
(1)
سَأَتَوَقَّفُ عَنْ كَوْنِي نَهْرًا بِلَا مَصَبٍّ،
سَأُصْبِحُ شَجَرَةً عَارِيَةً
تَحْتَفِي بِالرِّيحِ وَتَضْحَكُ لِلْمَطَرِ
حَتَّى لَوْ بَقِيتُ وَحِيدَةً.
أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَكِ بِلُغَاتٍ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ،
وَأَتْرُكَ لَكِ هَاشْتَاقًا فِي الظِّلِّ
كَيْ لَا يَضِيعَ صَوْتُكِ مَعَ صِرَاخِ الْمَدِينَةِ.
(2)
مُنْذُ بَدَايَةِ الصَّيْفِ الْمَاضِي
أُرَاقِبُ وُجُوهَ النَّاسِ
وَأَكْتُبُ إِلَيْكِ عَنْ طَرِيقِ الْعُيُونِ الْمَسْرُوقَةِ.
تَوَقَّفِي عَنْ كَوْنِكِ سَرَابًا فِي حَيَاتِي،
أُرِيدُ أَوْرَاقَكِ الرَّسْمِيَّةَ،
أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ تُضِيئِينَ الظِّلَالَ
بَيْنَ الْمَبَانِي الْمُتَهَالِكَةِ
وَكَيْفَ تَبْتَسِمِينَ رَغْمَ أَنْفِ الْحُزْنِ.
(3)
تَوَقَّفِي عَنْ دَفْنِ الْأَطْفَالِ فِي صَدْرِي،
تَوَقَّفِي عَنْ قَتْلِ الشَّمْسِ فِي لَيْلِي.
هَذَا الْمَسَاءُ أَسْأَلُ نَفْسِي:
لِمَاذَا أُحِبُّكِ وَبَيْنَمَا تَمُوتُ الشَّوَارِعُ،
يُصِرُّ النَّاسُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مَوْتَى أَحْيَاءَ؟
خُذِينِي إِلَى السَّاحَاتِ الْعَتِيقَةِ،
إِلَى حَيْثُ يُكْتَبُ الشِّعْرُ وَجْهُ امْرَأَةٍ
تُضْبَطُ عَلَى إِيقَاعِ الرِّيحِ وَالضَّوْءِ.
(4)
فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ
سَأُصْبِحُ شَارِعًا ضَيِّقًا أَوْ جِسْرًا مَهْجُورًا،
سَأَكُونُ كُلَّ شَيْءٍ كَيْ لَا تَضْطَرِّي لِلِانْتِظَارِ.
سَأُصْبِحُ حَافِلَةً بِلَا رُكَّابٍ،
سَأُصْبِحُ عَزَاءً بِلَا حَدٍّ،
سَأَدْعُوكِ إِلَى فَرَاغِي،
تَعَالَي، سَأَكُونُ هُنَاكَ
بَيْنَ مُنْتَصَفِ الْأَلَمِ وَنِهَايَةِ الْفَقْدِ.
(5)
قُولِي: “أُحِبُّكَ”،
وَأَمْطِرِي عَلَى قَلْبِي،
بَعْدَهَا اجْرُفِينِي كَالْعَاصِفَةِ،
ثُمَّ أَنْقِذِينِي بِقُبْلَةٍ أُخْرَى
أُدَفِّئُ بِهَا جُثَّتِي الْعَارِيَةَ مِنَ السَّعَادَةِ.
(6)
فِي الصَّفْحَةِ الْقَادِمَةِ
أُرِيدُ أَنْ أَعْبَثَ بِكِ، كَمَنْ يُوقِظُ نَهْرًا نَائِمًا فِي خَرَائِطِ الْغِيَابِ.
أَنَا مُوَاطِنٌ عَادِيٌّ،
أَحْيَانًا لِصٌّ فِي ذَاكِرَةِ الْأَمْوَاتِ،
وَأَحْيَانًا شَحَّاذٌ فِي ذَاكِرَةِ الْأَحْيَاءِ،
وَلَكِنْ فِي ذَاكِرَةِ حَبِيبَتِي،
أَظَلُّ شَاعِرًا لِكُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يُولَدْ فِيهَا الشِّعْرُ بَعْدُ.
(7)
فِي الْعِيدِ الْقَادِمِ،
كَيْفَ أَحْمِلُ بُنْدُقِيَّةً
وَأَنَا أَحْمِلُ “أُحِبُّكِ” مُنْذُ عَامَيْنِ؟
أَخْرِجِينِي مِنْ قَذَائِفِ اللِّقَاءَاتِ،
لَحْظَةً وَاحِدَةً تَنْفَجِرُ فِيهَا كُلُّ الْكَلِمَاتِ.
الرَّصَاصُ سَاخِنٌ، يُقِيمُ وَلِيمَةً فِي قَلْبِي،
وَقَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ فَقِيرٌ آخَرُ،
أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ كَيْفَ أُحِبُّكِ
حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ يَنْهَارُ.
(😎
هَذِهِ الْبِلَادُ سَكِينَةٌ قَاتِلَةٌ،
تَرَانَا أَوْرِدَةً لَا أَزْهَارًا،
لَسْنَا مَلَائِكَةً، لَسْنَا طُيُورًا،
نَحْنُ فُقَرَاءُ،
وَلَكِنَّنَا أَغْنِيَاءُ بِالْمَوْتِ وَالْغِيَابِ.
دَمُنَا يَمْتَزِجُ بِالْأَلْوَانِ،
الْأَبْيَضِ، الْأَسْوَدِ، الْأَحْمَرِ،
وَالنَّشْرَةُ تَقُولُ: أَمْطَرَتِ الْبِلَادُ فَقْرًا وَشُهَدَاءَ.
(9)
أَيَّتُهَا الْحَيَاةُ،
كَفِّي عَنِ التَّمْثِيلِ!
نَعْرِفُ أَنَّ الْمُمَثِّلِينَ مَاتُوا مُنْذُ الْعَرْضِ الْأَوَّلِ.
أَنَا آخِرُ مَنْ يُصَفِّقُ لَكِ
بِعَيْنٍ تَدْمَعُ وَيَدٍ تَحْمِلُ جُثَّتَهَا كَزَهْرَةٍ.
كَفِّي، يَا سَيِّدَةَ الْمَاكِيَاجِ،
لَقَدِ انْسَكَبَتْ دُمُوعُنَا عَلَى الْخَشَبَةِ
وَصَارَتْ نَشِيدًا وَطَنِيًّا لِلْمُنْهَزِمِينَ.
(10)
كُلَّمَا ابْتَسَمْتِ،
اشْتَعَلَتْ ثَكْنَةٌ فِي صَدْرِي.
أُطْفِئُ النَّارَ بِقَصِيدَةٍ
فَتَنْبُتُ رَمَادًا أَكْثَرَ بَيَاضًا مِنَ الْحَلِيبِ.
أَيُّ حُبٍّ هَذَا
الَّذِي يَجْعَلُ الشُّهَدَاءَ يُتْرِكُونَ وَصَايَاهُمْ لِي؟
هَلْ كُنْتِ وَطَنًا
أَمْ خُطَّةً سِرِّيَّةً لِلانْتِحَارِ الْجَمَاعِيِّ؟
(11)
أَعِيشُ فِي وَطَنٍ
يَحْتَاجُ تَصْرِيحًا كَيْ تَحْزَنَ،
وَتَرْخِيصًا كَيْ تَبْكِي،
وَجَوَازًا كَيْ تَقُولَ: «أُحِبُّكِ».
أَكْتُبُ اسْمَكِ عَلَى الْحَائِطِ،
فَيَأْتِي الشُّرْطِيُّ
لِيَمْسَحَهُ وَيَعْتَذِرَ لِلْوَطَنِ.
يَا حَبِيبَتِي،
حَتَّى الدُّمُوعُ عِنْدَنَا مُرَاقَبَةٌ بِالْكَامِيرَاتِ
(12)
فِي اللَّيْلِ،
تَتَسَلَّلُ رَائِحَةُ الْبَارُودِ مِنْ نَافِذَتِي
وَتَنَامُ عَلَى صَدْرِي.
أَفْتَحُ لَهَا الْبَابَ كَضَيْفٍ قَدِيمٍ،
وَأَقُولُ: تَفَضَّلِي،
الْوَحْشَةُ هُنَا أَيْضًا مُشْتَعِلَةٌ.
كُلُّ مَا تَبَقَّى مِنِّي
رَمَادٌ يَرْتَدِي بُدْلَتَهُ وَيَذْهَبُ إِلَى الْعَمَلِ.
(13)
أَيَّتُهَا الْمُدُنُ،
يَا صَنَادِيقَ الْإِسْمَنْتِ الَّتِي نَسِيَتْ كَيْفَ تَتَنَفَّسُ،
مَنْ قَالَ إِنَّ الْحُبَّ يَعِيشُ فِي الشُّرُفَاتِ؟
أَنَا أُحِبُّكِ مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ،
مِنْ فَمِ جُنْدِيٍّ تَكَسَّرَ قَلْبُهُ فِي الْخَنَادِقِ.
كُلُّ قُبْلَةٍ لَا تَحْمِلُ رَائِحَةَ الْبَارُودِ
هِيَ خِيَانَةٌ صَغِيرَةٌ لِبِلَادٍ تَمُوتُ وَاقِفَةً.
(14)
فِي كُلِّ شَارِعٍ لَافِتَةٌ:
مَمْنُوعُ الْمُرُورِ إِلَّا بِالْخُذْلَانِ.
وَأَنَا أَمْشِي،
أَرْفَعُ قَلْبِي مِثْلَ بِطَاقَةِ هُوِيَّةٍ مُنْتَهِيَةٍ،
وَأَصْرُخُ:
أَنَا اللَّاجِئُ فِي صَدْرِ امْرَأَةٍ
تَفْتَحُ نَافِذَتَهَا عَلَى الْقِيَامَةِ
(15)
اللَّيْلُ فِي مَدِينَتِنَا
لَيْسَ ظَلَامًا بَلْ جِهَازُ تَحْقِيقٍ.
يَسْأَلُنِي عَنْكِ،
عَنْ تَفَاصِيلِ شَفَتَيْكِ،
عَنْ الْقَصِيدَةِ الَّتِي أَخْفَيْتُهَا فِي صَدْرِي.
كُلَّمَا كَذَبْتُ،
اشْتَعَلَتْ مَصَابِيحُ السَّمَاءِ فَوْقَ رَأْسِي.
الْحُبُّ عِنْدَنَا
جَرِيمَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِخَطٍّ سَمَاوِيٍّ.
(16)
أَيَّتُهَا الْأَقْدَارُ،
تَوَقَّفِي عَنْ إِرْسَالِ الرَّسَائِلِ الْخَاطِئَةِ.
لَمْ أَطْلُبِ الْحَرْبَ،
وَلَا الثَّوْرَةَ،
وَلَا الْخُذْلَانَ الْجَمَاعِيَّ.
كُلُّ مَا أَرَدْتُهُ
امْرَأَةٌ تُشْبِهُ نَبْتَةَ الرَّيْحَانِ،
تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الرُّكَامِ،
وَتَنْطِقُ اسْمِي كَأَنَّهَا تَكْتَشِفُ الْحَيَاةَ مِنْ جَدِيدٍ.
(17)
فِي الْحُلْمِ،
كُنْتِ تَرْتَدِينَ الْفَجْرَ
وَتَنَامِينَ فِي فَمِ اللَّيْلِ كَرَصَاصَةٍ مُسْتَتِرَةٍ.
قُلْتُ لَكِ:
احْذَرِي،
حَتَّى الْحَنَانُ هُنَا مُفَخَّخٌ.
فَضَحِكْتِ،
وَانْفَجَرَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا قَلْبِي،
لِأَنَّهُ مَاتَ مِنَ الضَّحِكِ قَبْلَ الِانْفِجَارِ.
(18)
الْقَصِيدَةُ لَا تُشْفِينِي،
إِنَّهَا تَفْتَحُ جُرْحًا جَدِيدًا فِي مَكَانٍ أَكْثَرَ عُمْقًا.
كُلُّ حَرْفٍ أَكْتُبُهُ
يَنْزِفُ مِنْ جِهَةٍ لَا أَعْرِفُهَا.
رُبَّمَا مِنَ الْقَلْبِ،
وَرُبَّمَا مِنَ الْوَطَنِ،
وَرُبَّمَا مِنِ اسْمِكِ
الَّذِي صَارَ وَطَنًا يَنْهَارُ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ صَبَاحٍ
(19)
لَا تَسْأَلِينِي عَنِ الْأَمَلِ،
لَقَدْ بَاعُوهُ فِي الْمَزَادِ مَعَ لَوْحَاتِ الشُّهَدَاءِ.
أَنَا ابْنُ الْعَاصِفَةِ،
أَشْرَبُ الْغُبَارَ وَأَتَغَنَّى بِالْمَقَابِرِ.
وَلَكِنْ حِينَ تَبْتَسِمِينَ،
أَرْتَبِكُ كَطِفْلٍ وَجَدَ وَطَنَهُ فَجْأَةً
فِي جَيْبِ امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا.
(20)
سَأَتْرُكُ الْبَابَ مُوَارَبًا
كَيْ تَمُرَّ الْأَرْوَاحُ إِلَى الضَّوْءِ.
سَأُعَلِّقُ قَلْبِي عَلَى الْجِدَارِ
كِإِعْلَانٍ قَدِيمٍ عَنِ الْحُبِّ.
وَإِنْ سَأَلُونِي مَنْ أَنْتِ،
سَأَقُولُ:
هِيَ الْقَصِيدَةُ الَّتِي طَعَنَتْنِي
ثُمَّ أَنْقَذَتِ الْعَالَمَ بِابْتِسَامَتِهَا.