حسام السيسي يكتب :حروب المسيّرات: كيف تعيد الخبرة الميدانية تشكيل موازين القوة في الحرب بين إسرائيل وإيران.

لم تعد قوة الجيوش في عالم اليوم تُقاس فقط بما تملكه من طائرات ودبابات ومنظومات صاروخية، بل بمدى الخبرة الميدانية التي راكمتها في الحروب الحقيقية. فالتكنولوجيا العسكرية تتغير بسرعة، لكن ما يحسم فعاليتها في النهاية هو قدرة الجيوش على اختبارها في ساحة القتال، وتطوير تكتيكات عملية لا يمكن تعلمها في غرف التخطيط.
هذا التحول يبدو واضحاً اليوم مع صعود حرب المسيّرات بوصفها أحد أهم ملامح الحروب الحديثة. فقد تحولت هذه التكنولوجيا، التي كانت في البداية أداة مساندة للاستطلاع، إلى عنصر حاسم في إدارة المعارك، سواء في الهجوم أو الدفاع أو حتى في استنزاف الخصم اقتصادياً وعسكرياً.
اللافت أن عدداً كبيراً من الجيوش والقوى المسلحة في السنوات الأخيرة خاض تجربة ميدانية مباشرة مع هذا النوع من الحرب. الجيش الإسرائيلي، على سبيل المثال، واجه موجات مختلفة من المسيّرات في بيئات متعددة. كذلك طورت فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة نماذج بسيطة لكنها فعالة نسبياً ضمن بيئة قتال غير متكافئة.
أما إيران فقد استثمرت لسنوات طويلة في تطوير المسيّرات منخفضة الكلفة، ليس فقط كأداة عسكرية، بل كجزء من عقيدة قتالية تقوم على تعويض الفجوة التكنولوجية مع خصومها عبر وسائل أقل تكلفة وأكثر انتشاراً.
وفي المقابل، تحولت الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى أكبر مختبر عالمي لحرب المسيّرات، حيث باتت الطائرات الصغيرة—الاستطلاعية والانتحارية—جزءاً يومياً من العمليات القتالية. حتى الصراعات الأقل حضوراً في الإعلام، مثل الحرب في السودان، بدأت تشهد دخول هذه التكنولوجيا إلى ميدان القتال.
هذه التجارب المتراكمة خلقت واقعاً جديداً: الخبرة الميدانية أصبحت رأس المال الحقيقي في حرب المسيّرات. فالدول التي خاضت تجارب قتالية فعلية أصبحت أكثر قدرة على تطوير التكتيكات الدفاعية والهجومية بسرعة، بينما تجد الجيوش التي تعتمد فقط على التفوق التكنولوجي نفسها أحياناً أمام مفاجآت غير محسوبة.
في هذا السياق يمكن فهم جانب من ملامح المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالمواجهة هنا ليست مجرد صراع تقليدي بين جيوش نظامية، بل أيضاً صراع بين نماذج مختلفة من التفكير العسكري.
تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل بدرجة كبيرة على التفوق التكنولوجي ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة والقدرات الاستخباراتية الدقيقة. لكن إيران تراهن على نموذج مختلف نسبياً: استخدام أدوات أقل تكلفة وأكثر انتشاراً، وفي مقدمتها المسيّرات، ضمن شبكة عمليات أوسع تمتد عبر أكثر من ساحة إقليمية.
هذا لا يعني أن ميزان القوة أصبح متكافئاً، لكنه يشير إلى حقيقة مهمة: التكنولوجيا الرخيصة نسبياً يمكنها أن تفرض معادلات جديدة على الجيوش الأكثر تقدماً. فإطلاق أسراب من المسيّرات منخفضة التكلفة قد يضع أنظمة دفاعية باهظة الثمن أمام معضلة اقتصادية وعسكرية في الوقت نفسه.
من هنا تبدو الحرب الحالية في الشرق الأوسط، إلى جانب الحرب في أوكرانيا، جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الصراع العسكري العالمي. فالحروب لم تعد فقط اختباراً للقوة الصلبة التقليدية، بل أيضاً لمدى قدرة الجيوش على التكيف مع أدوات قتال جديدة تتغير بوتيرة سريعة.
بل إن الجيوش التي ستخرج من هذه المرحلة بأكبر قدر من الخبرة الميدانية في إدارة حرب المسيّرات قد تمتلك في المستقبل القريب ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح نفسه. ففي الحروب الحديثة، لا يكفي أن تملك التكنولوجيا؛ الأهم أن تعرف كيف تستخدمها تحت ضغط المعركة.