
العديد من المسئولين السابقين في بعض الجهات السيادية، الذين يظهرون إعلاميا تحولوا فعليا الي عبء علي العقل والتاريخ والوعي والذاكرة الوطنية، فهم يقدمون قول هش كحلوي غزل البنات المنفوخة التي تضيع بين اصابعك قبل ان تصل الي فمك.
فحينما يتناولون الاحداث، يخوضون في أمور شتى بطريقة السرد الانطباعي الصوتي، على طريقة حكي المقاهي، وغالبا ما يأخذهم الحماس فتأتي تقييماتهم غير مؤصلة علميا وعسكريا ومنطقيا، وتكون محصلة ما يقولون محتوي خفيف الأفكار، يلف ويدور حول الامر على طريقة من يعرف الماء بعد الجهد بالماء، أو يقدمون شطحات لا لزوم لها على الإطلاق كونها تقترب من التخريف او الاختلاق أو الوهم.
المدهش انهم في الغالبية الساحقة من الأحيان، لا يقدمون نصا مكتوبا، بل كلاما مسموعا مرسلا لا يتخطى مستوى الخواطر العابرة، ومع ذلك يجري تقديمهم أو يقدمون هم أنفسهم باعتبارهم خبراء نافذين ذوي معرفة تاريخية عميقة، وواسعي الاطلاع، يعبرون عن وجهة نظر الدولة وأجهزتها السيادية الكبرى، في حين أن هذا غير دقيق غالبا.
أستطيع القول إنك بالكاد تجد أحدهم متلبسا بكتابة نص رصين، يعبر فيه عن أفكاره بطريقة قائمة على التسلسل المنطقي، والاحتواء على العناصر الكافية التي تمثل الحد الأدنى للمعرفة التي تجسد الفكرة وتوضحها للجمهور.
باستثناء الأستاذ جمال طه، لا يوجد بين هؤلاء السادة من يحرص على تقديم رؤاه وافكاره مكتوبة كنصوص تحليلية جديرة بالقراءة والاهتمام، ومعرفتي بالاستاذ جمال طه قديمة تعود لنهاية تسعينيات القرن الماضي ومطلع الالفية الحادية، وخلال معرفتي به علمت أن له تاريخ مشرف في الجهة السيادية التي كان يعمل بها، وهو يكاد يكون من القلة القليلة وربما الوحيد الذي يعبر عن أفكاره ورؤاه كتابة لا حديثا مرسلا، وحينما يكتب فأنت أمام نص جدير بالاحترام لما فيه من وضوح الفكرة وغزارة المعلومات وعمق التحليل.
أقول ذلك على الرغم من أنه بين الحين والآخر يتابع ما انشره ويوجه له نقدا احترمه، ويعلن بصدده اختلافا واسعا اقبل به، لأنه صادر عن عقل منظم، ما يطرحه له وجاهته، سواء كانت رؤاه متوافقة أو مخالفة.
علي العكس من جمال طه، فإن كثير من السادة الذين يحرصون علي تصدر المشهد، يقفز الواحد منهم الي الواجهة دون مقدمات ودون استعداد، كطلقة الرصاص الطائشة التي تخلف صوتا سريعا مخيفا يخض، ثم تختفي دون ان يعرف أحد لها إثر،
لابد أن يكون بالجهات المعنية من يرصد مثل هذا الأداء الذي إن لم يكن ضارا فهو غير مفيد، وينبه هؤلاء السادة الي ان شهوة الظهور لا تعني الكلام المرسل غير الموزون، كما حدث من البعض خلال الأيام الماضية،.
يا سادة: أنتم قادمون من جهات وطنية، نقدرها ونحترمها، لذلك نندهش كثيرا بأن يكون من بين أبنائها من يتحدث في أمور ثقيلة بمنتهي الخفة، وهو أمر لا يناسب المؤسسة التي يعلن هؤلاء انهم كان من أبنائها يوما ما.
كل من يملك القرار في أي جهة سيادية له كل الحق وعليه كل الواجب والمسئولية للنظر في الظاهرة ومراجعتها، فلا يليق أن تكون صفة المتحدث مسئولا رفيعا سابقا في جهة مهمة، ثم نسمع منه ما هو خفيف سريع سطحي مجتزأ، فاقد لأبسط مستويات المعرفة والتحليل، وخارج السياق المتوقع.