كتاب وشعراء

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة: قراءة تحليلية في كتابي شهرزاد ما زالت تروي والكتابة في الوجه والمواجهة

صدر الكتابان شهرزاد ما زالت تروي والكتابة في الوجه والمواجهة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وفي استعادة هذين المؤلفين للكاتب فراس حج محمد إعادة تسليط الضوء لا على التجربة النقدية وحدها بخصوص إبداع المرأة، وإنما أيضا للاحتفاء بهذا الإبداع وصاحبات هذه الإبداع، على الرغم من أن الكاتب ما زال يتابع جهوده في الكتابة والمتابعة لما تكتبه الكاتبات سواء في فلسطين أو في العالم العربي وحتى في العالم، ويقدم رؤيته وتحليلاته النقدية بخصوص هذه الإنتاجات التي تقول الكثير حول إبداع المرأة الكاتبة، وخطوها خطوات بعيدة وواثقة في مساحات الإبداعات العالمية.
تستمد التجربة النقدية للباحث والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد أهميتها من اشتباكها المباشر مع المسكوت عنه في المنظومة الثقافية والاجتماعية العربية، متخذة من الأنثى مركزاً فلسفياً وجمالياً لإعادة قراءة الواقع وتحولاته، ومن خلال مؤلفاته الكثيرة التي وصلت إلى ثلاثة وأربعين كتاباً، يبرز كتاباه شهرزاد ما زالت تروي: مقالات في المرأة والإبداع النسائي (2017) والكتابة في الوجه والمواجهة: مقالات ورؤى (2023) كأعمدة رئيسية في مشروعه الثقافي الرامي إلى تفكيك المركزية الذكورية وإعادة الاعتبار لإبداع المرأة، ليس كفعل تعويضي، بل كضرورة وجودية وإنسانية.
ينطلق فراس حج محمد في مقاربته للمرأة من رؤية إنسانية شاملة ترى في المؤنث أصل الوجود ومنبع الجمال، وهو ما يتضح من لافتته الشعرية التي تصدرت كتابه الأخير، حيث يؤكد أن الأنوثة سر الحياة وأن الصبح والإشراق والإيمان والآمال كلهن صفات تستمد كينونتها من حضور المرأة، وأن النزعة الإنسانية لدى المؤلف تتجاوز التعاطف السطحي لتصل إلى الإيمان بأن كل مذكر ذكر هو صنيعة امرأة مبدعة، وهذا الاعتراف بفضل المؤنث (الأم، الجدة، الزوجة، الابنة) يشكل حجر الزاوية في فكره النقدي الذي يرفض تهميش دور المرأة أو التعامل معها كمفعول به تاريخي.
وتتبدى هذه الفلسفة في استخدامه لرمزية شهرزاد، التي لا يراها جارية تروي لترضي نزوات شهريار، بل يراها رمزاً للذكاء والدهاء الأنثوي الذي استطاع ترويض الملك الوحشي وإيقاف شلال الدم، إن شهرزاد عند حج محمد هي المخلّصة التي يحتاجها المجتمع المعاصر للتخلص من أوهام الماضي وعصبيته، وهي النموذج الذي يثبت أن الحكاية/ الأدب يمكن أن يغير وجه العالم وينقذ البشرية من هلاكها المحتوم، ويشير تحليل المؤلف إلى أن البشرية تعيش اليوم في بؤس وشقاء بسبب اشتعال المنافسة العقيمة بين الرجل والمرأة، في حين أن الحكمة تقتضي الإيمان بأن أحدهما لا يكتمل دون الآخر، فالمرأة ليست نصف المجتمع بالمفهوم الكمي، بل هي كل المجتمع ببعدها التأثيري والتربوي والأرض التي تزرع فيها الغراس الطيبة.
يقدم فراس حج محمد تشريحاً دقيقاً لما يسميه مضطهدات الشعر والكتابة، معتبراً أن الكتابة بالنسبة للمرأة العربية هي فعل تمرد متعدد الأركان، ويقسم المؤلف أشكال الاضطهاد التي تتعرض لها المبدعة إلى مستويات عدة:
الاضطهاد الفكري والاعتبار الدوني:
يرى المؤلف أن المنظومة الفكرية، سواء في جذورها الغربية التي اعتبرت المرأة أقل شأناً أو في الفهم التراثي المشوه، ساهمت في تكريس دونية المرأة، ويستشهد بحكم تراثية منسوبة لبعض الفقهاء تنهى عن تعليم النساء الكتابة وتصفها بأنها أفعى تسقى سماً، معتبراً أن هذه المفاهيم ما زالت تعشش في اللاوعي الجمعي العربي، مما يجعل الرجل يرفض وجود من يتفوق عليه في التفكير، خاصة إذا كانت زوجته أو ابنته.
الاضطهاد الزوجي والأسري:
يسلط حج محمد الضوء على المآسي الشخصية لمبدعات خنقت أصواتهن داخل جدران البيوت. ويستحضر في هذا السياق تجربة الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث التي انتحرت نتيجة اضطهاد زوجها الشاعر تيد هيوز، ويشير الكاتب إلى حالات معاصرة لشاعرات عربيات يكتبن تحت أسماء مستعارة خوفاً من قتل أزواجهن لهن، أو يخبئن نصوصهن في دفاتر سرية بعيداً عن أعين الرقيب الأسري.
الابتزاز والتشييء في الوسط الثقافي:
ينتقد المؤلف بحدة ما يسميه الذئاب الثقافية الذين يستغلون حاجة الكاتبات الناشئات للنشر أو الفوز بالجوائز لمساومتهن جسدياً، ويرى أن هذا العهر الثقافي هو أبشع أنواع الاضطهاد، حيث يتم تسليع المبدعة واختزالها في نهديها أو فخذيها مقابل صفة شاعرة كبيرة، مما يؤدي إلى إنتاج أدب طحلبي لا جذور له، تحركه رغبات رجال السكر والعربدة في الحانات وأسرة النوم.
في كتابه الكتابة في الوجه والمواجهة، يقتحم فراس حج محمد مناطق شائكة تتعلق بالتشريع والاجتماع، محاولاً تقديم رؤية تحليلية توازن بين المقاصد الشرعية والتحولات العصرية من خلال:
حق الكد والسعاية للمرأة العاملة:
ينتقد المؤلف الجمود الفقهي في التعامل مع ميراث الزوجة، مشيراً إلى أن واقع المرأة المعاصر قد تغير؛ فهي لم تعد تلك التي ينفق عليها الرجل بالكامل، بل أصبحت شريكة في الإنتاج وبناء ثروة الأسرة، ويدعو حج محمد إلى اعتماد فتوى حق الكد والسعاية، التي تقضي باحتساب مساهمات المرأة المالية في أملاك الزوج وإرجاعها لها كحق أصيل قبل توزيع التركة، معتبراً أن الاكتفاء بـ الثمن أو الربع في ظل عمل المرأة هو نوع من الغبن والظلم الذي لا يرضاه الدين الصحيح.
تعدد الزوجات: الفطرة مقابل التوظيف المشوه
يقدم المؤلف قراءة نقدية لفكرة تعدد الزوجات، مؤكداً أن الإسلام قيد التعدد بعد أن كان مفتوحاً، وأن المشكلة لا تكمن في التعدد ذاته، وإنما عدم مراعاة الأحكام الشرعية عند الأزواج المعددين، ويرى حج محمد أن التعدد في المجتمعات المعاصرة تحول في كثير من الأحيان من حل لمشكلات اجتماعية إلى وسيلة لـ الإشباع الرغائبي فقط، مما أدى إلى تدمير الأسر وتشريد الأبناء.
الحجاب والتمرد على الرمزية القسرية
يرى المؤلف أن الحجاب تحول في كثير من الأوساط من قيمة تعبدية إلى هوية بصرية وسياسية أو مجرد تقليد اجتماعي، ويناقش بجرأة ظاهرة نزع الحجاب عند بعض الكاتبات، معتبراً إياها فعلاً تعبيرياً عن التحرر من سلطة الأب أو الزوج، وليس بالضرورة كفراً بالدين، ويؤكد ضرورة احترام الحرية الشخصية للمرأة، ولا يحق لأحد أن يحاسب أحداً.
لا ينظر فراس حج محمد إلى أدب المرأة بمنظور المظلومية فقط، بل يمارس نقداً جمالياً يركز على وهج النص وبنيته اللغوية، وهو يرفض مصطلح الأدب النسوي بمعناه الصراعي الغربي، ويفضل الإبداع النسائي الذي يبرز تاء التأنيث كقوة مضافة للغة.
يولي المؤلف اهتماماً كبيراً بتجربة فدوى طوقان، محللاً رحلتها من الهم الذاتي والغرق في أحزان القارورة إلى شعر المقاومة، ويرى في شعرها تجسيداً للروح الجبارة التي لا تنكسر أمام عواصف الزمان، مستشهداً بقصائدها التي واجهت بها الاحتلال وحرضت فيها على الصمود.
وفي تحليله لديوان أدموزك وتتعشترين، يكشف المؤلف عن براعة الشاعرة آمال عواد رضوان في المزاوجة بين الأسطورة (تموز وعشتار) وبين الواقع، ويلاحظ بذكاء نقدي أن الشاعرة تتقمص صوت الرجل في خطابها الأنثوي، مما يفتح آفاقاً لتأويل النص كحوار بين الذات الشاعرة والذات الإنسانية، وهو ما يراه حج محمد انزياحاً جمالياً يعطي للقصيدة أبعاداً فلسفية تتجاوز البوح العادي.
في حين يصف المؤلف شعر نداء يونس بأنه يغالب طغيان العالم، وفي قراءته لديوانها تأويل الخطأ، يرى أنها تمارس الاشتباك مع كل شيء، وتستخدم لغة مكثفة تكسر صمت اللاشيء الميتافيزيقي، محولة الجسد والوجع إلى متحف للأحافير يحتج على تاريخ القهر، ويرى المؤلف في الشاعرة العُمانية عائشة السيفي نموذجاً تطبيقياً لعنوان كتابه؛ فهي تكتب بوجه مكشوف، وتواجه لجان التحكيم في المسابقات الشعرية التي اشتركت فيها، وخاصة أمير الشعراء، والجمهور بصلابة بنيوية تمزج بين الجزالة اللغوية والجرأة في الطرح.
يؤمن فراس حج محمد أن الأدب هو الحل الأمثل للمعضلات الفكرية التي تواجه المرأة والمجتمع، ويطرح عدة آليات لتحقيق هذا التحرر:
الأدب كأداة لكسر الصمت: يرى الكاتب أن الوظيفة الأولى للأدب هي تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، وتحويل المعاناة الفردية الصامتة إلى قضية رأي عام، مما يمنح المرأة المضطهدة شجاعة نفسية للمواجهة.
تفكيك الموروث الثقافي: من خلال النصوص الأدبية، يتم نقد المفاهيم المغلوطة حول الشرف والتبعية والدونية، وإعادة بناء الهوية الأنثوية ككائن إنساني كامل يملك إرادة التغيير.
إعادة بناء الهوية والذات: يساعد الأدب المرأة على استعادة ذاتها بعيداً عن الصور النمطية التي رسمها المجتمع، ويقدمها كقوة فاعلة وليست مجرد ضحية سلبية.
التضامن الإنساني العابر للحدود: يخلق النص الأدبي حالة من التضامن، حيث يوضع القارئ الرجل في مكان الآخر المظلوم، مما يولد وعياً جديداً بضرورة الإصلاح الاجتماعي.
الكتابة كفعل حفر للنفق: يطرح المؤلف مفهوم الكتابة كاستراتيجية وجودية لمقاومة القيد، تماماً كما حفر الأسرى نفقهم نحو الحرية، فإن الكاتبة تحفر نفقها بالقلم للخروج من الإقامة الجبرية التي فرضها الواقع.
في فصل صورة النساء في عيون الرجال، يتوقف حج محمد عند كيفية تمثيل المرأة في الكتابات الذكورية، منتقداً السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في بعض الأعمال المشتركة، ويشير إلى أن بعض الكتاب الرجال ما زالوا ينظرون للمرأة كظل لهم، ويرفضون منحها استقلالها الإبداعي الكامل.
وفي المجال الدرامي، يدافع المؤلف عن فيلم صالون هدى، منتقداً الرجم الفيسبوكي والازدواجية الأخلاقية للمجتمع الذي هاجم مشهد التعري لريم الضحية وتغافل عن عورة الجاني سعيد العميل، ويرى حج محمد أن هذه الازدواجية تعكس حقيقة أن مجتمعاتنا لم تبلغ سن الرشد بعد في تعاملها مع قضايا الجسد والكرامة الإنسانية، وأن الفن وظيفته فجر هذا الدمّل وليس تجميله.
يتميز منهج حج محمد النقدي بأنه نقد تبصيري يبتعد عن التعقيدات المنهجية الأكاديمية الصارمة التي تقتل الشغف، ويرى في النقد عملية محاورة مع الكاتب للوصول إلى أرضية مشتركة، وليس سلطة لتقييم النصوص بوقوفه فوقها.
من خلال هذه الدراسة لمشروع فراس حج محمد النقدي والإنساني، يمكن استخلاص النتائج التالية التي تشكل رؤية متكاملة لمواجهة معضلات المرأة في الثقافة العربية:
أولاً: إن حرية المجتمع ككل مرتبطة بمدى حرية المرأة في التعبير والبوح، وأن أي اضطهاد يمارس ضد الكاتبة هو وأد للإبداع الإنساني برمته.
ثانياً: ضرورة الفصل بين النصوص الدينية الحقيقية وبين التفسيرات الفقهية، والعمل على إصلاح المنظومة القانونية والتشريعية (الميراث، التعدد) لتتلاءم مع الواقع الاقتصادي الجديد للمرأة.
ثالثاً: التأكيد على أن الكتابة هي فعل مواجهة حقيقي، وأن على الكاتبات الناشئات الحذر من الذئاب الثقافية والاعتماد على الموهبة والاجتهاد لصناعة بصمة خاصة بعيداً عن تسليع الجسد.
رابعاً: دعوة النقاد والأكاديميين إلى الالتفات للجيل الجديد من المبدعات، وممارسة نقد إنساني ينصف تجاربهن بعيداً عن القوالب الجاهزة أو التهميش المتعمد.
خامساً: ترسيخ مفهوم الشراكة الوجودية بين الرجل والمرأة في الأدب والحياة، حيث يكمل كل منهما الآخر في سيمفونية رائقة تعيد للكون بريقه الإنساني المفقود.
ختاماً، إن كتابَيْ “شهرزاد ما زالت تروي” و”الكتابة في الوجه والمواجهة” يمثلان صرخة احتجاج ومدونة حقوقية مكتوبة بلغة الأدب، تنتصر للمرأة المبدعة في وجه التهميش والاضطهاد، وتؤكد أن الكلمة الصادقة هي النفق الوحيد الذي سيقودنا جميعاً نحو ضوء الحرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى