
كما يبدو من كتابات وتقديرات كثيرة فإن ترامب ونتنياهو يخسران الحرب، فبعد أربعة أيام من المعركة استطاع الإيرانيون تعويض خسارتهم الكبيرة في اليوم الأول باغتيال المرشد علي خامنئي بتوجيه ضربات غير متوقعة للجيش الأمريكي وللداخل الإسرائيلي، وقصفوا القواعد الأمريكية في دول الخليج على غير ما كان يتوقع الرئيس الأمريكي.
وذكرت الأنباء أن الإيرانيين استطاعوا تدمير الرادارات الضخمة المحيطة بإيران وتسببوا في حالة من العماء لغرف العمليات التي ترصد سماء إيران، وشنوا هجمات متواصلة بالمسيرات والصواريخ لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية للتهيئة للقصف بالصواريخ الضخمة والفرط صوتية الأكثر تدميرا، وقد تأكد أنهم أجبروا حاملة الطائرات الأمريكية لينكولن وقطع البحرية للابتعاد عن مدى الصواريخ الإيرانية، ويملك الإيرانيون أسلحة تصل إليها ولكنهم ربما يؤجلون ضربها في إطار خطط الحرب.
وحتى الآن لم يستطع سلاح الجو الإسرائيلي والأمريكي إسكات منظومات الصواريخ المتحركة والقابعة في الأنفاق والمدن المحفورة في الجبال، ويبدو أن الإيرانيين استفادوا من نقاط الضعف في الحرب السابقة بتحسين الدفاع الجوي حيث أسقطوا الكثير من المسيرات الأمريكية MQ-9 والإسرائيلية هرمس 900 مما أضعف عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات.
والواضح من تصريحات الرئيس الأمريكي ومساعديه التضارب في المعلومات واضطرارهم لتغيير الهدف من الحرب، وهو ما أشعل حالة غضب وصراع بين الحزبين، وفى داخل الحزب الجمهوري، فتماسك الحكم الإيراني رغم ما جرى جعل ترامب يستبعد سيناريو تنصيب إبن الشاه رضا بهلوي ويبحث عن شخص من داخل النظام الجديد يتفاوض معه، ولكنه لا يجد من يقبل التفاوض، بل تكشف تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنهم قرروا القتال حتى النهاية ولا تفكير في وقف الحرب.
تشير التقارير الأمريكية إلى أن ترامب أخطأ في تقييم قوة إيران، وسار خلف نتنياهو شبرا بشبر وذراعا بذراع، وظن أن قتل رأس النظام الإيراني والصف الأول من القيادة سيؤدي للاستسلام والرضوخ كما حدث في فنزويلا، لكنه فوجئ بأنه تورط في مواجهة صعبة، وسقط في حفرة من النار لا خروج منها بسلام.
كان ترامب يظن أن المعركة تنتهي بضربة واحدة كما فعل في اعتقال مادورو، ولم يقدر حجم القوة الصاروخية المتراكمة للدولة الإيرانية، ولم يضع في الحسابات حجم الغضب الذي ترتب على عملية اغتيال خامنئي وأركان النظام والذي يشعل نار الثأر ويوحد الإيرانيين العقائديين خلف الانتقام والدفاع عن وجودهم، وهم لا يبالون بما يسمى “الغضب الملحمي” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي.
وقد بدا لافتا عدم استجابة الإيرانيين لنداء نتنياهو وترامب بالنزول إلى الشوارع لإسقاط النظام، بينما نزل الإيرانيون إلى الميادين في طهران والمدن الأخرى حدادا على خامنئي يرفعون شعارات الانتقام، وتبخرت المعارضة الإيرانية التي كان التعويل الأمريكي والإسرائيلي عليها للقضاء على الحكم الإيراني والاستيلاء على السلطة.
هذا الفشل الأمريكي الإسرائيلي يدفع ترامب ونتنياهو للبحث عن الحركات الانفصالية داخل إيران، وهي كثيرة بحكم الانقسام الطائفي والعرقي المتوارث منذ الحقبة الاستعمارية، للتمرد وفتح جبهات قتال، لكن الأخطر هو تحريض دول الخليج، واستغلال التوسع في القصف الإيراني لأكثر من دولة لدخول الحرب ضد إيران لإشعال حرب طائفية بين السنة والشيعة، وهو ما دفع إيران لنفى تقصدها الهجوم على المنشآت النفطية والمدنيين.
ظهر هذا التوجه في ضرب منشأة النفط السعودية التابعة لأرامكو، وضربة أخرى في عمان، وقد نفى الإيرانيون مسؤوليتهم واتهموا إسرائيل، وجاء في بيان صدر عن “مقر خاتم الأنبياء” الإيراني: “نذكر بأن إيران ليس لديها أي عـداء مع الدول الجارة والمسلمة في المنطقة، وهي ملتزمة بحفظ الأمن القومي ومصالح المسلمين”.
بالتأكيد هذا النفي الإيراني يقطع الطريق على الفتنة التي يخطط لها، لكنه لا يكفي، ويحتاج إلى تكرار وتأكيد، للحفاظ على العلاقات الأخوية مع العرب الذين ليس لهم مصلحة في هذه الحرب الإسرائيلية ضد إيران، وعدم توسيع المواجهة حتى لا تتحول الحرب مع إسرائيل وأمريكا إلى حرب بين الإيرانيين والعرب، خاصة أن هناك عمليات إيرانية عشوائية وعمليات إسرائيلية مقصودة ضد أهداف مدنية قد تذهب بالمعركة في اتجاه يخدم مسعري الحروب الذين يعلنون أن هدفهم هو إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، لإقامة إسرائيل الكبرى.
عامر عبد المنعم