رؤي ومقالات

حروب الرعيل الأول لنشر الإلحاد في مصر “الحلقة العاشرة ..تفكيك الملحدين …

محمد عنانى

محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند “بل إنه يحاربها كما يقول جميع معارضيه في هذا التوقيت.
وبمناسبة المسرح في عهد السباعي، وقبل إكمال قراءة مقالات (الكاتب) هناك مقال شديد الأهمية في عدد «الآداب» العاشر، لسامي خشبة، يلي ملف إبراهيم منصور عن «الكاتب»، ويأتي تحت عنوان «الثقافة الرمضانية والوظيفة الفسيولوجية للفن!»، وفيه يسخر خشبة بدوره من مفهوم ثقافة «الهضم والتلبك المعوي» التي يعتنقها الوزير، ساخراً من مقولة إن «الشعب المصري ينبغي أن يحارب وهو يقهقه» عارضاً للمسلسلات والأفلام التجارية التي انتشرت في ذلك التوقيت، وكذلك المسرح. يتساءل خشبة: أليس من واجب الفن أن يساعد على هضم الطعام لا أن يسبب التلبك المعوي؟» موضحاً أن «هذه الوظيفة الجديدة للفن ليست من ابتكاري، ولا أنا أتفكه بها، وإنما هي من ابتكار الأستاذ يوسف السباعي، في حديثه مع صلاح حافظ في روز اليوسف»، وتعقيباً على افتتاحية السباعي لمجلة «الثقافة» في شهر سبتمبر 1974 يعقّب خشبة ساخراً: «لست أعتقد يقيناً أن وزير الثقافة المصري مقتنع بأن ما تقدمه أجهزة وزارته الآن (ربما باستثناء جهاز الثقافة الجماهيرية نسبياً) هي من قبيل الأشياء التي حددها لكي تساهم في (بناء الإنسان) على حد تعبيره، في افتتاحية تلك المجلة في ذلك العدد. أدعوه مثلاً إلى مشاهدة (أهلاً فار السبتية) على مسرح مصطفى كامل، وليكن مقياسنا المتواضع هو (كلام فارغ) التي تُعرض في نفس الوقت على مسرح يوسف وهبي، شريطة أن يذهب متخفياً، حتى لا تتحول سهير الباروني إلى راهبة محتشمة، وحتى لا يكفّ ممثلون آخرون عن تبادل أكثر ما يتخيله من كلمات القافية بذاءة، عندما يعلمون بوجود السيد الوزير، والتخفي من جانب الحكام شيء في تراثنا على ما جاء في ألف ليلة. وأدعوه أن يذهب ليتفرج على (بمبة كشّر) أو (في الصيف لازم نحب) وليذهب معلناً عن نفسه هذه المرة، فالشريط المعلب لا يمكن تغييره»، ويطالبه بأن يكون المقياس تلك المرة «خلي بالك من زوزو».
ونعود إلى ملحق «الكاتب» في مجلة «الطليعة» ومقال سمير فريد تحت عنوان «سينما هضم الطعام وسينما التلبك المعوي» والسينما كما يراها لا علاقة لها كما يقول السباعي بهضم الطعام، ولا عدم هضمه، غير أن التشبيه، بحسب سمير، يعكس مدى كراهية الوزير – ثم الوزارة – للسينما الملتزمة (والسينما الملتزمة التي يقصدها هي السينما الجادة إذ أن التعبير اكتسب حالياً سمعة سيئة فقد أصبح يشير إلى السينما النظيفة الخالية من الأحضان والقبلات وغيرها) وموقف الوزير من الالتزام في الأدب والفن موقف قديم من قبل أن يتولى الوزارة، غير أن الواجب على أي وزير للثقافة أن يتيح الفرصة لازدهار كل الاتجاهات الفكرية في بلاده، وليس الاتجاه الذي يؤمن به شخصياً، والربط بين الوزير والوزارة قائم في أغلب الدول النامية على أية حال، وهو من سمات التخلف المرعبة، وتعقيباً على قول السباعي لصلاح حافظ إنه «لم يحدث أن وقفت الرقابة تناقش أفكار المؤلفين ووجهات نظرهم الاجتماعية والسياسية، وأنها رقابة موظفين حقاً، ولكنهم موظفون مثقفون. ولست أدري ماذا تفعل الرقابة إذا لم تكن تناقش أفكار المؤلفين ووجهات نظرهم الاجتماعية والسياسية؟» يعقب سمير فريد: «قضية الرقابة في مصر ليست قضية الموظفين الذين يتولون المنع والإباحة فقط، ومهما كانت درجة ثقافاتهم، وإنما هي قضية قانون الرقابة المتخلف، وملحقاته السريّة، وتعدد الأجهزة التي تستطيع أن توجّه الرقابة شفوياً أو تحريراً. وقد اعترفت وزارة الثقافة بالقصور في إدارة الرقابة، وشكّلت لجنة عليا يُحتَكم إليها، ولكن هذه اللجنة تضم أيضاً نفس العناصر الوزارية ذات الاتجاه الواحد».
وخصص عزالدين نجيب مقاله «الفن بين الواجهة والضرورة» للرد على الجزء المتعلق بالفن التشكيلي والتبادل الثقافي والآثار والمتاحف، ويتساءل: «هل تمت في عهد السيد الوزير دراسة لواقع الفنون التشكيلية بأطرافها الثلاثة وهل وضع التخطيط أو البرنامج الذي يلبي الاحتياجات في الحاضر والمستقبل؟ وبأي رؤية ينظر إلى دور الفن؟ أن يسعى إلى الترفيه عن الإنسان أم أن يسعى إلى بناء الإنسان؟ لو كانت الأولى: فلا مجال للحديث عن (الضرورة) إزاء ضرورات أكثر أهمية للمواطن. ولو كانت الثانية: فإن هذا يجعل من مسؤولية الوزير أن يكافح للحصول على الدعم الضروري من الدولة لتنفيذ برنامجه، من زاوية أنه لا يقل أهمية عن بقية برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، وعبر عدد من النقاط يبدو كما لو أن عزالدين نجيب يضع دستوراً مصغّراً لدولة الثقافة: «إن بناء متحف للفن لا يقل أهمية عن بناء مصنع أو مدرسة» و«إن إنشاء قاعة للمعارض أمر لا يقل أهمية عن إنشاء فندق سياحي» و«إن إقامة مكتبة أو مسرح أمر لا يقل أهمية عن إمداد قرية بالكهرباء» و«إن إعداد بيت للإبداع الفني أمر لا يقل أهمية عن عشر بعثات لدراسة التكنولوجيا» ويختم مقاله الطويل: «هكذا أدركت كل الأمم المتحضرة أو الساعية إلى التقدم، شرقاً أو غرباً، ولم تقف دون ذلك الظروف الاقتصادية، أو حتى العسكرية.. فما بالنا لو كان المطروح هو الاختيار بين بيت للإبداع الفني، أو ملهى سياحي!» ويوجّه تساؤله للوزير: «هل الفن عندنا ضرورة جماهيرية.. أم نشاط ثانوي يعني استكمال الواجهة؟!».
ما الذي فعله عبدالصبور بمحرر «الكاتب»؟ وهل استخدم شعراء السبعينات؟
وقد دانت السيطرة لصلاح عبدالصبور على «الكاتب» ولكنه – مع هذا – كان حريصاً على أن يحرّك الأحداث من خلف الأبواب، وحتى حينما كان يريد أن يكتب رأياً سياسياً في المجلة فإنه يكتبه باسم «المحرر» وقد يتساءل أحد: وكيف نعرف أنه هو المحرر؟ لقد كان عبدالصبور ببساطة يكتب في كثير من الأحيان عن نفسه، عن قضايا ذاتية، وبالتالي وبعد مرور وقت طويل من كتابة الافتتاحيات صار الجميع يعرف أنها تخصه، كتب مثلاً في العدد 176 نوفمبر 1975: «في عطلة العيد الماضي خرجت من زحام القاهرة وضوضائها إلى مدينتي القديمة، الزقازيق، وقضيت فيها يومين كسولين، وخرجت في ثاني أمسية لأطوف المدينة، ولتمتد خطاي إلى شط هذه الترعة التي رعت صبانا وأحلامنا، والتي كنا نظنها في زماننا القديم ثامنة بحار العالم السبعة، ونتنادى وصحابنا أن نخرج للنزهة حين يسقط ظل الأصيل على شط البحر، بحر مويس، حيث نرعى ذكريات أوهام الهوى، ونحلم بأقمار المستقبل الغافية وراء السحاب، ونتناشد شعر معلمينا، من سادة شعراء الزمان» ومعروف طبعاً أن عبدالصبور وُلد في مدينة الزقازيق في 3 مايو 1931، وكان يخرج أحياناً في تلك الافتتاحيات عن الخط الذاتي إلى الخط السياسي، مشهراً أظافره، لكنها كانت أظافر مقلّمة، ومجرد محاولات لخربشة الوجوه في المعسكر الآخر، معسكر اليسار. يكتب مثلاً عن الطريقة التي تفسد بها الاشتراكية في العدد 170 مايو 1975، وقد يكون معه كل الحق فيما يذهب إليه لكن هناك إمكانية لفهم أنه يقصد جبهة أحمد عباس صالح: «مهما تختلف السبل نحو الاشتراكية، ستظل غايتها هي الإنسان. بل إن الإنسان.. سعادته ورخاؤه.. هو الغاية التي يجب أن يتوخاها كل فكر سياسي مهما تعمق بعد ذلك أو قبل ذلك في البحث التاريخي أو التحليل الاقتصادي، ومهما يرفع بعد ذلك من شعارات وأقوال. والغريب حقاً أن كثيراً من المذاهب تتحدث كثيراً عن الوسيلة، وتنسى الغاية. وتكون النتيجة المحققة آنذاك أن تنمو بذور فسادها في داخلها، وتنشغل بالشعارات والأقوال عن الواقع. ويسقط حُسن نيتها في سوء تطبيقها»..
وفي ذلك القبو الضيّق من 1117 كورنيش النيل كان صلاح عبدالصبور يصنع ما سيتحول على مدار عقود قادمة إلى أحد أكثر الأجيال الشعرية إثارة للجدل في تاريخ الشعر العربي. أي جيل السبعينات.
وقد لجأ عبدالصبور إلى هؤلاء الشباب الباحثين عن فرصة للنشر، إذ أنهم ربما لن يكونوا مدينين لأحد بشيء، ولن يحتاجوا لدفع فواتير معارك لا تخصهم، كما أن طموحهم في الذيوع والانتشار ربما سيجعلهم يغضّون النظر عن الصراع الدائر، وقد كان السبعينيون مجموعات غير متجانسة، مجموعات اجتمعت تحت شعارات كبرى، شعارات جمالية غامضة، غموض المستقبل. لقد وصل إلينا أنهم اجتمعوا على أفكار جمالية وأخلاقية لكن الحقائق التي تحفظها الأوراق تقول كذلك إنهم اجتمعوا على أرضية المصالح، وليست الكلمة عيباً بالنظر إلى شباب يشقون طريقهم، ويحاولون إثبات أنفسهم وسط عالم مغلف بالأفكار الضخمة التي صاغها الستينيون، لقد بدا أن الستينيين قد ابتلعوا المجال، لكن السبعينيين جاءوا وحفروا لأنفسهم سككاً بسيطة، وقد بدأوا متفرقين، لكنهم تجمعوا ثم تفرقوا مجدداً، وهكذا تمضي الحياة بهم، فرادى أحياناً، جماعات أحياناً.
وحتى لا اطيل على سيادتكم نكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ومن يهتم بالأمر نرجو التعليق بأكمل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى