
أذكرُ أنني كنتُ أجلسُ في حوشِ الدار، أنظرُ إلى السماءِ التي كانتْ تمطرُ بغزارة، وبيدي دميتي الصغيرة ذاتَ الشعرِ الأشقر. كانتْ بعمرِ خمسِ سنوات، مثلي تمامًا.
حاولتُ أن أجيبَ والدي حينما سمعتُه يصرخُ كالرعدِ كي أدخل، لكنَّ صوتي لم يطاوعني، وبقي محبوسًا داخلَ رقبتي. وحتى بعد دخولي المدرسة، كانتْ شفتاي تتحركان، لكنَّ صوتي لم يكن مسموعًا.
الغريبُ أنَّ أمي وأبي وإخوتي كانوا يتفاخرون أمامَ الناسِ بصمتي، فازدادَ خرسي.
ذاتَ ظهيرة، وأنا أستحمُّ، حدثَ شيءٌ غريب؛ سمعتُ نفسي أدندنُ بأغنيةِ حبٍّ. حدثَ ذلك رغمًا عني. كان صوتي جميلًا، لكنني سرعان ما أخفيتُه في إحدى زوايا الحمّام؛ لئلّا ينكشفَ أمري!
قالَ لي أبي: «ستتزوجينَ بعد ليلتينِ، أو ربما جمعتينِ»، ثم أمرني، وهو يخرجُ من الغرفة، أن أُخبِّئَ صوتي بينَ ثيابي؛ كي لا يسمعَه عريسي.
في ليلةِ زفافي، همسَ زوجي حينما رآني أُخرجُ صوتي من الحقيبة: «ما حاجتي إليه؟!». ثم استطردَ، بعد أن قبّلني: «ما رأيكِ لو ندفنُه تحتَ إحدى الأشجار؟ هناك لن يعثرَ عليه أحد».
اكتفيتُ بهزَّةٍ من رأسي، ووقفتُ أنظرُ إلى زوجي وهو يدفنُ صوتي تحتَ شجرةِ النارنج.
مرّتِ المواسمُ، وروتِ الأمطارُ الشجرةَ حتى أزهرتْ ذاتَ ربيع.
كانتِ الطيورُ تغرّدُ بصوتٍ جميل…
كان ذلكَ صوتي.
كم أفتقدُ صوتي؟!
بقلم: فوز حمزة