رؤي ومقالات

د . أنور ساطع أصفري يكتب :كيف تُعاد هندسة الوعي الديني في الشرق الأوسط ؟ . .

حين يدخل المقدّس إلى غرفة السياسة .
ليست المشكلة في أن تستحضر السياسة الرموز الدينية ، فالتاريخ الإنساني حافل بالعلاقة المتشابكة بين السلطة والعقيدة ، وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول الرموز المقدسة إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي ، وتوجيه المجتمعات نحو خيارات سياسية يجري تقديمها باعتبارها حقائق أخلاقية أو دينية لا تقبل النقاش .

في هذا السياق يبرز مفهوم « إبراهيم » بوصفه أحد أكثر الرموز الدينية قدرة على تجاوز الحدود العقائدية والجغرافية ، فالنبي إبراهيم يحتل مكانة مركزية في اليهودية والمسيحية والإسلام ، ويشكل نقطة التقاء روحية وتاريخية بين ثلاث ديانات كبرى .

لكن ما الذي يحدث عندما تنتقل هذه الشخصية من فضائها الديني إلى فضاء السياسة الدولية ؟ ، وهل نحن أمام استعادة لقيم التوحيد والتسامح والتعايش ، أم أمام عملية إعادة إنتاج لرمز ديني قديم ضمن مشروع سياسي حديث ؟ .

إن الانتقال من إبراهيم الديني إلى إبراهيم السياسي ليس مجرد تغيير في المصطلحات ، بل قد يمثل تحولاً في وظيفة الرمز نفسه ، من شخصية دينية تحمل معنى الإيمان والتوحيد ، إلى عنوان سياسي يُستخدم لتسويق التقارب وإعادة ترتيب العلاقات والتحالفات في الشرق الأوسط .

تمتلك الرموز الدينية قدرة استثنائية على التأثير في الوجدان الإنساني ، لأنها لا ترتبط فقط بالمعتقد ، بل تتصل بالذاكرة التاريخية والهوية والانتماء والشعور بالقداسة .

ولهذا لم تكن السياسة بعيدة عن توظيف الرموز الدينية عبر التاريخ . فقد استخدمت الإمبراطوريات والأنظمة السياسية المعتقدات الدينية لتثبيت شرعيتها ، وتوحيد المجتمعات خلف مشاريعها ، وإضفاء طابع أخلاقي على قراراتها.

وفي الحالة الإبراهيمية ، تبدو المسألة أكثر حساسية ، لأن الرمز لا ينتمي إلى جماعة دينية واحدة ، وإنما يمثل أرضية مشتركة بين ديانات متعددة .

لكن الاشتراك في الرمز لا يعني الاشتراك في المصالح ، ولا يؤدي بالضرورة إلى تطابق الرؤى السياسية .

إن تحويل إبراهيم إلى عنوان لمشروع سياسي يطرح إشكالية تتعلق بحدود العلاقة بين المقدس والمصلحة .

فهل يجري استحضار الرمز لتشجيع التفاهم بين الشعوب ، أم لتوفير غطاء ثقافي وأخلاقي لخيارات سياسية محددة ؟ .

إن الخطر لا يكمن في الرمز نفسه ، وإنما فيمن يمتلك سلطة تفسيره وتحديد الوظيفة التي ينبغي أن يؤديها .

شكّلت الاتفاقيات الإبراهيمية التي بدأت عام 2020 برعاية الولايات المتحدة الأمريكية محطة مهمة في مسار العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية .

وقد حملت هذه الاتفاقيات أبعاداً دبلوماسية واقتصادية وأمنية ، وترافقت مع خطاب سياسي يركز على التسامح والتعايش والمصالح المشتركة .

لكن قراءة هذه الاتفاقيات لا ينبغي أن تقتصر على الخطاب المعلن ، بل يجب أن تمتد إلى السياق الاستراتيجي الذي ظهرت فيه .

فالشرق الأوسط ليس مجرد مساحة جغرافية تجمع أدياناً وثقافات متعددة، بل هو منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية، وتتنافس فيها القوى الإقليمية ، وتتشابك فيها قضايا الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ .

ومن هنا ، فإن استخدام اسم إبراهيم يمنح المشروع بعداً رمزياً يتجاوز اللغة الدبلوماسية التقليدية ، ويضعه ضمن إطار حضاري وديني واسع .

لكن الاتفاقيات السياسية تظل اتفاقيات بين دول ، ولا تتحول إلى اتفاقيات دينية بين العقائد .

وهذا التمييز ضروري حتى لا يصبح الاعتراض على مضمون سياسي معين وكأنه اعتراض على التعايش بين الأديان .

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجتمعات ليس تغيير الشعارات السياسية ، بل تغيير الطريقة التي يفكر بها الإنسان في القضايا المرتبطة بهويته وتاريخه ومصالحه .

وهنا يبرز مفهوم هندسة الوعي ، والمقصود به توجيه الإدراك الجمعي من خلال أدوات متعددة ، تشمل الإعلام والتعليم والخطاب الديني والثقافة والمنصات الرقمية والمؤسسات السياسية .

فحين يتكرر خطاب محدد، وتُمنح بعض المفاهيم مساحة واسعة في المجال العام ، بينما تُهمّش أسئلة أخرى ، تبدأ عملية إعادة ترتيب الأولويات في الوعي الاجتماعي .

وقد يتحول مفهوم السلام مثلاً ، من مشروع قائم على العدالة والحقوق المتبادلة إلى مجرد قبول سياسي بواقع قائم .

وقد يتحول مفهوم التسامح من احترام الاختلاف إلى مطالبة الطرف المتضرر بالتخلي عن أسئلته التاريخية والسياسية .

وقد يصبح التقارب الديني وسيلة لإعادة تعريف المواقف السياسية، بحيث يُنظر إلى من يعارض اتفاقية معينة باعتباره معارضاً للتعايش نفسه .

وهذا من أخطر أشكال الخلط بين المفاهيم .

فالتسامح لا يعني إسقاط الحقوق ، والسلام لا يعني نسيان المظالم ، والحوار لا يعني التخلي عن حق النقد .

لا يمكن لأي قراءة جادة للمشروع الإبراهيمي أن تتجاوز القضية الفلسطينية .

ففلسطين ليست مجرد قضية سياسية عابرة ، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة أي مشروع إقليمي على الجمع بين الخطاب الأخلاقي والواقع السياسي .

كيف يمكن الحديث عن الأخوة الإبراهيمية بينما لا تزال قضايا الاحتلال والحقوق الوطنية والسيادة والحرية والعدالة مطروحة ؟ .

إن السلام الذي يتجاوز حقوق الفلسطينيين لا يمكن أن يتحول إلى سلام شامل ومستدام ، مهما اتسعت الاتفاقيات الإقليمية .

والأكثر خطورة هو تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف ثانوي في معادلة التقارب السياسي ، أو اعتبارها عائقاً أمام بناء منظومة جديدة من المصالح .

إن أي مشروع يدّعي أنه يستند إلى قيم دينية وأخلاقية ينبغي أن يخضع لمعيار واحد ، مدى احترامه لكرامة الإنسان وحقوق الشعوب ، بعيداً عن ازدواجية المعايير .

فإذا كان إبراهيم رمزاً للإيمان ، فلا يجوز أن يصبح اسمه وسيلة لتجاوز العدالة .

هناك فرق جوهري بين الحوار بين الأديان ، وبين محاولة تأسيس هوية سياسية عابرة للديانات .

فالحوار يقوم على الاعتراف بالاختلاف ، واحترام خصوصية العقائد ، والبحث عن المشتركات الإنسانية والأخلاقية .

أما الهوية السياسية المشتركة فقد تنطلق من مصالح ومواقف وتحالفات محددة ، ولا يشترط أن تكون انعكاساً حقيقياً للتقارب العقائدي .

ومن هنا ، فإن الحديث عن هوية إبراهيمية جامعة ينبغي أن يخضع لنقاش معرفي واضح ” هل المقصود هوية ثقافية قائمة على التعدد ، أم هوية سياسية تستثمر في المشتركات الدينية ؟ ” .

إن إنشاء هوية جامعة لا يكون بإلغاء الاختلاف ، ولا بإعادة صياغة العقائد لتتناسب مع المصالح السياسية .

فالإنسان يستطيع أن يحترم اليهودية والمسيحية والإسلام ، وأن يؤمن في الوقت نفسه بخصوصية معتقده .

كما يستطيع أن يؤيد التطبيع أو يعارضه وفق رؤيته السياسية ، دون أن يُتهم بسبب موقفه بأنه يرفض التعايش الديني .

إن حرية التفكير تبدأ عندما نفصل بين حق الإنسان في الإيمان ، وحقه في مساءلة السياسة .

لم تعد عملية تشكيل الوعي مقتصرة على المؤسسات التقليدية ، فقد أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات جزءاً أساسياً من إنتاج المعرفة وتوجيه الرأي العام .

فالإعلام الرقمي لا ينقل المعلومات فحسب ، بل يشارك في تحديد ما يراه الإنسان ، وما يتجاهله ، وما يعتبره مهماً أو هامشياً .

ومن خلال تكرار خطاب معين ، وتضخيم بعض الرسائل ، وإعادة إنتاج الصور النمطية ، يمكن أن تتشكل بيئة فكرية جديدة تؤثر في نظرة الأجيال إلى الدين والسياسة والتاريخ .

وفي هذا السياق ، يمكن للمفاهيم الإبراهيمية أن تتحول إلى مادة إعلامية وثقافية واسعة الانتشار ، تُقدَّم من خلالها صورة محددة عن مستقبل المنطقة وعلاقات شعوبها .

لكن السؤال النقدي الذي ينبغي طرحه هو :

من ينتج هذا الخطاب ؟ . ومن يحدد أولوياته ؟ . ومن يستفيد من انتشاره ؟ . وهل تتاح للمجتمعات فرصة حقيقية لمناقشته ونقده ؟ .

إن الوعي الذي لا يمتلك أدوات النقد يصبح قابلاً للتوجيه ، مهما بدا متسامحاً أو منفتحاً .

لا ينبغي التعامل مع كل مشروع للتقارب باعتباره مؤامرة ، كما لا ينبغي التعامل مع كل خطاب يرفع شعار السلام باعتباره حقيقة أخلاقية مكتملة .

فالمشاريع السياسية تُقاس بنتائجها ، لا بأسمائها ، وبمدى تحقيقها للمصالح المتبادلة ، لا بجمال شعاراتها .

وقد يكون التقارب بين الدول مدخلاً إلى التعاون والتنمية وتخفيف التوترات ، لكنه قد يتحول أيضاً إلى وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم أطرافاً أكثر نفوذاً .

وهنا تبرز ضرورة امتلاك المجتمعات العربية القدرة على قراءة التحولات الإقليمية بعقل نقدي مستقل .

فليس المطلوب رفض كل أشكال التعاون الدولي ، ولا الانغلاق خلف هويات متصارعة ، وإنما رفض أن تتحول المجتمعات إلى متلقٍ سلبي لمشاريع تُصاغ خارج إرادتها .

إن السيادة لا تعني فقط امتلاك الأرض والقرار السياسي ، بل تعني أيضاً امتلاك القدرة على التفكير المستقل ، وتحديد المصالح ، ومساءلة الخطاب الذي يُراد له أن يصبح حقيقة عامة .

يقع على عاتق المثقف العربي دور أساسي في تفكيك الخطابات السياسية التي تستعير المفردات الدينية ، وفي التمييز بين الحقيقة والمصلحة ، وبين الحوار والتوظيف ، وبين السلام والهيمنة .

فالمثقف ليس موظفاً لدى السلطة ، ولا مروّجاً لمشاريعها ، ولا حارساً للموروث من الأسئلة النقدية .

وظيفته الأساسية أن يطرح الأسئلة التي قد لا ترغب المؤسسات السياسية في سماعها .

لماذا يُستحضر الدين في لحظة التحولات الاستراتيجية ؟ ، ولماذا تُمنح بعض الرموز الدينية وظيفة سياسية جديدة ؟ ، وهل يجري التعامل مع الشعوب باعتبارها أطرافاً في صناعة مستقبلها ، أم باعتبارها جماعات ينبغي تهيئة وعيها لقبول خيارات جاهزة ؟ .

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى العداء ، بل دفاع عن حق العقل في التفكير ، وحق المجتمع في المعرفة والاختيار .

فالمثقف الذي يتخلى عن استقلاله النقدي يصبح جزءاً من عملية إنتاج الوعي الموجّه ، حتى لو احتفظ بلقب المفكر والمثقف .

إن الانتقال من إبراهيم الديني إلى إبراهيم السياسي ، يكشف عن إشكالية أعمق من مجرد استخدام اسم نبي في اتفاقيات دولية .

إنه يفتح باباً واسعاً لمناقشة العلاقة بين الدين والسلطة والهوية والسيادة والوعي الجمعي .

فإبراهيم في الذاكرة الدينية رمز للتوحيد والإيمان ، أما إبراهيم في الخطاب السياسي المعاصر فقد أصبح عنواناً لمشروع تقارب وتحالفات ومصالح إقليمية .

وبين الصورتين مسافة تستحق التفكير والمساءلة .

ليس من حق السياسة أن تحتكر تفسير المقدس ، كما ليس من حق المؤسسات الدينية أن تصادر حرية الإنسان في مساءلة الخيارات السياسية .

وليس من الحكمة أن نرفض الحوار بين الأديان ، لكن ليس من المقبول أيضاً أن نسمح بتحويله إلى غطاء لتجاوز حقوق الشعوب أو إعادة إنتاج الهيمنة .

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى هندسة وعيه وفق مصالح الآخرين ، بل يحتاج إلى تحرير عقله من التبعية ، وبناء ثقافة سياسية تحترم الإنسان ، وتؤمن بالعدالة ، وتمنح الشعوب حق المشاركة في تقرير مصيرها .

فمن يوظف هذا المشترك ، ولأي غاية، وعلى حساب من ؟ .

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس اختلاف الأديان ، بل فقدان القدرة على التفكير المستقل في كيفية استخدام الدين داخل معادلات السلطة .

فحين يصبح المقدس لغة للسياسة ، يجب أن يبقى العقل حارساً للحقيقة ، والعدالة معياراً للسلام ، والإنسان غاية كل مشروع .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى