رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب:حقيقة الصراع بين إيران وإسرائيل وأمريكا: العرب في قلب المواجهة ومَن يدفع الثمن؟

من مواجهة عسكرية حقيقية إلى صراع على النفوذ ومستقبل المنطقة

لم يعد ممكناً فهم المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والمستعمرة الإسرائيلية من خلال التصريحات المتبادلة وحدها، أو الاكتفاء بتصنيفها حرباً وجودية يسعى كل طرف فيها إلى إزالة الطرف الآخر. فالحرب حقيقية، والضربات العسكرية والصاروخية أوقعت خسائر بشرية ومادية، وهددت أمن المنطقة ومصالحها الاقتصادية، لكن حقيقة الحرب لا تعني بالضرورة أن أهدافها المعلنة تستنفد أهدافها الاستراتيجية، أو أن نتائجها ستتطابق مع الشعارات التي تُرفع لتبريرها.

إن السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستهدف هذه المواجهة إنهاء مصادر التهديد بصورة نهائية، أم إعادة ضبط موازين القوى، وتقييد قدرات الخصوم، وإعادة توزيع النفوذ، وفرض شروط سياسية وأمنية جديدة على المنطقة؟ ومن المستفيد إذا توقفت الحرب من دون معالجة أسبابها العميقة، ومن الذي سيدفع ثمنها إذا انتهت بتفاهمات بين القوى المتحاربة بينما بقيت القضايا العربية الأساسية معلّقة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل انتقال المواجهة إلى محيط الخليج العربي، وتهديد الملاحة وإمدادات الطاقة، وامتداد آثارها إلى أمن المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية. كما تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، التي تخشى أن تتحول مجدداً إلى ورقة في مساومات إقليمية، أو أن تتراجع إلى مرتبة ثانوية في ترتيبات أمنية تُصاغ بعيداً عن أصحاب الحق الأصليين.

أولاً: من الثورة الإيرانية إلى توظيف القضية الفلسطينية

منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، احتلت فلسطين موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي الإيراني. ورفعت طهران شعارات مواجهة الولايات المتحدة و«إسرائيل»، وقدمت نفسها باعتبارها قوة إقليمية مناهضة للهيمنة الغربية والمشروع الصهيوني. غير أن تقييم هذا الخطاب لا يجوز أن يقوم على الشعارات وحدها، بل ينبغي أن يستند إلى سجل السياسات الإيرانية ونتائجها على الأرض.

فقد عملت إيران، على مدى عقود، على بناء شبكة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة في عدد من الدول العربية، مستفيدة من الفراغات السياسية والأمنية، ومن الصراعات الداخلية وضعف مؤسسات الدولة. وأصبح نفوذها ممتداً، بدرجات متفاوتة، إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، فضلاً عن علاقاتها بقوى فلسطينية مسلحة.

ولا يمكن إنكار أن إيران قدمت دعماً عسكرياً ومالياً لبعض القوى التي واجهت الاحتلال الإسرائيلي، وأن هذا الدعم أسهم في بناء قدرات قتالية لدى تلك القوى. لكن ذلك لا يحسم السؤال السياسي الأهم: هل أدى هذا المسار إلى تمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق حريته واستقلاله، أم ساهم، في الوقت نفسه، في تحويل القضية الفلسطينية إلى أحد مكونات استراتيجية النفوذ الإقليمي الإيراني؟

إن حصيلة العقود الماضية تفرض مساءلة واضحة. فالدعم العسكري لا يساوي تلقائياً مشروعاً وطنياً للتحرير، ورفع شعار فلسطين لا يمنح أي دولة حق التدخل في شؤون الدول العربية أو إنشاء قوى مسلحة موازية لمؤسساتها الشرعية. كما أن استخدام القضية الفلسطينية لتبرير سياسات توسعية لا يخدم بالضرورة مصالح الشعب الفلسطيني، بل قد يضعه في قلب صراعات تتجاوز إرادته وأهدافه الوطنية.

لقد تضررت دول عربية من تدخلات إيران وحلفائها، وتعرضت مجتمعاتها لاستقطابات سياسية وطائفية حادة، وأُضعفت مؤسسات الدولة في أكثر من ساحة. وفي هذه التجربة، لم يكن الأمن العربي هو المستفيد من تمدد النفوذ الإيراني، كما لم يكن تحرير فلسطين هو النتيجة الاستراتيجية التي تبرر حجم التدخلات وكلفتها.

ثانياً: كيف تطورت المواجهة المباشرة، وماذا تكشف مراحلها؟

لا يمكن فهم الحرب الراهنة من دون العودة إلى التحول الذي طرأ على المواجهة الإيرانية الإسرائيلية في عام 2025. فقد شهد يونيو من ذلك العام انتقال الصراع إلى ضربات مباشرة واسعة؛ إذ بدأت إسرائيل هجوماً على إيران في 13 يونيو، مستهدفة مواقع وشخصيات مرتبطة بالقدرات العسكرية والبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية. وردت إيران بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على أهداف إسرائيلية، في مواجهة أظهرت أن الصراع لم يعد محصوراً في العمليات غير المباشرة أو في ساحات الدول الأخرى.

وفي 21 يونيو 2025، نفذت الولايات المتحدة ضربات على منشآت نووية إيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان. ووفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي الصادر في 23 يونيو، أعلنت الإدارة الأمريكية أن العملية استهدفت تدمير البرنامج النووي الإيراني أو إضعافه بشدة، بينما أوضح التقرير أن المسؤولين الأمريكيين نفوا أن يكون تغيير النظام هو الهدف المحدد للعملية. وفي 23 يونيو، أطلقت إيران صواريخ على قاعدة العديد الأمريكية في قطر، ووصفت ذلك بأنه رد على الضربات الأمريكية.

تكشف هذه الوقائع عن أمرين متلازمين. أولهما أن المواجهة ليست مسرحية أو عداءً لفظياً؛ فالضربات والخسائر والمخاطر حقيقية. وثانيهما أن استخدام القوة لا يعني بالضرورة أن هدفها النهائي إسقاط النظام الإيراني. فقد استهدفت واشنطن منشآت نووية محددة، وربطت العملية بإجبار طهران على التوصل إلى تسوية تفاوضية، مع إبقاء باب التفاوض مطروحاً في سياق الحرب نفسها.

وهنا ينبغي الانتباه إلى الفرق بين إسقاط النظام وتقييد قدراته. قد تسعى دولة إلى تدمير منشآت أو تعطيل برنامج تسلح أو إضعاف قدرة خصمها على الرد، ثم تتجه إلى التفاوض عندما ترى أن أهدافها العسكرية تحققت بالقدر الذي تريده، أو عندما ترتفع كلفة استمرار الحرب. وفي المقابل، قد يستخدم الطرف المستهدف ما تبقى لديه من قدرات لإظهار أنه لم يُهزم، وتعزيز موقعه التفاوضي، وتجنب تقديم تنازلات يراها تهدد بقاءه.

هذا لا يثبت وجود تفاهم مسبق بين الطرفين، لكنه يبين أن الحرب يمكن أن تكون أداة ضغط تفاوضي، لا مساراً مفتوحاً بالضرورة حتى القضاء الكامل على الخصم.

ومع اتساع الحرب خلال عام 2026، لم تعد آثارها محصورة في الأراضي الإيرانية و” الإسرائيلية” أو في القواعد الأمريكية. فقد تصاعدت المخاطر على الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، واتسعت المواجهة المرتبطة بالسفن والطاقة، وأصبحت سلامة الممرات البحرية وأسعار النفط جزءاً من معادلة الضغط المتبادل. وفي أغسطس 2026، تحدثت تقارير عن تعثر مساعي الوصول إلى نهاية دائمة للحرب، وعن تهديدات إيرانية بتغيير وضعها العسكري في حال فشل المسار الدبلوماسي. وفي أكتوبر، أفادت رويترز بأن طهران طرحت إعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة قصيرة مقابل شروط تتعلق بوقف الأعمال العدائية والحصار والعقوبات، بينما استمرت الخلافات بشأن البرنامج النووي.

إن الانتقال من ضرب المنشآت إلى الضغط على الملاحة والطاقة يوضح اتساع نطاق المواجهة. لكنه يكشف، في الوقت نفسه، أن الأطراف تستخدم أوراقاً عسكرية واقتصادية وسياسية متعددة، وأن مسار الحرب يظل قابلاً للانتقال من التصعيد إلى التفاوض، ومن التفاوض إلى التصعيد مجدداً.

## ثالثاً: هل تريد الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني أم إخضاعه لشروطها؟

هذا السؤال جوهري، لكنه يحتاج إلى قراءة تاريخية لا إلى إجابة قطعية مبنية على واقعة واحدة. فمنذ الثورة الإيرانية، خاضت الولايات المتحدة مع إيران صراعاً ممتداً شمل العقوبات، والعزل السياسي، والمواجهة العسكرية غير المباشرة، والعمليات العسكرية المحدودة، والمفاوضات النووية. ومع ذلك، لم يكن إسقاط النظام الإيراني هدفاً أمريكياً معلناً وثابتاً في جميع مراحل العلاقة.

وتقدم ضربات يونيو 2025 مثالاً واضحاً على ضرورة التمييز بين الأهداف. فقد استهدفت العملية الأمريكية المنشآت النووية، وأعلن مسؤولون أمريكيون أن تغيير النظام لم يكن هدفها. وهذا لا يعني أن واشنطن لا ترغب في إضعاف النظام أو الحد من نفوذه، ولا يعني استبعاد احتمال تغير أهدافها في ظروف أخرى؛ لكنه يعني أن القول إن كل عمل عسكري أمريكي يستهدف حتماً إسقاط النظام لا يتفق مع الأهداف المعلنة للعملية نفسها.

ومن هنا يمكن طرح فرضية استراتيجية تستحق النقاش: قد ترى واشنطن أن تقييد القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وإضعاف أدوات نفوذها الإقليمي، وفرض قواعد جديدة لسلوكها، يحقق مصالح أمريكية من دون الحاجة إلى إسقاط النظام وما قد يترتب على ذلك من فراغ وفوضى وتكاليف عسكرية وسياسية طويلة الأمد.

وتعزز هذه الفرضية حقيقة أن الولايات المتحدة لا تتحرك في الشرق الأوسط بمعزل عن مصالحها في الطاقة والتجارة والممرات البحرية وأمن حلفائها وموازين القوى الدولية. وقد تستفيد بعض مؤسساتها ومصالحها الاستراتيجية من استمرار شعور دول المنطقة بالتهديد، ومن بقاء الحاجة إلى المظلة العسكرية الأمريكية وصفقات السلاح والتعاون الأمني.

لكن هذه المصالح لا تثبت وحدها أن واشنطن تتعمد إطالة الحرب أو تديرها بالتنسيق مع طهران. الأدق أن نقول إن السياسات الأمريكية قد تنتج، أحياناً، واقعاً تستفيد منه الولايات المتحدة حتى عندما لا تكون جميع نتائجه مقصودة سلفاً. والفارق كبير بين إثبات وجود خطة سرية متفق عليها، وهو أمر يحتاج إلى أدلة مباشرة، وبين تحليل المصالح والنتائج التي تسمح بها الوقائع.

وينطبق المنطق نفسه على إيران. فالنظام الإيراني قد يتعرض لضربات مؤلمة، ويخسر قادة ومنشآت وقدرات، لكنه قد يسعى في الوقت ذاته إلى منع انهياره، والحفاظ على أدوات الردع المتبقية، واستخدام أوراق الطاقة والملاحة وحلفائه لفرض شروط تفاوضية. لذلك فإن استمرار المواجهة لا يعني أن أحد الطرفين يمتلك بالضرورة هدفاً واقعياً أو قدرة مؤكدة على القضاء على الآخر.

رابعاً: الصواريخ والطائرات المسيّرة والأذرع الإقليمية

تُعد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة من أبرز أدوات الاستراتيجية الإيرانية. فهي تمنح طهران القدرة على تهديد أهداف بعيدة، ورفع تكلفة العمليات العسكرية ضدها، وإظهار القدرة على الرد حتى في ظل التفوق الجوي والتكنولوجي لخصومها. كما أن انتشار قدرات حليفة لها في عدد من الدول يوسع مجال الضغط، ويجعل أي مواجهة معها قابلة للامتداد إلى أكثر من جبهة.

لكن امتلاك أدوات الردع لا يعني أنها تحمي الدول العربية أو تحقق لها الأمن. فعندما تُستخدم هذه الأدوات ضد منشآت مدنية أو بنى تحتية للطاقة والنقل أو الملاحة التجارية، تصبح آثارها مباشرة على حياة الناس واقتصادات الدول واستقرارها. كما أن وجود قوى مسلحة مرتبطة بمحور إقليمي خارج إطار الدولة الوطنية يضعف سيادة الدول ويجعل أراضيها ساحات محتملة لتصفية الحسابات.

وفي أكتوبر 2026، تناولت تقارير صحفية تصاعد التهديدات التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، كما تناولت تقارير أخرى هجمات منسوبة إلى الحوثيين على أهداف داخل المملكة العربية السعودية. وهذه التطورات، إذا استمرت، تؤكد أن أمن الخليج ليس مسألة هامشية في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، بل إحدى ساحاته الأكثر حساسية، وأن كلفة التصعيد قد تنتقل من أطراف الحرب المباشرين إلى الدول المجاورة.

إن الموقف العربي المطلوب هنا واضح: لا يجوز قبول استهداف أمن المملكة أو أي دولة عربية بذريعة مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا يجوز منح أي طرف إقليمي حق استخدام الأراضي العربية أو المجتمعات العربية أدوات ضغط في صراع لا تقرر تلك المجتمعات أهدافه ولا تتحكم في نهايته.

كما ينبغي ألا يؤدي رفض التدخل الإيراني إلى تجاهل مسؤولية إسرائيل عن الاحتلال والعدوان، أو إلى إعفاء الولايات المتحدة من مسؤولية قراراتها العسكرية. فالمعايير لا تتغير بتغير هوية الطرف الذي يستخدم القوة؛ وأمن المدنيين وسيادة الدول واحترام القانون الدولي مبادئ لا تتجزأ.

خامساً: كيف يخدم استمرار العداء مصالح متعارضة، وقد يفضي إلى نتائج متقاطعة؟

هنا تكمن إحدى أهم مفاتيح قراءة الصراع. فمن الممكن أن تكون إيران وإسرائيل خصمين فعليين، وأن تتبادل الدولتان الضربات والخسائر، ومع ذلك تنتج بعض ممارساتهما نتائج تتقاطع في خدمة مصالح كل منهما في مجال مختلف.

فإيران تستفيد سياسياً من استمرار صورة العدو الخارجي لتعبئة أنصارها، وتبرير الإنفاق العسكري، والحفاظ على نفوذها الإقليمي، وتقديم تدخلاتها بوصفها جزءاً من معركة كبرى دفاعاً عن فلسطين. وكلما بقيت القضية الفلسطينية بلا حل، وجد الخطاب الإيراني مادة إضافية لتأكيد أن المنطقة لا تزال في حالة صراع مفتوح مع المشروع الإسرائيلي.

وفي المقابل، تستفيد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من التهديد الإيراني لتقديم نفسها بوصفها خط الدفاع الأول عن أمن المنطقة، ولتبرير التفوق العسكري، وتوسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وبعض الدول، وتأجيل الاستحقاقات السياسية المرتبطة بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. كما يمكن أن يتحول الخوف من إيران إلى أداة للضغط على الدول العربية من أجل إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث يصبح التطبيع والتعاون الأمني مع إسرائيل، في نظر بعض الأطراف، بديلاً عن معالجة جذور الصراع.

إن هذا التقاطع في النتائج لا يعني أن الطرفين متفقان على كل شيء، أو أنهما يتبادلان الأدوار وفق خطة سرية واحدة. فالتناقض بينهما حقيقي، والمواجهة قد تضعف قدرات أحدهما بصورة مؤثرة. لكن الخصومة لا تمنع أن يستفيد كل طرف، سياسياً أو استراتيجياً، من استمرار الظروف التي تجعل وجوده وسياساته أكثر قابلية للتبرير أمام جمهوره أو حلفائه.

والنتيجة الأخطر أن يتحول الصراع إلى دائرة متجددة: إيران تبرر نفوذها بمواجهة إسرائيل، وإسرائيل تبرر استمرار تفوقها واحتلالها بالتهديد الإيراني، والولايات المتحدة توظف مخاوف الأطراف وحاجتها إلى الحماية لتثبيت حضورها العسكري والسياسي. وبين هذه الأطراف، تبقى الشعوب العربية مطالبة بدفع كلفة الحروب والانقسامات والتسلح، بينما تظل فلسطين بلا دولة مستقلة.

وهذا هو جوهر المسألة: ليست العبرة فقط بما يقوله كل طرف عن خصمه، بل بما يحققه فعلياً من استمرار الصراع، وبما إذا كانت سياساته تقرب المنطقة من السلام العادل أم تعيد إنتاج أسباب الحرب.

سادساً: المملكة العربية السعودية والأمن القومي العربي

لا يمكن تناول هذه الحرب من دون وضع أمن المملكة العربية السعودية في قلب التحليل. فالمملكة ليست مجرد طرف يراقب التطورات من الخارج، بل دولة محورية في أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العربي، وتتحمل مسؤوليات استراتيجية واسعة في ظل التحولات الإقليمية.

إن أي تهديد للمملكة، سواء جاء من إيران مباشرة أو من قوى مسلحة مرتبطة بها، يمثل تهديداً للأمن العربي الأوسع. كما أن استهداف المنشآت الحيوية أو المطارات أو خطوط الطاقة أو الممرات البحرية لا يهدد المصالح السعودية وحدها، بل يمتد أثره إلى اقتصادات المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية والاستقرار الدولي.

ولهذا، لا يجوز التقليل من مخاطر النفوذ الإيراني أو من مسؤولية طهران عن سلوك حلفائها عندما تثبت صلتها به، كما لا يجوز مطالبة الدول العربية بتحمل هذه المخاطر تحت عنوان مواجهة إسرائيل أو الولايات المتحدة. فالقضية الفلسطينية العادلة لا تبرر الاعتداء على دولة عربية، كما أن الدفاع عن الأمن العربي لا يبرر التخلي عن الحقوق الفلسطينية.

لكن التحدي الاستراتيجي أمام المملكة والدول العربية يتجاوز الرد على التهديدات المباشرة. فالمطلوب بناء أمن عربي قادر على حماية الدول والمجتمعات، وتقليل الاعتماد على ترتيبات خارجية تتغير بتغير المصالح الأمريكية، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة. وهذا يتطلب تنسيقاً دفاعياً عربياً، وتعاوناً استخبارياً وأمنياً منضبطاً، وحماية للبنية التحتية والممرات البحرية، مع إبقاء أبواب التفاوض مفتوحة متى توافرت ضمانات جدية تحترم سيادة الدول.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن العلاقات الدولية أو الشراكات الدفاعية، بل يعني أن تكون هذه الشراكات في خدمة المصالح العربية، لا أن تتحول الدول العربية إلى أدوات في صراعات يحدد الآخرون توقيتها وأهدافها وشروط إنهائها.

سابعاً: هل تنتهي الحرب بتفاهم أمريكي إيراني وتبقى فلسطين خارج التسوية؟

من الاحتمالات التي ينبغي أن تستعد لها الدول العربية أن تنتهي مرحلة من الحرب بتفاهم أمريكي إيراني، مباشر أو غير مباشر، يقوم على تقييد بعض القدرات الإيرانية، وإعادة فتح الممرات البحرية، وترتيب ملفات العقوبات والبرنامج النووي، وتحديد قواعد جديدة للاشتباك. وقد يشمل ذلك تفاهمات بشأن مستوى النفوذ الإقليمي أو سلوك القوى الحليفة لإيران، من دون أن يعني بالضرورة انهيار النظام الإيراني أو اختفاء نفوذه بالكامل.

هذا احتمال تحليلي وليس خبراً مؤكداً عن اتفاق قائم. وتؤكد المفاوضات المتعثرة بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي أن التوصل إلى تسوية يظل مرتبطاً بخلافات جوهرية، وأن التصعيد العسكري لا يستبعد المسار التفاوضي، كما أن طرح شروط للتفاوض لا يعني قبول الطرف الآخر بها.

غير أن الخطر لا يكمن فقط في مضمون أي تفاهم أمريكي إيراني، بل في القضايا التي قد لا يتناولها. فإذا اقتصر الاتفاق على النووي والصواريخ والملاحة والعقوبات، وأُهملت مسألة الاحتلال الإسرائيلي وحقوق الشعب الفلسطيني، فقد تنجح الأطراف في وقف جولة من الحرب من دون أن تقترب المنطقة من سلام مستدام.

وقد تستفيد إسرائيل من إضعاف القدرات الإيرانية في تعزيز تفوقها العسكري، بينما تستعيد إيران جزءاً من قدرتها على الحركة أو تفاوض على تخفيف الضغوط، وتحتفظ الولايات المتحدة بدور مركزي في إدارة الأمن الإقليمي. أما الدول العربية، فقد تجد نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها مزيداً من التكاليف الدفاعية والاقتصادية، من دون أن تكون قد شاركت بفاعلية في صياغة شروط التسوية.

وإذا حدث ذلك، فسيكون السؤال العربي الأهم: ما الذي تغير فعلاً؟ هل انتهت مصادر التهديد؟ هل استعادت الدول العربية سيادتها وأمنها؟ هل تراجعت فرص الحروب بالوكالة؟ وهل اقترب الشعب الفلسطيني من إنهاء الاحتلال وإقامة دولته؟ أم أن الأطراف أعادت ترتيب مواقعها، فيما بقيت أسباب الصراع قائمة؟

إن التسوية التي توقف إطلاق النار من دون معالجة جذور الصراع قد تكون هدنة ضرورية، لكنها لا تساوي سلاماً استراتيجياً. كما أن إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية لا تعني بالضرورة قيام نظام إقليمي أكثر عدلاً أو استقراراً.

ثامناً: فلسطين معيار التسوية العادلة وليست ورقة للمساومة

تظل القضية الفلسطينية الاختبار الحقيقي لأي نظام أمني جديد في الشرق الأوسط. فالصراع لم يبدأ مع الثورة الإيرانية، ولم ينشأ بسبب البرنامج النووي الإيراني، ولا يمكن اختزاله في التنافس بين طهران وواشنطن أو في المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل. جذوره التاريخية ترتبط بالاستعمار الاستيطاني، وتهجير الشعب الفلسطيني، واحتلال أرضه، وحرمانه من حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

ومن هنا، فإن استخدام إيران للقضية الفلسطينية لتبرير نفوذها لا يلغي مسؤولية إسرائيل عن الاحتلال، كما أن مواجهة النفوذ الإيراني لا يجوز أن تصبح مبرراً لتجاوز الحقوق الفلسطينية أو لفرض ترتيبات أمنية تتجاهل الإرادة الوطنية الفلسطينية.

والموقف السعودي المعلن يقدم معياراً سياسياً واضحاً في هذا السياق. ففي بيان وزارة الخارجية السعودية الصادر في 5 فبراير 2025، أكدت المملكة أن موقفها من إقامة الدولة الفلسطينية ثابت، وأنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. كما شددت على رفض المساس بالحقوق الفلسطينية المشروعة، ورفض الاستيطان وضم الأراضي وتهجير الشعب الفلسطيني.

إن أهمية هذا الموقف لا تقتصر على علاقات المملكة الثنائية، بل تتصل بمستقبل المنطقة كلها. فالتطبيع الذي يتجاوز القضية الفلسطينية لا يعالج أسباب الصراع، بل قد يمنح الاحتلال فرصة جديدة لتكريس الأمر الواقع. وأي منظومة أمنية إقليمية تستثني الشعب الفلسطيني من حقوقه، أو تتعامل مع أرضه باعتبارها مجالاً للمساومة، ستظل معرضة للاهتزاز مهما امتلكت من اتفاقيات دفاعية أو قدرات عسكرية.

ولهذا، يجب أن يكون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية، جزءاً أساسياً من أي تسوية إقليمية جادة، لا بنداً مؤجلاً إلى ما بعد الاتفاقات الأمنية والاقتصادية.

تاسعاً: ما المطلوب من العرب؟

تفرض هذه القراءة على الدول العربية تجاوز ردود الفعل المتفرقة، وبناء رؤية استراتيجية مستقلة لا تختزل الخيارات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. فليس مطلوباً من العرب الانحياز إلى إيران لمجرد أنها ترفع شعار فلسطين، ولا الارتماء في أحضان الولايات المتحدة أو إسرائيل لمجرد الخوف من النفوذ الإيراني.

المطلوب أولاً هو حماية الأمن القومي العربي من التدخلات الخارجية، ومنع استخدام الدول العربية ساحات للحروب بالوكالة، وتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على احتكار السلاح والقرار الأمني. ويتطلب ذلك موقفاً عربياً واضحاً من الاعتداءات على الدول العربية، أياً كان مصدرها، ومن التدخلات التي تهدد وحدتها وسيادتها.

والمطلوب ثانياً هو إدارة العلاقات مع القوى الكبرى والإقليمية وفق المصالح العربية المتوازنة، لا وفق منطق التبعية أو الاستقطاب الحاد. فالشراكات الدفاعية والاقتصادية ينبغي أن تعزز استقلال القرار العربي، وأن تتضمن ضمانات حقيقية لحماية الدول العربية، لا أن تُستخدم لتوسيع الحروب أو فرض أولويات لا تخدم شعوب المنطقة.

والمطلوب ثالثاً هو استعادة مركزية القضية الفلسطينية في السياسة العربية، من خلال دعم التمثيل الوطني الفلسطيني الشرعي، وإنهاء الانقسام، وحماية وحدة الأرض والشعب، والتمسك بحق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة. فلا يمكن بناء أمن عربي مستدام على استمرار الاحتلال، كما لا يمكن السماح لأي دولة إقليمية باحتكار تمثيل فلسطين أو استخدام معاناتها لتوسيع نفوذها.

وأخيراً، فإن المطلوب هو قراءة نتائج الحرب بعيون عربية مستقلة: من خسر قدراته؟ من وسّع نفوذه؟ من حصل على ضمانات جديدة؟ من تحمل الخسائر البشرية والاقتصادية؟ ومن بقيت قضاياه الأساسية خارج طاولة التفاوض؟ هذه الأسئلة أكثر فائدة من الاكتفاء بترديد انتصار طرف أو هزيمة آخر قبل أن تتضح الحصيلة النهائية.

خاتمة: من يربح الحرب، ومن يدفع الثمن؟

إن أخطر ما في المواجهة الراهنة ليس احتمال أن ينتصر طرف عسكرياً على آخر فحسب، بل احتمال أن تنتهي جولة من الحرب بينما تبقى أسباب الصراع قائمة، وتُعاد صياغة موازين القوى بما يخدم مصالح الأطراف الأقوى، على حساب الدول والشعوب التي لا تملك القدرة نفسها على التأثير في مسار الأحداث.

قد تضعف الضربات القدرات الإيرانية، وقد تعزز إسرائيل تفوقها العسكري، وقد تتمكن الولايات المتحدة من فرض شروط تفاوضية في ملفات محددة. لكن أياً من هذه النتائج لا يضمن وحده استقرار المنطقة أو إنهاء الاحتلال أو حماية الدول العربية من التدخلات والاعتداءات. كما أن بقاء النظام الإيراني أو تراجعه لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للحكم على مآلات الحرب؛ فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت المنطقة ستصبح أكثر أمناً واستقلالاً وعدلاً، أم ستبقى رهينة دورة متكررة من التهديدات والضربات والتسويات المؤقتة.

إن العداء بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة له مظاهره العسكرية والسياسية الحقيقية، لكن هذا لا يمنع أن تتقاطع نتائج بعض سياسات الأطراف في إدامة بيئة الصراع، وأن يجد كل طرف في استمرار التهديد ما يبرر به جانباً من سياساته ونفوذه. ولا يحتاج إدراك هذا التقاطع إلى افتراض مؤامرة موحدة؛ بل يكفي فحص المصالح والوقائع والنتائج.

أما العرب، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، فلا ينبغي أن يكون دورهم انتظار ما تقرره القوى المتحاربة، ولا دفع أثمان تسويات لا يشاركون في تحديد شروطها. المطلوب أن يتحول الأمن العربي إلى مشروع مستقل، وأن تبقى فلسطين معياراً للسلام العادل، لا ورقة تستخدمها إيران لتبرير نفوذها، ولا ذريعة تستخدمها إسرائيل لتأجيل حقوق شعبها، ولا قضية تُستبعد عندما تتفاوض القوى الكبرى على مصالحها.

فالسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام العرب ليس فقط: من ينتصر في هذه الحرب؟ بل: أي نظام إقليمي سيولد من نتائجها، ولمن ستكون ثماره، ومن سيدفع كلفته؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى