
المقاتل…
قصة قصيرة
بعد أن اتضحت الرؤيا بانقشاع ظلام الوهم.. جندي منتصر عند اقدام وطنه جثى على ركبتيه..ثم شرع مخاطبا اياه بلسان النور المضرج بالحزن العتيق..وبصوت خنقته العبرة وشقته خيبة المستفيق على الحقيقة قائلا:
وطني…..
لم أكن أقاتل أعدائک.. بقدر ما كنت أقاتل نصفي الآخر..!
كم كنت غبيا إ
حين ظننت أنني أروي ترابك بدم عدوک لأحمي حماک.. و أخوض المعمعة بقصد الذود عنک ..انغمر في براكين الخطر كي افتديک..وحين انجلى غبار المعركة ورفعت أوهام النصر …ثكلتني امي..ما اشقاني..اذ رأيت وجهي الشاحب يبتسم ببلاهة من بين الجثامين الملقاة حولي… ووجدت أن الثقب الذي صنعته في صدر من ظننته عدوي لم يكن إلا ثقبا في قلبي أنا..!
يتوقف الجندي المكلوم عن الكلام بإشارة من اصبع محدثه الذي كح بوجع ثم بصق شبه متعمدا في وجهه..ليمسحها الاخر بيد مرتعشة..غير شاعر بالاهانة..بل مسربل باحساس طاغ إن بصقته تلک أنظف من ذاک العرق الملوث بدماء الاخوة التي نفقت على يديه…..
ثم ..وبعد زفرة طويلة خرجت من صدره تطفح باليتم ..يعود ليقول مخاطبا الوطن:
لله ما اشد غبائي حين اعتقدت أن النصر يقاس بكثرة القتلى..وحين نسيت أن الوطن ليس خريطة ترابية وامتداد تضاريس..وقطعة قماش ملونة يسمونها العلم.. بل هو وجوه هؤلاء الذين رحلوا بأيدينا…!
هانذا أضع بندقيتي المشؤومة التي كنت اظنها جزء لا يتجزأ من شرفي فاضحت لحظة صحو محض عار ..ارميها عند قدميک..وأقول:
يا وطني الذي احببت.. و احرقت ازهار عمري لأجله ..هاأنذا أقف أمامك بلا نصر.. بلا درع..ولا غاية..عاريا إلا من خيبتي..مضرج بدمائي التي أرقتها بيدي..و اقر في حضرة الضوء المعطر بالقهرباتهامک لي بقتل أبنائک الذين سقطوا على يدي لحظة غي..بلى….تلک تهمة لست أردها..او اروغ عنها.. لانها الحكم الوحيد الصادق في هذه المأساة…
بلى… أنا القاتل وانا القتيل …
أنا الفكرة الغبية الحمقاء الملطخة بالعار..
وأنا الهزيمة الكبرى التي سترتدي وإلى الأبد ثوب الانتصار..!!!
عيسى جعفر
اليمن
5/11/2026