السفير أحمد مجاهد يكتب :ما بعد الحرب: من يملأ الفراغ الاستراتيجى فى الشرق الأوسط؟
المشروعات المتنافسة لإعادة تشكيل النظام الإقليمى (٢/٤)

السؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: ما هى الأطراف الراغبة والقادرة على رسم ملامح النظام الإقليمى الذى ستتبلور ملامحه بعد انتهاء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران؟
الواقع أن المشهد الحالى يكشف عن عدة تصورات ومشروعات متنافسة لإعادة تشكيل هذا النظام.
أول هذه التصورات هو ما يعرف فى الأدبيات الاستراتيجية الغربية بتعبير «السلام الأمريكى» Pax Americana والمقصود بهذا المصطلح ليس السلام بالمعنى الأخلاقى أو الإنسانى للكلمة أو عكس الحرب، بل نظام إقليمى تفرض فيه الولايات المتحدة قواعد اللعبة السياسية والأمنية، بحيث تصبح القوة العسكرية الأمريكية هى الضامن الأساسى للاستقرار، بينما تدور بقية القوى داخل الإطار وفى المدار الذى تحدده واشنطن.
فى مثل هذا النظام الإقليمى لا تكون الولايات المتحدة مجرد حليف لبعض دول المنطقة، بل تتحول عمليا إلى مدير مباشر للنظام الأمنى الإقليمى، بحيث تنتشر قواعدها العسكرية فى مواقع استراتيجية بشكل أكبر وأكثر اتساعا، وتدير شبكة واسعة من التحالفات، وتحدد خطوط الاشتباك وحدود التصعيد، كما تمارس تأثيرا كبيرا على حركة الطاقة والتجارة عبر الممرات البحرية الحيوية.
وقد أظهرت الحرب الجارية أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك القدرة العسكرية والسياسية على لعب هذا الدور. فالتدخل العسكرى المباشر، والانتشار البحرى الواسع، والتحركات المكثفة لتأمين طرق الملاحة فى الخليج والبحر الأحمر، كلها تشير إلى أن واشنطن ما زالت ترى نفسها الضامن الرئيسى للتوازن الأمنى فى الشرق الأوسط.
غير أن أى «سلام أمريكى» قد ينشأ بعد هذه الحرب لن يكون شبيها بذلك الذى عرفته المنطقة فى تسعينيات القرن الماضى بعد نهاية الحرب الباردة. فالقوة الأمريكية اليوم أكثر حذرا، والقدرة على تحمل كلفة الانخراط العسكرى الطويل أصبحت أكثر محدودية (فضلا عن انخفاض مصداقية الردع الأمريكى فى الخليج، وصعوبة التنبؤ بتحركات أمريكا ورشادتها، وصعوبة الاعتماد عليها). ولذلك قد يتخذ النظام الأمريكى القادم شكلا أكثر انتقائية وبراجماتية، يجبر شركاءه الإقليميين على دفع فاتورة حروبه وخسائره، أو يعتمد بدرجة أكبر على شركاء إقليميين يتحملون جزءا أكبر من أعباء الأمن، فى حين تحتفظ واشنطن بدور الداعم الاستراتيجى والضامن النهائى للتوازن.
أما المشروع الثانى فهو «السلام الإسرائيلى» Pax Israeliana
والمقصود هنا ليس السلام بمعناه المتعارف عليه كما سبق الإيضاح، بل تصور يقوم على تحويل التفوق العسكرى الإسرائيلى إلى قاعدة دائمة لبنية الأمن فى الشرق الأوسط، بمعنى نظام إقليمى يُعاد ترتيبه بحيث تصبح إسرائيل القوة العسكرية المركزية القادرة على فرض قواعد الردع، بينما تُضعف أو تُقيد القوى التى يمكن أن تنافسها، وعلى رأسها إيران وشبكة القوى المرتبطة بها.
وقد عززت الحرب الأخيرة هذا التصور داخل بعض الدوائر الاستراتيجية فى إسرائيل. فهناك تيار واضح داخل مؤسستها الأمنية يرى أن اللحظة الحالية قد تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة موازين القوة فى الشرق الأوسط بطريقة تكرس التفوق العسكرى الإسرائيلى لسنوات طويلة.
لكن هذه الرؤية تواجه إشكاليات عميقة تتجاوز الحسابات الإسرائيلية العسكرية البحتة. فالنظم الإقليمية لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضا إلى حد أدنى من الشرعية السياسية والقبول الإقليمى. وأى نظام إقليمى يقوم على التفوق العسكرى غير المقيد، ودون تسوية سياسية عادلة للصراعات القائمة فى المنطقة، وفى مقدمتها بطبيعة الحال القضية الفلسطينية، ودون روادع أو عقوبات للجرائم المتواصلة التى ترتكبها الحكومات الإسرائيلية لا سيما هذه الحكومة اليمينية المتطرفة، يظل معرضا لإنتاج دورات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وتزداد هذه المعضلة وضوحا عندما يتزامن طموح تل أبيب إلى القيادة الأمنية الإقليمية مع السياسات الإسرائيلية التى تثير الغضب الواسع فى المنطقة. فالحرب ضد غزة، وحجم الدمار الإنسانى الذى خلفته، والتصعيد المستمر فى الضفة الغربية، كلها عوامل تضعف كثيرا من إمكانية قبول فكرة نظام إقليمى تقوده إسرائيل عسكريا.
وبعبارة أخرى، فإن التفوق العسكرى ودعم القوة العظمى قد يسمح بفرض وقائع مؤقتة، لكنه لا يكفى وحده لبناء نظام إقليمى مستقر. بل إن استخدام القوة العارية دون إطار سياسى قادر على معالجة جذور الصراعات قد يؤدى فى النهاية إلى نتيجة عكسية: أى إنتاج موجات جديدة من المقاومة وعدم الاستقرار بدلا من ترسيخ نظام مستقر دائم.
المشروع الثالث المحتمل هو التوسع التدريجى للنفوذ التركى.
فعلى مدى العقد الماضى طورت أنقرة نمطا واضحا من الحضور الاستراتيجى النشط يمتد من شمال سوريا والعراق إلى ليبيا وشرق المتوسط. ومن شأن إضعاف إيران أن يفتح مجالا جيوسياسيا أوسع يمكن أن تتحرك فيه تركيا، خصوصا فى العراق وبلاد الشام.
كما أن موقع تركيا كأكبر قوات مسلحة داخل الناتو بعد الولايات المتحدة يمنحها وضعا استراتيجيا مركبا. فهى من جهة عضو فى البنية الأمنية الغربية، لكنها فى الوقت نفسه تسعى منذ سنوات إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجى فى الشرق الأوسط. ولذلك قد تحاول أنقرة استثمار أى فراغ إقليمى لتعزيز نفوذها فى جوارها المباشر، دون أن تنخرط بالكامل فى المشاريع الأمنية التى تقودها الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ومن المرجح أن يتركز هذا الدور التركى أساسا فى سوريا والعراق، حيث ترتبط أنقرة مباشرة بملفات الأمن الحدودى، والتنظيمات الكردية المسلحة، وترتيبات ما بعد الحرب فى سوريا.
أما البعد الرابع فيتعلق بتموضع القوى الكبرى خارج ساحة القتال المباشر. فمن غير المرجح أن تسعى الصين أو روسيا إلى لعب دور الضامن الأمنى الرئيسى فى الشرق الأوسط، لكن لكل منهما دوافع قوية للتأثير فى البيئة الإقليمية التى ستتشكل بعد الحرب.
يظل اهتمام الصين اقتصاديا فى المقام الأول. إذ تعتمد بكين بدرجة كبيرة على استمرارية تدفق الطاقة من الخليج، وأى اضطراب كبير فى طرق الملاحة أو إنتاج النفط ينعكس مباشرة على الاقتصاد الصينى وسلاسل الإمداد العالمية. لذلك من المرجح أن يتركز الدور الصينى على دعم الاستقرار الاقتصادى وتشجيع المسارات الدبلوماسية التى تعيد قدرا من القدرة على التنبؤ إلى البيئة الإقليمية.
ومع ذلك لا تبدو الصين مستعدة لتحمل أعباء الدور الأمنى المباشر فى الشرق الأوسط. فهى تفضل تقليديا الاستفادة من الاستقرار الذى توفره ترتيبات أمنية تقودها قوى أخرى، بينما تركز هى على توسيع حضورها الاقتصادى والتجارى.
أما روسيا فنهجها مختلف. فموسكو لا تمتلك الموارد الكافية لفرض هيمنة أمنية على المنطقة، لكنها قد تستفيد من حالة الاضطراب الجيوسياسى التى ترفع أسعار الطاقة وتشتت اهتمام الغرب عن مسارح الصراع الأخرى وفى مقدمتها أوكرانيا بطبيعة الحال. ومن ثم قد تتيح اوضاع ما بعد الحرب ضد إيران فرصا لروسيا للمناورة الدبلوماسية وتعزيز موقعها فى حريها ضد أوكرانيا وفى بعض الملفات الإقليمية.
وفى خلفية هذه التفاعلات الأمنية والسياسية تبرز أيضا منافسة متزايدة حول الممرات الجيوسياسية والتجارية التى تربط الشرق الأوسط بالاقتصاد العالمى. فمشروعات مثل «الحزام والطريق» الصينية، أو الممر الاقتصادى بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، أو شبكات الطاقة وخطوط النقل الجديدة، أصبحت جزءا أساسيا من الصراع الأوسع على رسم خريطة الاتصال بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
ولهذا فإن إعادة تشكيل النظام الإقليمى لا تتعلق فقط بالترتيبات العسكرية، بل أيضا بمن يسيطر على طرق التجارة والطاقة فى المستقبل.
هكذا لا يبدو الشرق الأوسط متجها نحو نظام إقليمى واضح المعالم، بل نحو منافسة مفتوحة بين عدة مشروعات لإعادة تشكيله: مشروع أمريكى يسعى إلى إعادة تثبيت دوره كمدير للنظام الأمنى، ومشروع إسرائيلى يحاول تحويل التفوق العسكرى إلى أساس دائم للهيمنة الإقليمية، ومحاولات تركية لتوسيع مجال النفوذ، إضافة إلى حضور صينى وروسى يسعى إلى حماية المصالح والاستفادة من التحولات.
وفى قلب هذه المنافسة يظل السؤال الكبير مطروحا:
هل سيبقى العالم العربى مجرد ساحة تتقاطع فوقها هذه المشروعات المتنافسة، أم يصبح قادرا على بلورة تصور خاص به للنظام الإقليمى الذى يتشكل بعد الحرب؟