
سمعت ترامب يقول إنه مبعوث العناية الإلهية، وكذلك نتنياهو، ولم أسمع المرشد الإيراني الراحل يقول إنه مبعوث العناية الإلهية .. كانت اليابان ومازال في وجدان ومعتقد اليابانيين ان الإمبراطور إبن الله أو مبعوثه، وكانت له سلطات واسعة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، فهل كانت اليابان دولة ثيوقراطية؟ إسم إسرائيل معناه “الرجل الذي صارع الله” وهو لقب يعقوب، وتعتمد إسرائيل في سلوكها السياسي على ما تدعي أنه جاء في التوراة، بما فيها إمتلاك أي أرض مروا عليها أو قتل الأغيار، حتى الأطفال، فهل إسرائيل دولة ثيوقراطية يحكمها إئتلاف من الأحزاب الدينية، أو تتحكم فيها على الأقل؟
الثيوقراطية ارتبطت بادعاء الحكم باسم الله، ومنح الملوك الحكم المطلق، ولا يمكن مساءلتهم من البشر عما يفعلون، لأنهم ظلال الله في الأرض، وارتبطت الثيوقراطية بنمط الإنتاج الإقطاعي، والجمع بين السلطة الكنسية والسلطة الدنيوية، وتعريف أي سلطة يستند إلى عاملين رئيسيين، هما مدى تطور قوى الإنتاج، وما تفرزه من علاقات الإنتاج، وبالتالي أي طبقة أو تحالف طبقي تمثل، وفي عصرنا هناك الرأسمالية والإشتراكية وما بينهما. لهذا لا يمكن أن نصف نظام حكم بأنه ثيوقراطي في عصر التطور الهائل في قوى الإنتاج، ومنذ سيادة الرأسمالية بعد عصر النهضة والآلات وحتى الذكاء الإصطناعي.
نأتي إلى تسمية نظام الحكم في إيران بأنه “حكم الملالي” الذي يحلو للبعض وصفها به. وهنا علينا أن نسأل هل رجال الدين طبقة إجتماعية؟ هل هم بمعزل عن الطبقات؟ هل يمكن تسمية نظام حكم باسم شريحة مهنية، مثل نظام حكم الإعلاميين مثلا؟ أو نظام حكم العسكريين؟ أو أي فئة مهنية أخرى؟ هذا التسميات ليست علمية على الإطلاق، ويجري إطلاقها من باب النكاية السياسية، يمكن أن يكون للعسكريين سلطات كبيرة أو حتى مطلقة في دولة، لكن هل العسكريون في فضاء طبقي؟ أم ان أي حكم عسكري يمثل طبقة أو تحالف طبقي، يختلف من حكم إلى آخر، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى. فهل بينوشيه الذي حكم شيلي بالحديد والنار مثل تشارل ديجول رئيس فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وكلاهما عسكري؟ هل هوجو تشافيز رئيس فنزويلا السابق مثل الجنرال فرانكو في أسبانيا؟ هل عبد الناصر مثل السادات؟ هنا سنجد أن إطلاق إسم حكم العسكر فضفاضا وبلا مضمون سوى البزة العسكرية. فعند توصيف نظام حكم ينبغي أن نعيده إلى التمثيل الطبقي، وليس وفقا لما يرتدونه من زي.
نعود إلى توصيف الحكم بشكل عام، ويجب أن يستند التوصيف إلى السياسات التي يتبعها، سواء في العلاقات الخارجية أو الإنحياز الإجتماعي، وهو التحديد الذي أعتقد أنه علمي، خاصة لدى اليساريين لأنهم معنيين بالصراع الطبقي وتجلياته ونوع الحكم السائد أو المسيطر. ولأن إيران هي مثار الجدل حاليا فلنضعها في الميزان .. هناك المرشد الذي يجري إنتخابه من خلال مجلس الخبراء وعددهم 88 خبيرا منتخبا مباشرة من الشعب، والمرشد لا يمارس سلطة مطلقة، بل هو أقرب للحكم بين السلطات، وله الكلمة العليا في تحديد التوجهات العامة، أي سياسات الدولة المنصوص عليها بالدستور، وهناك الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب، وهو يتمتع بسلطات أقرب لرئيس الوزراء، وهناك البرلمان المنتخب والقضاء. بالطبع سيم الحديث عن أن الدستور مستقى من الشريعة الإسلامية، والمذهب الإثناعشري، لكن بحكم المنطق والتاريخ سنجد أن تفسير الشريعة مختلف عليه جدا، وحمال أوجه، سنجد بلدانا كثيرة دساتيرها أو نظامها الشفهي مثل السعودية تقول أنها تطبق الشريعة، وشتان بين السياستين، وتاريخيا هناك فروق واسعة بين الحكم باسم الشريعة، حتى بين الخلفاء الراشدين، ولن أقول بين بني أمية والعباسيين وغيرهم، لهذا علينا أن نبحث بأي تفسير للشريعة يجري الحكم، ولمن ينحاز. في السعودية وبلدان أخرى هناك حكم مطلق، وبالتوريث، وهناك أيضا نظم حكم تعطي مساحة لبرلمانات تتفاوت درجات صلاحياتها مثلما الحال في الأردن والمغرب، ولا يقال على أي منها ثيوقراطية، أو يتم دمغها بتلك الصفة.
إذا قورن الحكم في كل من السعودية وإيران سنجد فوارق هائلة لصالح إيران، سواء في الشكل أو المضمون، في إيران لدينا عدة مراكز للسلطة، وليس شخص أو مؤسسة واحدة، فهناك المرشد والرئيس والبرلمان ورئيس مجلس الأمن القومي والحرس الثوري، ونجوم كثيرة لها دور وصلاحيات. وهناك أيضا تداول لسطة الرئيس بين إئتلافين لكل من الأحزاب الإصلاحية بتفاوت درجات ليبراليتها وتوجهاتها، وهناك إئتلاف الأحزاب المحافظة، ويتناوبون على السلطة أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة، ومعظم رؤساء إيران حاصلون على درجة الدكتوراه. وكذلك معظم فريق السلطة، بما فيها البرلمان الذي يحمل أعضاؤه شهادات جامعية عليا، ويقصي وزراء ويسائلهم، ويصوت على كل وزير على حدة بعد استجواب طويل يتعلق بجدارته، ويضم البرلمان ممثلين عن الأقليات الدينية والعرقية بما فيها اليهود والزرداشتيين وغيرهم. لكن الأهم هو الإنجازات العلمية والإقتصادية رغم الحصار الطويل والقاسي. هناك صناعة متطورة، تغطي نحو 90% من احتياجات السوق، وكذلك في الزراعة والأدوية والطب، هناك استنساخ وزراعة أعضاء وتخليق أعضاء بالخلايا الجزعية، ويتم حفظ خلايا المواليد الجزعية لتخليق أعضاء لهم منها، وهناك علوم الفضاء وإطلاق كائن حي في كبسولة، وصناعة وإطلاق أقمار صناعية، وتقدم في المراكز الأولى في الرياضيات والفيزياء وغيرها. وكذلك في الفنون، فقد حصلت على الأوسكار مرتين، وأوركسترا متعددة كثير منها عازفات لأرقى وأشهر السيمفونيات. لهذا لا يمكن أن نحط من شأن إيران وإرثها الثقافي والحضاري، وأن نرتقي بالنقد، ونبتعد عن الكيد، ننتقد التوجهات والسياسات ونرفض بشكل منهجي، وليس بالتلطيخ والردح. وإذا كان هناك من يرفض سياسات إيران لأنها تعادي بشدة أمريكا والكيان، فليقل ذلك صراحة دون التخفي وإطلاق النعوت، ومن كان منكم أكثر ديمقراطية فليلقها بحجر.