ميخائيل عوض يكتب : أجراس التحول العالمي : حرب الشرق الأوسط بين أفول الهيمنة الأمريكية وصعود العالم الجديد .. أجراس العودة فلتقرع ..!!!

أجراس التحول العالمي : حرب الشرق الأوسط بين أفول الهيمنة الأمريكية وصعود العالم الجديد أجراس العودة فلتقرع .. !!
ميخائيل عوض / لبنان
في مجريات اليوم الحادي عشر من حرب يوم القيامة لا بوصفها مجرد مواجهة عسكرية بين إيران وإسرائيل، بل باعتبارها لحظة تاريخية فاصلة قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي بأسره. فالحدث، في هذا المنظور، يتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية ليغدو اختباراً حقيقياً لتوازنات القوة في العالم.
نبدأ من خطاب دونالد ترامب الذي بدا أقرب إلى إعلان نصر مبكر، ليضعه في مقارنة لافتة مع خطاب جورج دبليو بوش الشهير عام 2003 عندما أعلن من على متن حاملة الطائرات «إنجاز المهمة» بعد غزو العراق. غير أن التاريخ أظهر لاحقاً أن ذلك الإعلان لم يكن خاتمة الحرب، بل بداية مرحلة طويلة من الاستنزاف والتحولات العميقة، وأن التحول البنيوي الذي أرادته أمريكا كان في بنية أمريكا نفسها.
ومن هنا تتأسس الفكرة المركزية في الحروب الكبرى، كثيراً ما يكون إعلان الانتصار المبكر علامة على مأزق استراتيجي يتخفّى خلف لغة النصر، أكثر مما يكون دليلاً على حسم حقيقي في ميدان الصراع، ويكون واجهة وهم لمن يبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه ولا يعلن الهزيمة التي تشير كل المعطيات إلى حتميتها.
*أولاً: خطاب النصر كعلامة على المأزق الاستراتيجي*
إن خطاب ترامب يندرج ضمن نمط سياسي معروف في تاريخ الإمبراطوريات، حيث تلجأ القيادة إلى إعلان الانتصار إعلامياً لتغطية عجز ميداني أو مأزق استراتيجي.
وهنا أطروحة عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل ڤالرشتاين الذي اعتبر أن غزو العراق لن يعيد تشكيل الشرق الأوسط بقدر ما سيؤدي إلى إعادة هيكلة الولايات المتحدة نفسها.
وبالفعل، فإن نتائج حرب العراق – بحسب التحليل – أدت إلى
استنزاف اقتصادي هائل تجاوز 8 تريليونات دولار، أزمة مالية عالمية عام 2008 واهتزاز بنية النظام السياسي الأمريكي، إضافة إلى صعود ظواهر سياسية غير تقليدية.
ومن هذه الظواهر انتخاب باراك أوباما الرئيس الأسود البشرة من أصل مسلم،صعود ظاهرة ترامب الشعبوية، تفكك الإجماع السياسي التقليدي في واشنطن
بناءً على ذلك، إن الحرب الحالية هي لحظة تسريع لانحدار الهيمنة الأمريكية.
*ثانياً: الحرب كأداة لتسريع ولادة العالم الجديد*
إن الحرب الحالية ليست مجرد صراع إقليمي، بل حرب انتقال بين نظامين عالميين. وبالتالي نهاية دورة زمنية وبداية أخرى تشهد ميلاد عالم جديد ينهي النظام الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة.
وتؤسس لولادة نظام متعدد الأقطاب تقوده قوى صاعدة مثل الصين،روسيا، كوريا الشمالية، باكستان وإيران.
في هذا السياق، نجد مجموعة من التطورات:
1. *انهيار فرضية التفوق التكنولوجي الغربي*
الحرب – بحسب التحليل – كشفت هشاشة أساطير التفوق الغربي، خصوصاً في مجال الدفاعات الجوية، الحرب الصاروخية، حرب الذكاء الاصطناعي،الاقتصاد الرقمي
إن الصواريخ منخفضة الكلفة والطائرات المسيرة يمكنها إحداث استنزاف اقتصادي هائل لمنظومات دفاعية باهظة الثمن.
وهنا مثال عن تصدي صاروخ اعتراض بقيمة تتراوح بين مليون وثمانية ملايين دولار لإسقاط مسيرة أو صاروخ هجومي بقيمة لا تتجاوز 30 ألف دولار.
هذا الفارق يعكس معادلة استنزاف استراتيجي.
*ثالثاً: حرب المضائق والاقتصاد العالمي*
أهم مافي التحليل هو الحديث عن الإقفال الذكي للمضائق البحرية.
خصوصاً إلى مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20% من تجارة النفط العالمية وبالتالي أي اضطراب فيه يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط،اهتزاز الأسواق المالية،
وتسارع التضخم العالمي
ومن هنا فإن إعلان ترامب احتمال تخفيف العقوبات على روسيا والصين باعتباره خطوة اضطرارية لحماية الاقتصاد العالمي من الانهيار.
نرى في هذا القرار نتيجة فرط استراتيجية للحرب لصالح عالم أوراسيا الصاعد.
*رابعاً: طباعة الدولار : رصاصة ترامب الأخيرة على الإمبراطورية الأمريكية*
من هنا نقطة بالغة الأهمية في خطاب دونالد ترامب، تتعلق بإعلانه عن إجراءات اقتصادية تهدف إلى الحد من تداعيات الحرب على الاقتصاد الأمريكي، ولا سيما مسألة التحكم بأسعار النفط وتخفيف الأعباء الضريبية عن الشركات. غير أن القراءة الاستراتيجية لهذا الطرح تكشف مفارقة خطيرة: فهذه السياسات قد تدفع واشنطن إلى اللجوء مجدداً إلى الأداة الأكثر استخداماً في تاريخها الاقتصادي الحديث، أي التوسع في طباعة الدولار وضخ سيولة هائلة في الأسواق.
هذه الآلية ليست جديدة؛ فقد استخدمتها الولايات المتحدة مراراً منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 عبر برامج «التيسير الكمي». غير أن السياق الحالي يختلف جذرياً، لأن طباعة العملة في زمن الحروب والأزمات الجيوسياسية الكبرى تحمل آثاراً أعمق وأكثر خطورة. فكل زيادة ضخمة في الكتلة النقدية تعني عملياً توسيع حجم الدين العام، الذي تجاوز أصلاً مستويات قياسية، كما تعني أيضاً تسريع معدلات التضخم داخل الاقتصاد الأمريكي.
إلا أن الولايات المتحدة استطاعت لعقود طويلة تحمّل هذه السياسة بسبب الامتياز الفريد الذي يتمتع به الدولار كعملة احتياط عالمية. غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة – ولا سيما صعود قوى مثل الصين وروسيا – بدأت تدفع عدداً متزايداً من الدول إلى البحث عن بدائل للتبادل التجاري خارج منظومة الدولار. ومع اتساع هذه الظاهرة، فإن الإفراط في طباعة العملة قد يتحول من أداة إنقاذ اقتصادي إلى عامل يهدد الثقة العالمية بالدولار نفسه.
فما بين الحرب الجارية وبين احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة أكثر حساسية: فارتفاع أسعار الطاقة، واتساع العجز المالي، وزيادة الإنفاق العسكري، جميعها عوامل تضغط على بنية الاقتصاد الأمريكي. وإذا اقترنت هذه الضغوط بسياسات نقدية توسعية غير منضبطة، فقد يؤدي ذلك إلى تآكل القوة الشرائية للدولار تدريجياً، وهو ما يفتح الباب أمام تحولات أعمق في النظام المالي العالمي.
وبهذا المعنى، لا تبدو مسألة طباعة الدولار مجرد إجراء اقتصادي تقني، بل تتحول إلى مؤشر على مأزق استراتيجي أوسع: مأزق إمبراطورية اعتادت تمويل قوتها العسكرية والاقتصادية عبر عملتها الوطنية، لكنها تواجه اليوم عالماً بدأ يتغير بسرعة، حيث لم يعد احتكار الدولار للنظام المالي العالمي أمراً مسلماً به كما كان طوال العقود الماضية.
*خامسًا: حدود القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية*
إن الحرب أظهرت قيوداً أساسية في القوة العسكرية الغربية.
أبرز هذه القيود:
1. *محدودية الحرب الجوية*
فرغم التفوق التكنولوجي، فإن الضربات الجوية تدمر بنية تحتية لكنها لا تحسم الحروب.
وهذا ما أثبتته تجارب العراق
أفغانستان، لبنان وغزة.
2. *مأزق الحرب البرية*
الحرب البرية – تبدو هي السيناريو الأكثر خطورة لإسرائيل.لأنها تلغي التفوق التكنولوجي بل على العكس تعطل ذراع سلاح الجو الطويلة وتعيد الصراع إلى الحرب من مسافة صفر ومسك العدو من الحزام،وهي البيئة التي تتقن المقاومات التي تعمل بخطط
حرب العصابات تحقيق إنجازات كاسرة لتفوق السلاح للعدو.
وهنا فإن نظرية المفكر العسكري الصيني
“سون تزو” الذي وضع قاعدة استراتيجية:
«عندما تكون ضعيفاً أظهر قوتك، وعندما تكون قوياً أظهر ضعفك.»
وهو ما يفسر – بحسب التحليل – تكتيكات استدراج العدو إلى أرض المعركة المناسبة للمقاومة.
*سادسًا: احتمال التصعيد النووي*
من أخطر ما نراه هو احتمال استخدام السلاح النووي. فإن الحرب النووية جارية في واحد من أخطر سيناريوهاتها غير الملاحظة للكثير وهي استهداف المنشآت النووية الإيرانية.
لكن في التحليل يعتبر أن اللجوء إلى القنبلة القذرة مستبعداً وبحذر في الحسم لأسباب عدة:
– رفض المؤسسة العسكرية الأمريكية
– المخاطر الجيوسياسية العالمية
– احتمال ردود نووية مضادة
خصوصاً من روسيا، الصين،
وكوريا الشمالية
وفي الإشارة إلى أن أي ضربة نووية في مساحة صغيرة مثل إسرائيل قد تؤدي إلى كارثة إشعاعية إقليمية. في حين أن أي ضربة نووية في بلد هو قارة في مساحته كإيران وبعدد سكان يقارب 100 مليون نسمة ممكن احتواءها ولن تكون كاسرة لإيران في حين أن ضربة مهما بلغ تواضعها من قبل إيران على منشأة نووية إسرائيلية في جغرافيا مسطحة صغيرة تعني بالضرورة زوال الكيان.
*سابعًا: البعد اللبناني في الصراع*
ينتقل التحليل بعد ذلك إلى الساحة اللبنانية، فهناك عدة تطورات تمديد مجلس النواب و
الدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل إضافة إلى
الضغوط على قيادة الجيش
إن هذه التحركات تعكس محاولة استباق نتائج الحرب.
بمعنى أن بعض القوى السياسية تحاول التكيف مع ميزان القوى المتوقع حماية مصالحها قبل نهاية الصراع وذلك باستعجال الخيانة والتورط أكثر في مستنقع العلاقة مع إسرائيل .. إن إجراءات العمالة المكشوفة لن تلقى أهمية عند الإسرائيلي الذي يعرف بدقة من يملك القوة ويفرض الواقع. ومن هنا يحمل الثنائي خطأ القبول بالحكومة والتوافق عليها ونسأل هل ستعودون مرة أخرى بخطاب التوافقية وحماية التشكيل الحكومي والعهد؟ أم أن ما لاقاه الثنائي من خناجر مسمومة طوال الفترة الماضية كان كافيا” لإعادة النظر؟
*ثامنًا: : الحرب الطويلة كاستراتيجية*
الفرضية المركزية هي أن إيران اختارت استراتيجية الحرب الطويلة.
هذه الاستراتيجية تقوم على
استنزاف الاقتصاد الغربي،
تفكيك التحالفات الأمريكية و
توسيع نطاق الصراع جغرافياً.
وهي استراتيجية تعتمد على محور يضم إيران،روسيا،
الصين مع دعم محتمل من
كوريا الشمالية وباكستان.
*تاسعاً: الحرب كنقطة تحول تاريخية.. أجراس العوده فلتقرع*
الاستنتاج النهائي أن الحرب الحالية تتحول بسرعة إلى لحظة تاريخية فاصلة تشبه
الحرب العالمية الأولى، الحرب العالمية الثانية ونهاية الحرب الباردة لكنها تختلف عنها في نقطة جوهرية هذه المرة الصراع يجري في ظل نظام عالمي متداخل اقتصادياً وتكنولوجياً. ولهذا فإن نتائجه ستشمل إعادة رسم خرائط النفوذ و تغير نظام الطاقة العالمي وتسريع الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب.
فالولايات المتحدة تحاول الحفاظ على هيمنتها، بينما تعمل قوى صاعدة على تسريع الانتقال إلى نظام عالمي جديد.
وفي هذا السياق، تصبح الحروب الإقليمية – مثل الحرب الحالية – مختبرات استراتيجية لاختبار الأسلحة الجديدة،التحالفات الدولية و
نماذج الاقتصاد في زمن الحرب
ولهذا فإن «أجراس العودة» ليست مجرد استعارة خطابية، بل تعبير عن قناعة بأن العالم يقف على عتبة مرحلة تاريخية جديدة تتشكل تحت ضغط النار.
في ضوء المعطيات التي استعرضتها هذه الحلقة، يتضح أن الحرب الدائرة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين دول أو محاور إقليمية، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لقدرة النظام الدولي القائم على الاستمرار. فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط عادة بضربة واحدة، بل تدخل أولاً مرحلة الاستنزاف الطويل حيث تتآكل عناصر قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية تدريجياً.
إن خطاب الانتصار الذي يسبق نهاية المعارك غالباً ما يكون علامة على القلق العميق داخل بنية القوة نفسها، وليس دليلاً على الحسم. وفي هذا السياق تبدو الحرب الحالية أشبه بمرآة تعكس التحول الجاري في ميزان القوى العالمي: الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على موقعها القيادي، بينما تتحرك قوى صاعدة بثبات نحو إعادة توزيع النفوذ الدولي.
ومن هنا فإن أهمية هذه الحرب لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في تداعياتها الاستراتيجية بعيدة المدى. فاقتصاد الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، والتوازنات العسكرية، وحتى أنماط التحالفات الدولية، كلها تدخل اليوم مرحلة إعادة صياغة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن الشرق الأوسط يجد نفسه مجدداً في قلب التاريخ، لا كساحة صراع فحسب، بل كمسرح تتقاطع فيه مشاريع القوى الكبرى وتُختبر فيه نماذج الحروب الحديثة: من الحرب السيبرانية إلى الصواريخ الدقيقة، ومن الاقتصاد كسلاح إلى حرب الإرادات الطويلة.
فإذا كان القرن العشرون قد شهد نهاية الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد نهاية نموذج الهيمنة الأحادية، وبداية عالم أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز القوة.
وفي لحظات التحول الكبرى، كما يعلمنا التاريخ، لا تتغير الجغرافيا فقط، بل تتغير أيضاً القواعد التي تحكم العالم.
والحرب الجارية قد تكون إحدى تلك اللحظات النادرة التي تفتح الباب أمام عصر جديد يتشكل بالفعل تحت ضغط النار والتحولات الكبرى في ميزان القوة العالمي.
🖋 ميخائيل عوض