ضد الأدب العالمي: نحو أدب محلي- كوني بلا مركز.. بقلم الأديب والناقد العراقي: ماجد القيسي

ليس الاعتراض على الأدب العالمي اعتراضاً على انفتاح الثقافات أو انتقال النصوص بين اللغات، فالأدب بطبيعته يتجاوز الحدود ويتغذى من الحوار مع التجارب الإنسانية المختلفة. إنما يتجه الاعتراض إلى الصورة التي اكتسبها مفهوم العالمية حين ارتبط، في بعض ممارساته، بهيمنة مراكز النشر والنقد والتسويق، التي باتت تؤثر في تحديد النصوص القابلة للانتشار، وفي تشكيل الذائقة التي تمنحها الاعتراف. وهنا تظهر إشكالية تستحق النقاش: هل أصبحت العالمية أحياناً وصفاً لقيمة النص، أم شهادة تمنحها مؤسسات تمتلك أدوات التوزيع والتأثير؟
تؤدي دور النشر الكبرى والجوائز والمهرجانات الدولية دوراً مهماً في حركة الأدب المعاصر، ولا يمكن إنكار إسهامها في تعريف القراء بآداب وثقافات مختلفة. لكن اختلال التوازن يظهر عندما تتحول معاييرها إلى بوابات شبه حصرية للاعتراف، وعندما يجد الكاتب نفسه مضطراً إلى مراعاة توقعات السوق الخارجية، أو تقديم بيئته في صور غرائبية تختزل تاريخها وتعقيداتها. عندئذ يصبح خطر تحويل التجربة المحلية إلى مادة قابلة للتسويق قائماً، خصوصاً حين تتقدم متطلبات الانتشار على حرية التعبير وخصوصية الرؤية. ولا تقتصر مسؤولية هذا الاختلال على المؤسسات الغربية، فضعف مؤسسات النشر والترجمة والتوزيع في بلداننا يسهم أيضاً في استمرار التبعية الثقافية.
من هنا تبرز أهمية استعادة مفهوم الأدب المحلي، لا بوصفه أدباً منغلقاً على جغرافيته، بل باعتباره كتابة تنطلق من تفاصيل المكان واللغة والذاكرة والأسئلة الاجتماعية. فالمحلية ليست نقيضاً للكونية، ولا قيمة أدبية تتحقق بمجرد الانتماء إلى بيئة محددة، وإنما تصبح مصدراً للإبداع حين تنجح التجربة الفنية في تحويل الخصوصية إلى دلالة إنسانية. لقد استمد غارسيا ماركيز من الذاكرة الكولومبية عوالمه السردية، وغاص وليم فوكنر في تاريخ الجنوب الأمريكي، وانشغل تشيخوف بتفاصيل المجتمع الروسي. ومع اختلاف تجاربهم، استطاعت أعمالهم أن تتجاوز حدود المكان، لا لأنها تخلت عن خصوصيتها، بل لأنها كشفت من خلالها وجوهاً متعددة للتجربة الإنسانية.
وفي هذا السياق، تحتل اللغة الأم مكانة أساسية، فهي ليست مجرد أداة لنقل الحكاية، بل مستودع للذاكرة وطرائق التفكير والإحساس بالعالم. لذلك لا ينبغي للكاتب أن يعيد تشكيل لغته أو بيئته وفق افتراضات مسبقة عما يريده القارئ الأجنبي. وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول المحافظة على الخصوصية إلى ذريعة لرفض الترجمة، فهي جسر ضروري للتعارف، وإن كانت لا تنقل جميع ظلال النص وإيقاعاته بالضرورة.
أما الأدب المحلي/الكوني بلا مركز، فيقترح أفقاً مختلفاً للعلاقات الأدبية، يقوم على تعدد مسارات التواصل وتكافؤ الثقافات، بدلاً من اشتراط مرور النصوص بمركز ثقافي واحد كي تحظى بالاعتراف. يستطيع الأدب العراقي أن يتحاور مباشرة مع الأدب الأفريقي والهندي واللاتيني، كما تستطيع آداب آسيا وأمريكا اللاتينية أن تتبادل تجاربها من دون وساطة حصرية. ويتطلب ذلك تطوير الترجمة المتبادلة، والمجلات المستقلة، وشبكات النشر والتوزيع، والنقد المقارن الذي لا يتخذ تجربة ثقافية واحدة معياراً عاماً للحكم على الجميع.
إن تجاوز مركزية الأدب العالمي لا يعني إلغاء العالمية، بل تحريرها من الاحتكار وإعادة الاعتبار إلى تعدد منابعها. فليس كل نص محلي كونياً بالضرورة، وليس كل نص مترجم أو واسع الانتشار عملاً عظيماً. القيمة تتحدد بعمق التجربة وفرادتها وقدرتها الفنية على ملامسة الإنسان. الأدب الذي ننشده محلي في جذوره، مفتوح في حواره، إنساني في أسئلته، ولا يحتاج إلى مركز يمنحه شرعية الوجود. فالعالمية الحقيقية ليست امتيازاً ثقافياً تحتكره جهة، بل علاقة متبادلة تتعدد فيها الأصوات وتلتقي من موقع الندية والاختلاف.
بقلم: ماجد القيسي