كتاب وشعراء

مِنْ وَلِيدِ نُورِهَا هِيَ الجَنَّةْ.. شعر: د. علي المنصوري

على كتفِ الغيابِ تدلّى المساءْ
وكانتِ الجهاتُ تبدّلُ أسماءَها
والريحُ تنفضُ عن مرايا الوقتِ
غبارَ السنينْ

هناك ..
حيثُ لا يفضي السؤالُ إلى جوابْ
تفتّحَ في شقوقِ الصخرِ نيسانٌ
وسالَ على جبينِ الأرضِ
ضوءٌ لا يشبهُهُ ضياءْ

لم تتركِ الأثرَ على الترابِ
بل في تضاريسِ المدى
في رعشةِ النجمِ البعيدِ
وفي انحناءِ الظلِّ حينَ يمرُّ
فوقَ نافذةٍ أُغلقتْ منذُ الشتاءْ

ومن فسيفساءِ الروحِ صارتْ ذِكراها
شظايا لا تُرى
لكنّها حينَ تنتظمُ
يشرقُ في العتماتِ وجهُ المستحيلْ

قطعةٌ من السُّدفةِ الأولى
وأخرى من رمادِ الفجرِ
وثالثةٌ من صمتٍ موشّى بالأسى
وأخرى يعجزُ عن تسميتِها الكلامْ

كلّما رتّبتُ أضلاعَ المرايا
بعثرتْها يدٌ من وراءِ الضوءْ
وكلّما أغلقتُ بابَ التأويلِ
أطلَّ من الشقوقِ سؤالُها

يا أيّها الليلُ ..
تمهّلْ
ففي أهدابِ هذا الكونِ نافذةٌ
تُطلُّ على الجهاتِ بلا حدودْ
وفي جوفِ السكونِ منارةٌ
توقظُ البحارَ التي نسيتْ سفائنَها

أنا ذلكَ المخطوطُ الذي أكلتْ
حواشيهِ رياحُ السنينْ
وما زالَ حبرُهُ القديمُ
على تضاريسِهِ يقاومُ المحوَ والاندثارْ

سأكتبُ وصيّةً من بقايا العمرِ
وأوزّعُ ما تبقّى من رمادِ الروحِ
على مواسمِ التيهِ

شيءٌ لليلٍ لا ينامْ
وآخر للنوافذِ حينَ يخذلُها الصباحْ
وثالث لخطوِ السُّرى في المفازاتِ
وما تبقّى للطلولِ
حينَ يستعيدُ الرملُ أسماءَ الراحلينْ

ومن عتمةِ الديجورِ أتركُ للمدى أثراً
ومن وجعِ الضلوعِ أُودعُ الصمتَ أنيني
ومن سُلافةِ نجمةٍ
سقطتْ ولم تبلغْ يدُ الليلِ
أستعيرُ ما تبقّى من ضيائها

أمّا السرُّ الذي لا ينقسمْ
فسأعلّقُهُ على بابِ السماءْ
فبعضُ النورِ لا يُجزّأُ
وبعضُ الأسرارِ لا تسعُها الجهاتْ

تنامُ على حوافِّ الروحِ أصداءٌ
ويصحو في شقوقِ الصمتِ رعدٌ
وتبقى في المرايا هيئةٌ
كلّما محاها الغبارُ استنارتْ

لا شيء يُعلنُ ما جرى
غيرَ أنّ النهرَ بدّلَ مجراهُ
وأنّ شجرةً في آخرِ البستانِ
ما زالتْ تُزهرُ في غيرِ أوانْ

وفي المساءِ
حينَ تنحسرُ الظلالُ عن النوافذْ
تتشكّلُ من شظايا الضوءِ
فسيفساءُ وجهٍ
ثم تختفي
ويبقى المكانُ على هيئتِهِ الأولى
إلّا من اتّساعٍ لا يُحدُّ

من وليدِ نورِها ..
هيَ الجنّةْ
وما تبقّى من ضيائِها
سماءٌ في شظايا الروحِ
كلّما أطبقَ الليلُ عليها
أورقَتْ ..

د. علي المنصوري

السدفة : أختلاط الضوء بالعتمة

السلافة : خلاصة الشيء وأفضله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى