
كنتُ جالسًا وحدي،
أرتِّبُ خيباتِ العمر
داخلَ فنجانِ قهوةٍ عربية،
ورائحةَ النارنج تصعد كالسّحر
لتملأ الفضاءَ بعبق تونس،
وكأنّ المدينةَ بأسرها
تمرّ من هنا، بين الجدران.
ثم فجأة، جلستِ بجواري.
كان المساءُ يداعبُ شعرَ المدينة
بأناملهِ الباردةِ،
والشّوارعُ تَمضي في سكونٍ،
دون أن تعرفَ
أن قلبًا ما،
على موعد مع القدر.
مرّت عيناكِ كلمسةِ حنينٍ،
توقّفَ الوقتُ لحظةً
كأنّما سحرٌ يتعانق بالأرواحِ،
وأصبح للمقهى نافذةٌ تُطلّ على البحر،
فنجانُ القهوة يكتسبُ طعمَ شفتيكِ،
أناشيد قلبكِ.
جلستِ قريبةً،
بيننا كرسيٌّ واحدٌ،
لكنّه كان فضاءً شاسعًا.
ضحكتِ، إذ قلتُ شيئًا صغيرًا،
فارتبك المساءُ،
وسقطت ملعقة القهوة من يدي،
كأنها لحظة حاسمة.
ومنذ تلك اللحظة،
لم تعد الصدفة مجرد صدفة،
والمقهى لم يعد ككل المقاهي،
بل صار ملاذًا سرّيًا
يخفي حبّنا،
ويحفظ خطواتكِ
كحكاية خفيَّة.
أنتِ امرأة لا تشبه النساء،
كأنَّ الله عندما خلق عينيكِ
أراد تجربة كيف يسكن النور في وجه.
كان صوتك شجنًا قديمًا
نسيتُ اسمه،
لكن قلبي تذكره.
يا امرأة جاءت من زوايا الصدفة،
وأقامت في أعماق القلب.
منذ رأيتكِ،
وددت لو أن اللقاءات
لا تأتي في أروقة الصدفة.
فبعض النساء لا نلتقيهن صدفةً،
القدر يرسلهم حين نكون
أشد حاجة إلى معجزة.
ومنذ ذلك المساء،
كلما جلست في مقهى،
فنجان قهوة في اليد،
أبحثُ بين الوجوه
عن بريق عينيكِ.
وأترك للكرسي المقابل
مكانًا فارغًا،
لعلَّ الصدفة تخون الغياب
مرَّة أخرى.
الشاعر: الأسعد بن عربية