى نفسك ضده من موقف الوزير المسؤول، واصطنعت لذلك شتى السبل كتغيير هيئة التحرير، وفرض هيئة جديدة من موظفي وزارة الثقافة ممن يحملون في أعماقهم الولاء لشخصك، ثم تكليف السادة ملتزمي الاسترزاق وجوقة المداحين التي ترى ضرورة غلق (الكاتب) وفي الوقت الذي قرر فيه رئيس الجمهورية رفع الرقابة عن المجلات والصحف كانت (الكاتب) المجلة الوحيدة التي تُفرض عليها الرقابة، ويُفرض عليها أشخاص حتى تتساوى مع مجلات الوزارة، مع بقية الجهات الأخرى في النشر والمسرح والسينما. يا سيادة الوزير: لقد اخترت مجموعة من الجياد الخاسرة، جياد لعقت – على طول تاريخها – نعال الملوك ووزراء الداخلية والمخبرين، بالله.. لقد اخترت الناحية الأخرى من التاريخ!».
حينما طلب إبراهيم منصور من محمود الورداني المشاركة في ملف «الآداب» كان في ذهنه أن يكون هناك كاتب شاب في الملف، إذ كان يبلغ من العمر وقتها 24 عاماً، وقد كان إبراهيم منصور حريصاً – كذلك – على تمثيل كافة التيارات، بما فيها اليمين، ويقول الورداني إنه ينبغي النظر لما جرى للكاتب في سياق انقلاب القصر الذي قاده السادات بعد توليه، حيث لم يُطح فقط بمن كانوا يشكّلون مراكز القوى، بل أطاح أيضاً بمؤسسات الثقافة، التي كانت سائدة آنذاك، وصحف ودور النشر العريقة. في هذا السياق كانت الكاتب شوكة في ظهره: «كان يكنّ عداء شخصياً، فضلاً عن عدائه كممثل للدولة آنذاك، لليسار ولاستقلاله».
كان السباعي يتخيّل، أن نقاد اليسار لم يكتبوا عنه، بحسب الورداني، بسبب عدائهم لشخصه، وليس لأنه كاتب متوسط القيمة: «لا أنسى أنه نشر في مجلة (الجديد) التي أصدرها وربما في مجلة (الثقافة) ترجمة لمقال ناقد روسي يشيد به، وعلّق على هذا المقال متهماً نقاد اليسار بالغباء، لأنهم لا يلتفتون إلى أعماله بينما (أصحاب التوكيل) ذاتهم أشادوا به».
ويقول إن «السباعي انتظر الفرصة للتخلص من (الكاتب) المجلة المرموقة التي كان لها شأن فعلاً على المستوى العربي وليس على المستوى المصري فقط، ولذلك بدأ بعرقلة صدورها، وافتعال أزمات، وقدّم بلاغاً في صلاح عيسى، وفي محمد كامل القليوبي، وعزالدين نجيب، وكل كتّاب جمعية الغد. كان يحب البلاغات جداً».
كان الناس في هذا الوقت يقاومون مقاومة ضارية، وثمة نظرة متدنية للنشر في مؤسسات وزارة الثقافة، وعلى سبيل المثال كان إبراهيم أصلان يرى أن «ذلك النوع من النشر انتقاص من الكاتب»، كما قابل الورداني صديقه إدوار الخراط الذي أصدر للتو عملاً في سلسلة «ماستر» وسأله الورداني ضاحكاً: «ده أضعف الإيمان يا أستاذ إدوار، مش كده؟!» وردّ عليه الخراط بجدّية: «ده بقى الإيمان كله»، ولم يكن غريباً أن تحدث ثورة «ماستر» كاملة، حيث يتكاتف الجميع من لحظة الإعداد لإصدار المجلة وحتى توزيعها باليد: «أغلبنا كان يرفض في هذا التوقيت التعامل مع مؤسسات وزارة الثقافة، وعلى سبيل المثال كان مدهشاً لنا للغاية أن ينشر ثروت أباظة لنفسه قصة بعنوان (الشيوعي) في جريدة بحجم الأهرام، بعد أن تولى القسم الثقافي فيها، يكيل فيها التهم للشيوعيين ويقول إنهم أشخاص يفتقدون إلى الأخلاق». يتذكر الورداني كذلك شخصاً ثانياً من الأشخاص الذين طفوا على الساحة فجأة في ذلك التوقيت: «باح السادات بحزنه في أحد اللقاءات مع مثقفيه، ففزّ صالح جودت واقفاً، وقال بحماس مبالغ فيه: سيدي نحن نحمل حزنك عنك، فقال له السادات بامتعاض: اجلس يا صالح.. هذا حزني وأنا كفيل به»، أما الشخص الثالث فهو رشاد رشدي: «ظهر فجأة كنبتٍ شيطاني، أصبح صاحب مسرحيات تصدر في كتب، ثم تُمثّل على مسارح الدولة، لقد كان هذا الشخص عنواناً على طبيعة تلك المرحلة، وقد تولى مناصب مخيفة، منها أكاديمية الفنون لكنه خربها، كانت فترته فترة تعاسة كاملة بالنسبة للعاملين بها. ولم يكن هو وأصدقاؤه مثقفين أو أصحاب مشروع أو رغبة في بناء شيء، وإنما جاءوا لينهشوا في أجساد المختلفين وليمزقوا أي فرصة للاختلاف، وانظر مثلاً إلى نبيل راغب الذي كتب عملاً بعنوان (أنور السادات رائداً للتأصيل الفكري) لقد كانوا مدهشين في ريائهم»..
وكانت أول استضافة لـ«الكاتب» في «الطليعة» خلال العدد الحادي عشر، نوفمبر 1974، وقد توسط الغلاف برواز أسود، مدوّن فيه بخط أزرق واضح، وهو لون لوجو المجلة: «الطليعة تستضيف الكاتب» وكان العنوان الرئيسي للغلاف «اليمين المتخلف الذي طفح على جلد الأمة» وهو كذلك عنوان افتتاحية لطفي الخولي رئيس التحرير، وقد تساءل: «كيف وقعت ثورة يوليو في براثن هذه السلبية الخطيرة، التي تمكّنت من الاختباء تحت جلدها وداخل مؤسساتها، طوال هذه السنين؟» مجيباً: «يبدو أن الثورة ظنت أنه بمجرّد مصادرة أراضي كبار الملاك والمصالح الرأسمالية الكبيرة، فإن ذلك يعني التصفية لطبقة النصف في المائة المسيطرة والسائدة، غير أن التصفية المادية للمصالح، على الرغم من ضرورتها وأهميتها، ليست كل شيء، وإنما يستلزم الأمر أن يرتبط ذلك بتصفية اجتماعية تجتثُ بذور الطبقة – لا الأفراد – من الحقل الاجتماعي والسياسي والفكري، ويأتي ذلك من خلال حركة ديمقراطية شعبية واعية تمارس نشاطاً سياسياً وفكرياً مؤثراً وفعالاً، وتملك تنظيماً سياسياً طليعياً، يمثل فكر ومصالح القوى العاملة وتحالفها الوطني التقدمي. إن ما حدث هو أن الثورة اكتفت بالتعامل من فوق، وبالقرارات الإدارية العلوية، مع حالات فردية من أبناء هذه الطبقة. وظل الإجراء الإداري، وأحياناً البوليسي، هو الذي يُلجأُ إليه استسهالاً. وأُهمل العمل السياسي والفكري، فكانت النتيجة أن الطبقة الرجعية خسرت مواقعها الاقتصادية وبعضاً من نفوذها الاجتماعي، ونفوذ عدد من شخصياتها وزعاماتها البارزة، لكنها بقيت، كقوة اجتماعية، بقيمها الاستغلالية، ونشاطها الطفيلي، وعلاقاتها الاجتماعية، حية كميكروب مستكن بالجسم».
وحتى لا اطيل على سيادتكم نكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ومن يهتم بالأمر نرجو التعليق بأكمل