رؤي ومقالات

علي أبوحبلة يكتب:إيزنكوت وأزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية: هل يلجأ نتنياهو إلى التصعيد العسكري لقطع الطريق أمام التغيير؟

تدخل إسرائيل مرحلة سياسية شديدة التعقيد، في ظل حصول غادي إيزنكوت على توصيات 67 نائباً لتكليفه بتشكيل الحكومة، مقابل 46 توصية لبنيامين نتنياهو. ورغم أن هذه الأرقام تمنح إيزنكوت أفضلية في مشاورات التكليف، فإنها لا تعني بالضرورة امتلاكه أغلبية برلمانية قادرة على تشكيل حكومة مستقرة والحصول على ثقة الكنيست، في ظل الفيتو المتبادل بين الأحزاب وتباين مواقفها السياسية.

وتكمن المفارقة في أن توصيات الأحزاب العربية أسهمت في تعزيز موقع إيزنكوت، بينما يرفض الأخير الاستناد إلى دعمها لتشكيل حكومة تعتمد عليها، الأمر الذي يضعه أمام معادلة سياسية معقدة: أغلبية توصيات لا تتحول بالضرورة إلى أغلبية حكم.

وتتجه الأنظار إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي يملك صلاحية تكليف الشخصية التي يرى أنها قادرة على تشكيل الحكومة. وفي حال حصول إيزنكوت على التكليف، فإنه سيواجه مهلة دستورية للتوصل إلى ائتلاف حكومي، وسط احتمالات تتراوح بين تشكيل حكومة طوارئ وطنية، أو استمرار حكومة تصريف الأعمال، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

لكن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بموقف نتنياهو، الذي اعتاد توظيف الاعتبارات الأمنية في إدارة أزماته السياسية. فهل يمكن أن يشكل التصعيد العسكري مخرجاً له من مأزق انتقال السلطة، أو وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الإسرائيلي؟

لا يمكن الجزم بوجود قرار إسرائيلي مسبق لشن حرب على لبنان أو سوريا بهدف تعطيل تكليف إيزنكوت، إذ لا تتوافر أدلة موثقة تثبت ذلك. لكن احتمالات توظيف التطورات الأمنية في الصراع السياسي تبقى مطروحة، خصوصاً في ظل استمرار التوتر على الجبهات الإقليمية، والانقسامات داخل المعسكرات الحزبية الإسرائيلية.

على الجبهة اللبنانية، قد يؤدي تجدد المواجهة مع حزب الله إلى خلق واقع أمني ضاغط، تستخدمه القوى الداعمة لنتنياهو لتبرير استمرار الحكومة تحت عنوان الضرورات الأمنية. أما في سوريا، فإن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والتدخلات المرتبطة بالأمن الحدودي قد يفتحان الباب أمام تصعيد إضافي، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية متسارعة.

وفي الضفة الغربية، تتواصل الاقتحامات والاعتقالات والتوسع الاستيطاني وعمليات التهجير، بما يعكس استمرار سياسة فرض الوقائع على الأرض. وقد تتحول هذه التطورات إلى عنصر إضافي في الحسابات السياسية والأمنية الإسرائيلية، خصوصاً في ظل صعود التيارات اليمينية المتشددة التي تربط مستقبلها السياسي بتوسيع الاستيطان ورفض أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

ومن الناحية القانونية، فإن إعلان حالة الطوارئ لا يعني تلقائياً إلغاء نتائج الانتخابات أو تعطيل الإجراءات الدستورية المتعلقة بتشكيل الحكومة. كما أن استمرار حكومة تصريف الأعمال لا يمنحها تفويضاً مفتوحاً لتجاوز المدد والإجراءات القانونية أو الالتفاف على المسار الديمقراطي.

وتبرز أمام المشهد الإسرائيلي أربعة احتمالات رئيسية: نجاح إيزنكوت في تشكيل حكومة ائتلافية، أو تشكيل حكومة طوارئ وطنية، أو استمرار حالة الجمود السياسي، أو العودة إلى صناديق الاقتراع. وتبقى الأحزاب العربية عاملاً مؤثراً في الحسابات البرلمانية، رغم الخلاف حول طبيعة دورها في الحكومة المقبلة.

إن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بمن يتولى رئاسة الحكومة، بل بقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إدارة انتقال السلطة دون الانزلاق إلى توظيف الأزمات الأمنية والعسكرية في الصراع الحزبي. فالحرب، إن اندلعت، ستكون لها تداعيات تتجاوز الحسابات الداخلية الإسرائيلية، وستطال أمن واستقرار المنطقة بأكملها.

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن تغيير رئيس الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تغيير السياسات القائمة تجاه الأرض الفلسطينية، ما لم يقترن ذلك بتحول حقيقي في الموقف من الاستيطان والاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

إن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في احترام نتائج الانتخابات والمسار الدستوري، وعدم تحويل الأمن والحرب إلى أدوات للمساومة السياسية. فالمنطقة لا تحتمل مغامرات عسكرية جديدة، ولا ينبغي أن يدفع الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون ثمن الصراع على السلطة داخل إسرائيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى