
لم يعد النظام الدولي يُدار عبر بيانات ختامية أو مواثيق تأسيسية بل عبر رسائل تهديد قصيرة وواضحة. في الوقت الذي كان فيه قادة العالم يتبادلون الابتسامات في دافوس كانت واشنطن تلوّح بعقوبات ورسوم جمركية بوصفها أداة إدارة لا كخيار أخير. أحدث الأمثلة تهديد دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة مئة بالمئة على كندا إذا أبرمت اتفاقات تجارية مع الصين. هكذا انتقل الخطاب من شراكة بين حلفاء إلى تحذير بين زبائن محتملين. وفي هذا المناخ لا تحتاج روسيا إلى رفع الصوت. يكفيها الإصغاء.
🔴 الناتو من مظلة أمنية إلى عقد مشروط.
منذ عودة ترامب لم يعد حلف شمال الأطلسي مظلة ردع بقدر ما أصبح عقداً قابلاً لإعادة التفاوض. السؤال المركزي لم يعد من يهددنا بل من يدفع. هذا التحول الخطابي يبدو بسيطاً لكنه في إدارة الأزمات إشارة إنذار مبكر. التحالف الذي يناقش جدواه علناً يزرع الشك في داخله قبل أن يواجه خصوماً خارجه. روسيا تفهم هذا جيداً. الردع لا يتآكل بالدبابات فقط بل بتبدّل اللغة التي تصفه. حين تُستبدل فكرة الالتزام الجماعي بفكرة الفاتورة المؤجلة يصبح كل عضو في الحلف معنياً بحسابه الخاص لا بالأمن المشترك. هنا تظهر أخطر الفجوات. فجوات نفسية وسياسية تفتح الباب أمام الضغط الهجين والتشويش الإعلامي وتفكيك السرديات الوطنية من الداخل.
🔴 القطب الشمالي حين تصبح الجغرافيا سلعة.
في دافوس بدا القطب الشمالي وكأنه جناح استثماري أكثر منه ملفاً أمنياً. طرق شحن جديدة وموارد طاقة وفرص استثمارية. خلف هذا الهدوء تسابق استراتيجي صامت. اهتمام ترامب بغرينلاند أعاد المنطقة إلى دائرة الضوء لا بوصفها أرضاً باردة بل كأصل قابل للتملك. روسيا التي سبقت الجميع في بناء حضور عسكري وبنى تحتية في الشمال لا تنزعج من الضجيج الأميركي بقدر ما تحسب نتائجه. كل تردد أميركي وكل ارتباك أوروبي يمنح موسكو وقتاً ومساحة. في إدارة الأزمات هذا نموذج تهديد متعدد الأبعاد. بيئي واقتصادي وعسكري في آن. الخطر ليس الحرب المفتوحة بل سوء التقدير. من يقرأ الخرائط على أنها عقود بيع قد يكتشف متأخراً أن الجغرافيا لا تُدار بمنطق العروض الترويجية.
🔴 أوكرانيا التهديد القابل للتجميد.
وصف روسيا في الاستراتيجية الدفاعية الأميركية لعام 2026 بأنها تهديد مستمر لكنه قابل للإدارة ليس جملة تقنية. إنه إعلان أولويات. الصين أولاً وأوروبا لاحقاً. أوكرانيا تصبح ساحة إدارة لا ساحة حسم. بالنسبة لموسكو هذا السيناريو مريح. الصراع المجمّد يسمح بإعادة التموضع وبناء القوة وانتظار لحظة تفاوض أفضل. أما أوروبا فتُدفع لزيادة الإنفاق الدفاعي لا كخيار سيادي مستقل بل كاستجابة لفاتورة متأخرة. في إدارة الأزمات الاستقرار الهش أخطر من الفوضى الواضحة. صمت المدافع لا يعني نهاية الحرب بل إعادة جدولة مراحلها.
🔴 زاوية حادة تسأل.
في دافوس يتكرر الحديث عن نظام عالمي جديد لكن بلا خريطة طريق. من هنا تعود فكرة مجلس سلام بديل عن الأمم المتحدة. أقل بيروقراطية وأكثر مرونة وأقرب إلى مصالح الممولين. السؤال الذي لا يُطرح بصوت عالٍ هل نبحث عن سلام أم عن إدارة أنيقة للصراعات. غزة مثال صارخ. مجالس ولجان وصناديق إعمار من دون وضوح في الهدف. هل نحن أمام مشروع إنقاذ حقيقي أم بازار اقتصادي سياسي يُدار باسم الإنسانية. في إدارة الأزمات هذه ليست إعادة إعمار بل إعادة تدوير للأزمة. تغيير في الأسماء وبقاء في الجوهر.
🧭 الخلاصة.
روسيا لا تراهن على انهيار فوري ولا تسعى إلى فوضى شاملة. ما تريده أبسط وأعمق. نظام دولي أقل يقيناً وتحالفات قابلة للابتزاز وشركاء منشغلون بالحسابات أكثر من الخرائط. في عالم يُدار بالتهديد تصبح القوة في القدرة على الانتظار. وفيما يناقش المجتمع الدولي شكل الطاولة في دافوس تُسحب الكراسي بهدوء.