
من غير المعقول إختزال طهران في الاطار السياسي السطحي لانها مدينة من طبقات. كنت أقطع الطريق الى مقهى نادري ملتقى النخبة الايرانية المثقفة عبر شارع جمهوري اسلامي وقد دخل المقهى في السيرة الذاتية الروائية” الأعزل”.
جسر حافظ وباعة كتب الارصفة. الدخول الى مقهى نادري من خلال الباب الخشبي كعبور الحد الفاصل بين طهران كما في السطح وطهران الوجه الآخر. النخبة وعالمها. “قهوة نادري” الشهيرة أو طبق “الشاتوبيريان”.
اختزال طهران في قالب سياسي هو اختزال من ينظر من ثقب أبرة ولا يرى غير السطح. طهران هي عاصمة الفن المعاصر في المنطقة؛ صالات العرض Galleries في مناطق مثل “هفت تير” أو “شارع فرشته” تقدم فنوناً تجريدية ومفاهيمية تتجاوز في جرأتها الكثير من العواصم.
الشمال منطقة تجريش حيث كان يقع قصر نيافران للشاه محمد رضا بهلوي الذي تحول الى متحف وكنت اتسكع فيه يوما انا الهارب ولأول مرة ينصف التاريخ معي وأتساوى مع امبراطور هارب كشماتة الروائي والمسرحي الفرنسي جان جينيه باحتلال باريس حيث تساوى هو المشرد مع النخب الباريسية الارستقراطية في الخوف والتشرد. الحرب تفرض من هذا الجانب مساواة عادلة.
القصر يقع على سفوح جبال البرز، نمط الحياة يميل إلى الانفتاح والحداثة المفرطة.
وسط طهران شارع ولي عصر وبالقرب منه كان يسكن المرحوم عز الدين سليم زعيم حزب الدعوة ـــ فرع العراق ــــــــــ وفي الباب عين سحرية واعضاء التنظيم في الطابق الأرضي ، السرداب، وكنت الاستثناء الوحيد من خارج التنظيم المسموح له بالدخول. كان المرحوم نبيلاً ومهذباً وهو الوحيد الذي لم يرضخ للحاكم المدني بول بريمر الذي قال له في اخر جلسة” هذه المرة الأخيرة معك مستر سليم”
اغتيل في 17 أيار، مايو 2004 بسيارة مفخخة من تنظيم ارهابي تحت اليد او مخترق من المخابرات الامريكية.
العمارة من خمسة طوابق ــــــــــــــــ هو والأسرة في الطابق الخامس ـــــــــ لجنرال ايراني هارب وعلمت من المرحوم بعد الاحتلال يوم كان اخر رئيس لمجلس الحكم الانتقالي ان صاحبها عاد الى طهران واستعاد عمارته.
المسرح الوطني، الجامعة، والمكتبات، مقهي “نوروز” التي تمارس فيها السياسة كفلسفة لا كأيديولوجيا. شارع ولي عصر أطول شارع في الشرق الأوسط تمشي تحت أشجار الدلب . قصر “كلستان” القاجاري إلى “برج آزادي” ووصولاً لـ “برج ميلاد”، هو صراع بصري بين الأصالة والعولمة، بعيداً تماماً عن الشعارات.
قد تبني السياسة جدراناً لكن الثقافة تهدمها وحتى تفاصيل الحياة اليومية تبدو كقصيدة للشاعر حافظ الشيرازي. المدينة من الخارج قد تبدو هادئة ومستقرة موحدة لكنها في الداخل فوضوية ومبدعة. المسافة بين ما يحدث في الشارع والبيوت قد يكون مسافة قرون. هذا ما نقوله بتكرار ممل ان الواقع المخفي غير الواقع الظاهري لكن الثقافة السياسية السطحية تجد صعوبة في فهم هذا التناقض. أي ان الواقع الحقيقي ليس ما نراه بل هذا سطحه بل هو ما لا نراه ولا يظهر إلا في البحث والغوص في التفاصيل والظلال الخفية.
في الظاهر مدينة مثقلة بالضوابط والقواعد وفي الداخل تنوع الازياء والموسيقى والاغاني واللوحات والنقاشات الجريئة .
الحفلات المنزلية تضاهي باريس وروما. المقاهي في حي “فرشته” أو “غاندي”، هي المنطقة الرمادية . من الخارج مدينة كلاسيكية ومن الداخل مدينة “ديجيتال” بامتياز.
من وصف طهران “بصندوق الموسيقى القديم” كان حكيما. قد يلوح الصندوق من الخارج متعباً ــــــــــــ حرب الثماني سنوات، حصار اقتصادي منذ عام 1979 ـــــــــــ لكن الصندوق من الداخل يضج بالالحان.
حتى الخمور تباع سراً في زقاق كوجه مروي في طهران وقد كتبت عن ذلك في رواية” عزلة أورستا” عن مدينة قُم:
” فوقها منائر وتحتها معاصر” وهي لعنة مدن الشرق عموماً في التخفي بحيث تتحول الى عالم سري من الالغاز والشفرات والعلامات والظاهر عكس الباطن.
اختزال طهران في عنوان سياسي لايرى روح المدينة ولا جبال البرز ولا الفن الكلاسيكي العريق ولا الموسيقى ولا الحدائق مثل باغ فردوس” أو “حديقة النحت” في متحف الفنون المعاصرة.
كتاب مذكرات آذار نفيسي الايرانية:” أن تقرأ لوليتا في طهران” يحكي قاع المدينة وما خلف الحيطان حيث تناقش أعمال فلاديمير نابوكوف، وإف سكت فيتزجيرالد، وجين أوستن في حلقة خاصة داخل منزلها من سبع طالبات. يظهر الكتاب كيف يمكن للقراءة الشخصية ان تحافظ على هوية الفرد الشخصية في ظروف صعبة لكنه يعكس من جهة أخرى الوجه المخفي لطهران الذي لا يظهر على السطح.
السياسة تختزل الناس في تصنيفات وصور نمطية وقوالب لكنه لا يرى أزياء تمزج بين التراث القاجاري والموضة العالمية في مشغل سري بوسط المدينة، ولا الموسيقي الذي يدمج “الدوف” و”التار” مع “الروك” أو “الجاز” في تسجيلات منزلية مذهلة.
طهرات ليست بلون ديني واحد بل تجد في شارع “سي تير” 30 تير الجامع والكنيسة والمعبد الزرادشتي. يكذب من يقول ان طهران بلا مساجد للسنة ويمكن العثور على العشرات في محرك البحث غوغل. الدكتور عبد الله النفيسي قال في مقابلة انه لم يجد في طهران مسجدا للسنة وصلى في السفارة المصرية.
في مدينة يزد وخلال زيارة الى عائلة المرحوم عبد الله الفاضل والد كل من الشهيد فاضل والمرحوم فرات عبد الله الفاضل أخذتني أم فرات الى المعبد الزرادشتي وشاهدت النار مشتعلة فيه.
أفران “السنكك” و”البربري” في الصباح الباكر ورائحة الخبز. علاقتنا برائحة الخبز معقدة جداً ومجرد ان تشمها تنتقل الى عالم اخر لم اجده في كل اوروبا. تعيدك رائحة الخبز الى تاريخ قديم كما اعادت رائحة كعكة المادلين الروائي مارسيل بروست الى طفولته وكتب ” البحث عن الزمن المفقود” في 7 أجزاء وأكثر من 4 آلاف صفحة.
اختزال طهران في صور الضجيج السياسي لا يسمع قلبها النابض بالجمال والمشاعر لانها متعددة الطبقات. خلال تجوالي في طهران كلاجئ هارب اواجه في المساء مشكلة اين أذهب عندما يعود الناس الى بيوتهم.
“هل تدرك ما معنى أن لا يكون للإنسان مكان يذهب إليه؟” بتعبير دوستويفسكي في رواية الجريمة والعقاب.
طهران مدينة عائلية وفي المساء ينسحب الناس الى البيوت ويتحول الفضاء العام الى مكان موحش وبارد خاصة في زمن الحرب. الفراغ الليلي هو ما يجعلك تعود الى حلم البحث عن سرير ووسادة ومكان نظيف هادئ وضوء ناعم. ليس كبيراً هذا الحلم المصنوع من أشياء بسيطة جداً. بعد ثلاثة سجون ـــــــــــ فترة تحقيق ـــــــــــ يصبح حلم العثور على مكان هادئ منعزل وحسن الاضاءة بعيد المنال في عاصمة تحت القصف.
يضاعف المطر الليلي من الشعور بالغربة والوحشة وليس غير وقع خطواتي في الشارع الفارغ الذي يخلي المكان للذاكرة لكي تمطر. محاصر بين مطرين.
تلك اللحظة تنتقل ملكية طهران من السياسة والتجار الى المشاء الغريب الذي يرى ضوء النوافذ الخافت ويسمع موسيقى آلة “التار” أو “السه تار” بأوتارها .
في الشوارع الفارغة تروي الازقة والنوافذ والجدران حكايات صامتة لكن لمن يريد أن يسمع بنقاء وانفتاح ورغم الصمت السائد لكن خلفه ضجيج الاحتمالات.
مدينة عصية على الفهم وعلى التفكير الخطي النمطي المتسلسل وأدوات القياس التقليدية وهذا الغموض ليس كذباً بل هو تاريخ مدينة عرفت خلال قرون كيف تخفي كنوزها واحلامها.
ـــــــــــــــــ الصورة: مقهى نادري.