
لم تعد الأزمة المناخية قضية علمية أو اقتصادية فحسب، بل صارت تحوّلاً يمسُّ علاقة الإنسان بالأرض ومصير المجتمعات. فارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية، والتصحر، وحرائق الغابات، وتلوث المحيطات، ظواهر تتداخل فيها العوامل البيئية مع الخيارات الاقتصادية والسياسية وأنماط الإنتاج والاستهلاك. وفي مواجهة ذلك، لم يبقَ الأدب بعيداً عن مساءلة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، بل طوّر أشكالاً جديدة تستكشف آثار التغيُّر المناخي في الحياة والذاكرة والهوية والمستقبل.
تقليدياً، اهتمَّ الأدب المقارن بالعلاقات بين الآداب الوطنية، وتتبع التأثير والتأثُّر. غير أنَّ القضايا العابرة للحدود وسّعت هذا المنظور. وينبغي هنا التمييز بين ثلاثة مفاهيم: النقد البيئي، الذي يدرس علاقة النص بالطبيعة والبيئة، كما في أعمال لورنس بيويل (1995) وشيريل غلوتفيلتي (1996)؛ والأدب العالمي، بوصفه شبكة تداول وترجمة تتجاوز الآداب الوطنية، كما صاغه دامروش (2003) وموريتي (2000)؛ والمقارنة البيئية، التي توظِّف أدوات الأدب المقارن لمقابلة نصوص من ثقافات مختلفة، والكشف عن طرائق تمثيلها للمكان والكائنات والأزمات البيئية.
لا تكمن أهمية المقارنة البيئية في جمع النصوص التي تتحدَّث عن الطبيعة، بل في تحليل الاختلافات بين الثقافات في فهم الأزمة وتحديد المسؤولية عنها. فريتشارد باورز في «The Overstory» (2018) يمثل وعي الأشجار كشبكة تواصل، بينما يحوّل أحمد سعداوي في «فرانكشتاين في بغداد» (2013) «الشسمو» إلى كائن هجين مخلّق من أشلاء الحروب، في تمثيل لتقاطع العنف الاجتماعي والسياسي مع تدمير البيئة الحضرية. كما تقابل رواية «Oryx and Crake» لمارغريت آتوود (2003) نصوص خيال علمي عربية معاصرة، مما يكشف اختلاف الثقافات في تصور «نهاية العالم».
تبرز هنا إشكالية التمثيل: كيف يمثِّل الأدب أزمة تتجاوز الخيال الفردي؟ وكيف يتجنَّب «البلاغة الكارثيَّة» التي تحوّل النص إلى وعظ بيئي؟ أظهر روب نيكسون في «Slow Violence» (2011) أن العنف البيئي البطيء لا يصيب الجميع بالتساوي، وأن آداب الجنوب العالمي تمثله كعنف استعمارى ممتد.
وهنا يمكن طرح أطروحة محددة: لا تكون المقارنة البيئية ذات قيمة إلا إذا انتقلت من مقارنة الموضوعات إلى مقارنة أنماط التمثيل واقتصاديات المسؤولية. أي أنَّ السؤال ليس: هل يتحدَّث النص عن الطبيعة؟ بل: كيف يوزِّع المسؤولية بين الإنسان والطبيعة والسلطة؟ وأي بلاغة يستخدم: الرثاء أم المقاومة أم المساءلة؟ وعلى هذا يمكن اقتراح ثلاثة محاور: المكان، بوصفه فضاء للإفادة أو الاستغلال أو المقاومة؛ والكائن غير البشري، وهل يُمنح صوتاً أم يبقى خلفية؛ والمسؤولية، أتُحمَّل الفرد أم الدولة أم الشركات أم «الإنسانية» جمعاء؟
إنَّ تطوير نقد مقارن بيئي يقتضي منح الآداب العربية وآداب الجنوب العالمي حضوراً أوسع، لا بوصفها موضوعاً للدراسة، بل بوصفها منتجاً نظرياً يشارك في صياغة المفاهيم. فشعرية الصحراء في الأدب العربي، و«الماء» في الرواية الخليجية، والروايات الاستخراجية في أمريكا اللاتينية، تقدم تصورات تختلف عن التصور الرومانسي الغربي للطبيعة، وتثري مقولات مثل «الأنثروبوسين المستعمَر».
إنَّ التحدِّي ليس العثور على موضوع جديد للكتابة، بل إعادة النظر في معنى الوجود الإنساني داخل عالم تتشابك فيه مصائر البشر والكائنات. فالأرض لا تعرف الحدود التي رسمتها السياسة، لكن الضرر البيئي يتوزَّع بشكل غير متكافئ. ومن هنا يمكن للأدب أن يسهم في بناء بلاغة بيئية عالمية لا تقوم على رثاء الطبيعة وحده، بل على فهم العلاقة المتبادلة بين الإنسان ومحيطه، ومساءلة مفهوم التقدم ومسؤولية الحضارة. فالمقارنة البيئية محاولة لفهم كيف تتعدَّد الحكايات الإنسانية حول أرض واحدة، وكيف يمكن لهذا التعدُّد أن يتحوَّل إلى وعي مشترك يحمي شروط الحياة.
بقلم : ماجد القيسي