
أُسَافِرُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَمِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَأَمَامَ عَيْنَيَّ يَجْلِسُ أَبِي مَعَ أُمِّي فِي بَاحَةِ بَيْتِنَا الكَبِيرِ.
أَرْكَبُ القِطَارَ مُبَكِّرًا مِنَ المَدِينَةِ التِي أَقْطُنُ بِهَا إِلَى بُورْسَعِيدَ، فَأَرَى أَبِي هُنَاكَ يَأْكُلُ لُقْمَةً صَغِيرَةً بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ. وَبَعْدَ سَاعَتَيْنِ وَنِصْفِ السَّاعَةِ، أَكُونُ قَدْ وَصَلْتُ إِلَى بُورْسَعِيدَ، وَأَبِي هُنَالِكَ جَالِسٌ مَعَ أُمِّي، يُتَابِعُ عَلَى شَاشَتَيِ الجَزِيرَةِ وَالعَرَبِيَّةِ أَخْبَارَ الحَرْبِ بَيْنَ رُوسْيَا وَأُوكْرَانْيَا، وَالحَرْبَ عَلَى غَزَّةَ.
وَأُمِّي تَفْتَحُ يَدَيْهَا وَتَدْعُو اللهَ أَنْ تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَحِينَ يَرَى أَبِي عَيْنَيْهَا قَدِ امْتَلَأَتَا بِالدُّمُوعِ، يَنْزِعُ قَابِسَ الشَّاشَةِ.
وَفِي مِثْلِ هَذَا التَّوْقِيتِ،كان أبي يَصِلُ إِلَى عَمَلِهِ وَيَجْلِسُ إلى مَكْتَبِهِ، قَبْلَ أَنْ يُحَالَ إِلَى سِنِّ التَّقَاعُدِ.
أَنَا اليَوْمَ فِي الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَوَقْتُ الغُرُوبِ له سحر خاص عند البَحْرِ. أَبِي يَتَوَضَّأُ وَيَرْتَدِي جِلْبَابَهُ السُّكَّرِيَّ الجَدِيدَ، وَيَخْرُجُ كَيْ يُؤَدِّيَ صَلَاةَ المَغْرِبِ فِي المَسْجِدِ.
فِي كُلِّ مَكَانٍ أَمْضِي إِلَيْهِ، أُرْسِلُ بَصَرِي إِلَى بَيْتِنَا الكَبِيرِ فَأَرَى أَبِي وَأُمِّي.
اليَوْمَ يَحِلُّ عَلَيَّ وَأَنَا فِي الرِّيَاضِ.. أُرْسِلُ بَصَرِي، فَيَرْتَدُّ إِلَيَّ حَزِينًا كَسِيرًا.
بقلم: عماد أبو زيد