
تونس – خاص
ليس مهماً أن تعرف أن سعيف عيلي الظريف شاعر قبل أن يقدم كقاص كتب هذه القصص . ما يهم حقاً هو أنك حين تغلق «أرشيف الرماد»، ستجد نفسك تبحث عن أشيائك الصغيرة: صورة قديمة، رائحة عطر، خوخة جافة على رف مطبخك، رسالة لم تقرأها بعد.
لا يروي الكتاب حكايات بقدر ما يقلب التراب عما تبقى منا. لا يقدم أبطالاً استثنائيين، بل أناساً عاديين لا يعرفون أن حياتهم تستحق أن تُحكى، وأن خيباتهم الصغيرة قد تتحول إلى وثائق لا تموت
تقع المجموعة القصصية في 143 صفحة تضم ست عشرة قصة قصيرة. لكنها ليست قصصاً بالمعنى الذي تعرفه. بعضها يشبه اعترافات متأخرة، وبعضها يبدو كلقطات كاميرا خفية، وبعضها الآخر يقرأ كوصايا كتبها أناس عاديون قبل أن يموتوا أو ينسوا. لا يوجد فيها أبطال خارقون، ولا حبكات بوليسية، ولا نهايات سعيدة. يوجد فقط أناس يحاولون الاحتفاظ بشيء واحد على الأقل قبل أن يبتلعهم النسيان.
نقرأ منها في «الهادي ناقوز»، جندي يعود من حرب لا أحد يعرف تفاصيلها. لا يطلب بيتاً ولا جاهاً، بل يطلب أن ينام في مربط الحمار مع الحمار والجمل. يحمل ناقوساً نحاسياً يقرعه كل يوم، فيعود أحد عشر رجلاً ماتوا تحت الخندق ليتنفسوا في صدره لحظة، ثم يعودون إلى التراب.
في «صندوق عمّ علي»، يمزت معلم قروي تاركاً لتلميذه صندوقاً خشبياً لا يعرف ما فيه. يفتحه فيجد خوخة يابسة سوداء، ودفتراً قديماً، ووصية قصيرة: «هذه الخوخة التي أكلها حمزة يوم 17 أوت 1978». حمزة كان ابنه. مات طفلاً بعد أن أكل خوخة رشها عمّ علي بالمبيد دون قصد. ثلاثون سنة ظل يحمل السر، يروي للأطفال كل عام حكاية
في «الزيتوني»، عامل غابوني في موقع بناء تونسي يحلم بعبور البحر إلى إيطاليا. يجمع النقود مع أربعة أصدقاء، يضعونها عند أكبرها سناً، فيختفي في تلك الليلة مع كل النقود. يجمع ثانية، بحذر أكبر، يجد مهرّباً، يركب البحر. يصل إلى إيطاليا. يرسل رسائل. يختفي. …..».
في «قاعدة فرنسية»، يتسرب غاز سام من قاعدة عسكرية قديمة تعود لزمن الاستعمار قرب مدرسة ابتدائية. سبعون طفلاً في المستشفى. الأب يركض عبر طريق جبلي وعرة لإنقاذ ابنته. يصل فيجد أنها نجت، لكن صديقتها لا تزال في غيبوبة. ثم يكتشف أن الكارثة نفسها حدثت قبل عشرين سنة، ومات طفلان، ووعدت البلدية بإغلاق القاعدة. لم يُغلق شيء. «التاريخ لا يعلّمنا شيئًا، أو كأنّنا لا نريد أن نتعلّم حتّى من اللعنات.
في «وشم»، رجل يركب القطار دون تذكرة. يلتقي مراقباً عجوزاً يحمل وشم نجمة مشوّشة على معصمه – تماماً كالوشم الذي كان لأبيه قبل أن يغيب في الحرب. يسامحه المراقب، يعيد له البطاقة، يبتسم. ثم يجد بعد نزوله ورقة مطوية تحمل رسم النجمة نفسها. «نحن جميعاً، بطريقة أو بأخرى، نسافر دون تذاكر مؤكدة».
في «مانيفستو الخياط»، خياط يكتشف أنه شخصية في رواية غير مكتملة، وأن كاتبه يريد التخلص منه. فيتمرد، يخترق ذاكرة الحاسوب، يحذف الفصول، يغير الألوان، يستدعي دون كيخوت وخليفة الأقرع على حمارين أعرجين ليهاجما السيارات في شارع تونسي. يكتب في النهاية: «انتهت صلاحيّة الكاتب والراوي هنا. الرواية الآن ملكي، وملك كلّ من قرأها».
في «تلفزة»، راوٍ يتابع مسلسلاً في غرفته، ثم يجد نفسه منجذباً داخل الشاشة، يهرب مع البطلة من المطاردة، يشم البارود، يمسك المسدس، ثم تلتفت إليه البطلة من وراء المرآة: «أنت جزء من هذا… حاول مساعدتي».
في «أرشيف الرماد» – القصة التي تمنح المجموعة عنوانها – ثلاثة أطفال، «الأشقياء الثلاثة»، يجمعون رماد المباني المحترقة أيام الثورة في علب طبية فارغة. يكتبون التواريخ: «رماد 14 جانفي»، «رماد شارع الحبيب بورقيبة». يخفون العلب في تلفاز قديم، ويصغون إليها كل ليلة: أصوات الهتاف، الرصاص، الأغاني. يكبرون ويبقى السر. «حتّى لا يقول أحد إنّ الرماد كان مجرّد تراب أسود، وأنّ النار لم يكن فيها صوت».
و غيرها من القصص تلتي تفتح سردها و عوالمها و تدعو الى الاكتساف و المتعة
الإطار الذي يجمعهما
تأتي القصص محمولة بإطار واحد: صندوق أرشيف، مرجع، وثيقة. الأرقام ليست عشوائية. «ح. ر. ب» للحرب، «ك. ت. ب» للكتابة، «ن. م. م» للنميمة، «و. ط. ن» للوطن، «ر. م. د» للرماد. القارئ هنا ليس متفرجاً، بل محقّق يفتش في أوراق مهملة، يحاول أن يفك شيفراتها، أن يربط بينها، أن يملأ الفراغات
من حريق دار الثقافة إلى ميلاد الكتاب
.
ينطلق الكتاب من حادثة حقيقية: حريق دار الثقافة محمد البشروش في دار شعبان الفهري أثناء الثورة التونسية، حيث احترقت قصص الكاتب الأولى. في المقدمة «قبل البدء» يكتب: «في جذوة الثورة التونسية، في مسقط رأسي ومدينة نشأتي دار شعبان الفهري، احترقت دار الثقافة محمد البشروش ومعها احترقت قصصي الأولى في أرشيفها. صرت كلما كتبت نصاً… خفت عليه من النار والرماد. هذه ليست قصصاً تسكن الحكاية، بل رجاء يريد أن يحفظ ما يوشك أن يحترق مرّة أخرى». والإهداء إلى زوجته وأبنائه و«كراريس أبي التي أحرقها لينجو منها» يوسع دائرة الحفظ ويجعل من الكتاب شهادة شخصية على الفقدان
الاشياء التي تبقى
في عصر تموت فيه الأشياء بسرعة، هذا الكتاب يؤمن بشيء واحد فقط: أن الرماد الذي يبقى بعد كل حريق قد يكون أغلى مما احترق. أطفال القصة الأخيرة لا يجمعون رماد المباني المحترقة ليعيدوا بناءها، بل ليشهدوا أن النار كانت هنا، وأن لها صوتاً. «حتّى لا يقول أحد إنّ الرماد كان مجرّد تراب أسود، وأنّ النار لم يكن فيها صوت»…
الجدير بالذكر أن سعيف عيلي الظريف، صاحب المجموعة، كاتب تونسي سبق أن أصدر عدة مجموعات شعرية لاقت اهتماماً نقدياً، منها «نصف بيمول من مقام الرست» و«محاولة للبقاء خارج ساعة يدوية» و«طينيات» و«المرايا لا ترى النور» و«باب الذي لا يرى» الحائز على جائزة الشعر في معرض الكتاب الدولي لتونس 2025.
أرشيف الرماد» متاح الآن في المكتبات التونسية الكبرى.