رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :حروب الطاقة والجغرافيا..حين تُقرأ الحروب من شاشات البورصة

في خضم التصريحات المتلاحقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول قرب انتهاء الحرب، يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه التصريحات تطوراً ميدانياً حقيقياً، أم أنها جزء من لعبة أكبر تُدار على مستويات متعددة؟ إن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن ما يجري يتجاوز بكثير ساحات القتال التقليدية، ليمتد إلى أسواق النفط والبورصات العالمية، بل وحتى إلى استطلاعات الرأي المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.
فما لا يصرح به #ترامب علناً هو أن جزءاً كبيراً من اهتمامه ينصب على المؤشرات الاقتصادية الداخلية، وفي مقدمتها أسعار النفط. فكل تصريح يصدر عن البيت الأبيض يحمل في طياته محاولة لتهدئة الأسواق، ليس بدافع الحرص على الاستقرار العالمي بقدر ما هو استجابة لاعتبارات السياسة الداخلية. فارتفاع أسعار النفط يغذي التضخم، والتضخم بدوره يهدد فرص الجمهوريين في الانتخابات المقبلة. هنا يظهر البعد الانتخابي للصراع: فالحرب في الشرق الأوسط لا تُدار اليوم عبر الرادارات العسكرية فقط، بل عبر شاشات البورصة أيضاً.
غير أن المفارقة الكبرى في هذه الحرب تكمن في انهيار الفرضية التي بُني عليها القرار الأمريكي بالضربة الأولى. فقد أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإدارة الأمريكية بأن ضربة عسكرية حاسمة كفيلة بإسقاط النظام الإيراني سريعاً.
لكن وعود “الحسم السريع” اصطدمت بواقع مختلف تماماً؛ ف #إيران لم تدخل الحرب بمنطق النصر التقليدي وفق المعايير الغربية أو “الهوليودية”، بل اعتمدت ما يمكن تسميته بـ استراتيجية الهزيمة المستحيلة، حيث يصبح مجرد الصمود أمام القوة العسكرية الأمريكية إنجازاً استراتيجياً يعيد تشكيل ميزان القوة في المنطقة.
وفي هذا المشهد المعقد، تقف #روسيا في موقع مراقب نشط لا متفرج سلبي. فموسكو، التي لا يضيرها استنزاف خصومها في صراع طويل، تطرح مبادرات دبلوماسية لم تنضج بعد. وهي تدرك أن طهران لا تبحث عن انتصار سريع، بل عن صيغة تحفظ موقعها الاستراتيجي وتعزز أوراقها التفاوضية. كما تدرك أيضاً أن عامل الوقت يعمل ضد واشنطن، لأن استمرار الحرب يضغط على الأسواق العالمية ويضاعف التحديات الاقتصادية والسياسية أمام الإدارة الأمريكية.
في المقابل، تمتلك #طهران أوراق ضغط لم تُستخدم بالكامل بعد. فإضافة إلى قدرتها على التأثير في مضيق هرمز وباب المندب، يظل خيار زرع الألغام البحرية أحد الأدوات الكامنة في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية. هذه الأوراق لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، ربما لأن صناع القرار في طهران يدركون أن عامل الزمن قد يكون في صالحهم، وأن الإدارة الأمريكية هي الطرف الأكثر عرضة لضغوط الوقت والأسواق.
في ضوء ذلك، يبدو أن ميدان المعركة الحقيقي لم يعد مقتصراً على الصواريخ والطائرات، بل أصبح يمتد إلى مؤشرات الأسهم وأسعار الطاقة. فكل صاروخ يُطلق، وكل تصريح سياسي يصدر—خصوصاً من الرئيس الأمريكي—يمكن أن يؤثر مباشرة في حركة الأسواق صعوداً أو هبوطاً.
وهكذا يظهر أن البيت الأبيض كمؤسسة يركز على استقرار أسواق الطاقة، بينما يركز ترامب كشخص على استطلاعات الرأي والاعتبارات الانتخابية. أما إيران، فقد وجدت في استراتيجية “الهزيمة المستحيلة” معادلة تسمح لها بتحويل الصمود الطويل إلى مكسب استراتيجي.
تبقى الحرب، في النهاية، مفتوحة على احتمالات متعددة، بانتظار صيغة سياسية قد تأتي من موسكو أو من أي وسيط آخر قادر على إنتاج تسوية مقبولة للأطراف المختلفة. وحتى ذلك الحين، ستظل الأسواق العالمية هي المسرح الخفي لهذه المواجهة. وكما قال الصحفي الإيطالي #ميكيلي_سيرا ساخراً:
“الأمريكيون محظوظون جداً، لأنهم أينما ذهبوا لينشروا الحرية… يجدون النفط.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى