رؤي ومقالات

أحمد رمضان خليفه يكتب :القاهرة الإخبارية وسط أمواج التوازن الايجابي والسرديات المتصارعة:

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية، لم يعد الإعلام مجرد وسيط ينقل الأخبار إلى الجمهور، بل أصبح فاعلاً أساسياً في تشكيل الوعي العام وصياغة الروايات التي يفهم من خلالها الناس الأحداث الكبرى. فالحروب الحديثة لا تُخاض فقط في الميدان العسكري، بل أيضاً في الفضاء الإعلامي، حيث تتنافس المؤسسات الإعلامية على تقديم سرديات ورؤي مختلفة للحدث نفسه. وفي هذا السياق برزت تغطية قناة القاهرة الإخبارية كأحد المشاريع الإعلامية المصرية الحديثة التي تحاول تقديم نموذج مختلف في تغطية الصراعات والنزاعات، قائم على الجمع بين نقل الخبر وتحليله ضمن سياقه الاستراتيجي الأوسع.
وقد ظهرت أهمية هذا النموذج المتزن بوضوح مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع نشوب العدوان الصهوأمريكي على النظام الإيراني . في مثل هذه الأزمات تتحول القنوات الإخبارية إلى منصات لتفسير الحدث وتوجيه فهم الجمهور له، وليس مجرد نقل الوقائع. وهنا يبرز التفاوت بين القنوات في طريقة تقديم الأخبار، وفي الأطر الإعلامية التي تعتمدها لتفسيرها.
حيث تشير دراسات الإعلام السياسي إلى أن وسائل الإعلام تستخدم ما يعرف بـ إطار التناول أو “Framing”، وهو الأسلوب الذي يتم من خلاله اختيار زاوية محددة للحديث عن الحدث. هذه الزاوية قد تبرز جانباً معيناً من القصة، أو تعطي الأولوية لمصدر دون آخر، ما يؤدي في النهاية إلى تشكيل إدراك مختلف لدى الجمهور حتى لو كان الحدث نفسه واحداً. وتؤكد أبحاث عديدة في تحليل الخطاب الإعلامي أن طريقة عرض الخبر قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الخبر ذاته.
انطلاقاً من هذا المفهوم يمكن فهم الاختلاف بين نماذج التغطية الإعلامية في المنطقة. فكل مؤسسة إعلامية تمتلك فلسفة تحريرية خاصة بها (أجندة) ، تنعكس على طريقة اختيار الضيوف، والمصطلحات المستخدمة، وطبيعة التحليلات التي تقدمها للجمهور. ونلقى الضوء هنا على تفكيك التباين الواضح بين ثلاث قنوات مؤثرة في المشهد الإعلامي العربي: القاهرة الإخبارية AlQahera News و Al Jazeera Channel – قناة الجزيرة و Sky News Arabia سكاي نيوز عربية
زاحمت القاهرة الإخبارية لتقديم نموذج أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ الصحافة التفسيرية، أي الجمع بين الخبر والتحليل. فالتغطية لا تقتصر على نقل التطورات الميدانية، بل تتوسع لتقديم خلفيات تاريخية واستراتيجية تساعد المشاهد على فهم السياق العام للأحداث. فعند الحديث عن التوتر بين إيران وإسرائيل، على سبيل المثال، لا تكتفي القناة بعرض الضربات العسكرية أو التصريحات السياسية، بل تعود إلى جذور الصراع، مثل الملف النووي الإيراني، وشبكة التحالفات الإقليمية، والتوازنات الدولية المرتبطة بالمنطقة وتحرص على الحفاظ على وعي المشاهد واستخدام مصطلحات قانونية مثل الاحتلال الإسرائيلي وليس القوات الإسرائيلية أو جيش الدفاع الإسرائيلي كما يفعل غيرها !
هذا النهج التحليلي يمنح المشاهد فرصة لفهم الصراع وأبعاده بوصفه جزءاً من منظومة أوسع من العلاقات الدولية، وليس مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية المتفرقة. كما أن القناة تعتمد في كثير من برامجها على استضافة خبراء متنوعين من خلفيات متنوعة: باحثين في العلاقات الدولية، محللين عسكريين، وأكاديميين متخصصين في شؤون الشرق الأوسط. هذا التنوع في الضيوف يمثل أحد المؤشرات المهمة على التغطية المهنية، لأنه يسمح بتعدد وجهات النظر ويمنح الجمهور مساحة لتكوين رأيه الخاص دون توجيه يخدم مصالح معينة.
إلى جانب ذلك، تتسم لغة التغطية في القناة بقدر من الهدوء النسبي والحكمة مقارنة ببعض القنوات الأخرى. فبدلاً من الخطاب التعبوي أو الانفعالي الذي يظهر أحياناً في التغطيات المرتبطة بالحروب كما ترسخ القناة الأشهر ، تميل القاهرة الإخبارية إلى استخدام لغة تحليلية تركز على المعطيات والمعلومات. وفي رأيي هذا الأسلوب ساعد القناة الوليدة على ترسيخ حضورها سريعاً في المشهد الإعلامي العربي، إذ قدمت نفسها كمنصة محايدة تسعى إلى التوازن بين الخبر والتحليل.
في المقابل، تمثل الجزيرة نموذجاً إعلامياً مختلفاً يتمتع بتاريخ طويل وتأثير واسع في العالم العربي. فمنذ انطلاقها في نهاية التسعينيات لعبت القناة دوراً مهماً في تغطية الحروب والأزمات في المنطقة وذاع صيتها فى تغطية احتلال العراق عام 2003 ، مستفيدة من شبكة مراسلين واسعة وقدرة كبيرة على الوصول إلى الميدان. غير أن هذا الحضور القوي ارتبط أيضاً بجدل مستمر حول طبيعة السردية السياسية وما يمكن تسميته ((الأجندة الموجهه)) التي تقدمها القناة بنعومة مستترة
.
ففي كثير من التغطيات المتعلقة بالصراعات الإقليمية
تميل الجزيرة إلى إبراز خطاب شعبوي يقوم على فكرة تصادم الأبيض والأسود دون وجود مساحة رمادية. هذا الإطار التحليلي يجد صدى كبير لدى قطاعات واسعة من الجمهور العربي، لأنه يتقاطع مع مشاعر وعواطف سياسية وثقافية متجذرة في المنطقة. لكن هذا النهج قد يؤدي أحياناً إلى تغليب زاوية سياسية محددة أو دعم مشاريع غير وطنية على حساب التحليل الاستراتيجي المتعدد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصراعات المعقدة التي تتداخل فيها عوامل محلية وإقليمية ودولية.
أما سكاي نيوز عربية فتمثل نموذجاً ثالثاً يعتمد بدرجة أكبر على المقاربة الأمنية والاستراتيجية. ففي تغطيتها للصراعات في الشرق الأوسط تركز القناة غالباً على التوازنات العسكرية، والتهديدات الأمنية، والمواقف الغربية من الأزمات الإقليمية. هذا النهج يوفر للمشاهد تحليلاً مفصلاً للبعد الأمني في الصراعات، لكنه قد يضيق أحياناً مساحة السرديات الأخرى المرتبطة بالعوامل الاجتماعية أو السياسية داخل المنطقة ويؤخذ عليها تكرار ضيوف يتبنون سرديات متشابهة تخدم مشروعها وتتقاطع مع أجندتها .
وعند مقارنة هذه النماذج الثلاثة يمكن ملاحظة اختلاف واضح في فلسفة التغطية. فالجزيرة تميل إلى تقديم قراءة سياسية صاخبة ذات طابع تعبوي وشعبوي في أغلب الأحيان، بينما تعتمد سكاي نيوز عربية مقاربة أقرب إلى التحليل الأمني والاستراتيجي البارد. أما القاهرة الإخبارية فتسعى إلى تقديم نموذج ثالث يجمع بين التحليل الجيوسياسي وتعدد المصادر، في محاولة للوصول إلى قدر أكبر من التوازن والموضوعية.
لكن تقييم أي تجربة إعلامية لا يكتمل من دون النظر إلى الدور الأوسع للإعلام في تشكيل الرأي العام. فالدراسات الحديثة في علوم الاتصال تشير إلى أن الجمهور غالباً ما يبني مواقفه السياسية اعتماداً على الطريقة التي تقدم بها وسائل الإعلام الأحداث. وبعبارة أخرى، فإن الإعلام لا يكتفي بعكس الواقع، بل يشارك في صياغته من خلال اختيار القضايا التي يركز عليها والأساليب التي يعرضها بها.
وفي ظل هذا التأثير الكبير يصبح وجود منصات إعلامية عربية تسعى إلى تقديم قراءة تحليلية متوازنة أمراً ذا أهمية خاصة. فالإعلام الدولي غالباً ما يقدم الصراعات في الشرق الأوسط من منظور خارجي يعكس أولويات ومصالح الدول الكبرى، وهو ما يجعل الحاجة ملحة لوجود روايات إقليمية أكثر تنوعاً.
انطلاقاً من ذلك يمكن القول إن تجربة القاهرة الإخبارية تمثل محاولة لإعادة تعريف دور الإعلام العربي في تغطية الصراعات الدولية. فبدلاً من الانحياز الكامل إلى خطاب سياسي أو أمني محدد، حيث تحاول القناة الجمع بين التحليل الاستراتيجي وتعدد المصادر، وهو ما قد يسهم في تقديم صورة متزنة أكثر شمولاً للأحداث.
مع ذلك، من المهم الإقرار بأن الحياد الكامل في الإعلام يكاد يكون مستحيلاً. فكل مؤسسة إعلامية تعمل ضمن سياق سياسي وثقافي معين يؤثر في طريقة تناولها للأحداث. لكن الفارق الحقيقي يكمن في درجة التوازن بين عرض الوقائع وتقديم الرأي، وفي قدرة الوسيلة الإعلامية على إتاحة مساحة كافية لوجهات النظر المختلفة.
حيث تكشف المقارنة بين هذه القنوات الثلاث عن حقيقة أساسية: الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح جزءاً من معركة السرديات التي ترافق كل صراع سياسي أو عسكري. فالقنوات الإخبارية لا تقدم الأخبار فحسب، بل تصوغ الإطار الذي يفهم الجمهور من خلاله تلك الأخبار.
وفي زمن تتزايد فيه الأزمات الدولية وتعقيدات السياسة العالمية، تصبح قيمة الإعلام الحقيقية في قدرته على توسيع أفق الفهم بدلاً من تضييقه. فالتغطية المهنية لا تعني فقط السرعة في نقل الخبر، بل تعني أيضاً تقديمه في سياق محايد يساعد الجمهور على إدراك أبعاده المختلفة.
ومن هنا يمكن القول أنه:
في أوقات الأزمات الكبرى، يصبح التوازن الإعلامي ليس مجرد فضيلة مهنية، بل ضرورة استراتيجية لفهم العالم المعقد والمجنون الذي نعيش فيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى