رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :عبور الخطوط الحمر

في مقابلة مع الصحفي الامريكي الشهير توماس فريدمان ــــــــــــ صحيفة نيويورك تايمز ــــــــــ في نيسان عام 2015 قال الرئيس باراك أوباما حرفياً” إن الخطر الحقيقي على دول الخليج ليس من إيران بل من داخلها”. هذ ملخصها:
ـــــــــــ ” السخط داخل بلادكم أخطر عليكم من إيران. الشباب عاطل ولا يجد حلولا سياسية لمظالمهم”.
ـــــــــــ” خامنئي صعب و ايران لا تشكل الخطر الأكبر” .
أثار هذا التصريح موجة غضب من المشايخ وكانت امريكا وقتها تتفاوض مع ايران من أجل المفاعل النووي وكان احتمال اتفاق” يقلق دول الخليج” مما جعل أوباما يوجه رسالة تقول” إن الخطر الأكبر في الداخل”.
لم يكن الرئيس أوباما يتخيل أو يتكهن وليس فيلسوفاً أو حتى مثقفاً بل هو سياسي يقرأ في ملفات المخابرات السرية ويضع معلوماته في إطار وجهة نظر شخصية.
الغزو الحقيقي الذي قد تتعرض له دول الخليج لن يأتي من برابرة من الخارج، من ايران، بل من عوامل داخلية كالهوة بين الأجيال، الغضب الدفين، القيام بديمقراطية حقيقية وليست ” اجراءات” شكلية لأن هذا النوع من النظم الأبوية تتعارض مع العصر ومع أجيال جديدة تفتحت في عالم مختلف، كما أن بناء مؤسسات ـــــــــــــ بدل عمارات وأبراج ـــــــــ حقيقية يعمل كضمانة إستقرار.
اعتبرت هذه التصريحات وهي نادرة واستثنائية تدخلاً في الشؤون الداخلية ــــــــــ كما لو ان وجود قواعد أمريكية عمل سياحي ــــــــــ لكنها عكست حالة غضب من الرئيس لرفض هذه الدول أي اتفاق مع إيران حول المفاعل النووي وعندها ” وجهة نظر مختلفة” في ما يعرف بـــــــــــــ” الخطر الايراني” وهي” تغيير النظام بتمويل وشراكة عسكرية وسياسية وتحمل الكلفة.
أثبتت حرب اليوم مع إيران أن زمن ” الحماية المفتوحة” الامريكية لدول الخليج قد إنتهى وعليها الدفاع عن نفسها وهي ليست في الأمن القومي الأمريكي كإسرائيل التي تحمل صكاً مفتوحاً للحماية.
هذه الدول ــــــــــ مع أن الدكتور عبد الله النفيسي يسميها بالدكاكين ومحطات وقود وقواعد ــــــــــــ بالاعتماد على الخارج، أضعفت المناعة الداخلية وعاشت على وهم إستقرار أبدي.
اليوم هناك نقاش جدي وجريء بين نخب الخليج السياسية والاعلامية للمرة الأولى يعتبره البعض نقطة تحول استراتيجية تتحدث عن نهاية الحقبة الأمريكية بنسختها القديمة تحت مشاعر صدمة خيبة الأمل من الحماية وكشريك غير موثوق. هناك شركاء كالصين وروسيا وحتى ايران نفسها في قضايا الطاقة.
من نتائج الحرب على المدى القصير بروز ” الوطنية الجديدة” التي تعتمد على الذات والاستثمار في بناء مؤسسات ديمقراطية ولكن هذا ليس سهلاً على دول تأسست على نظام الحماية والوصاية. ستكون في مواجهة خطرين:
الأول: فك الارتباط السريع بأمريكا غير متوقع لأنها قادرة على إحداث هزات سياسية بين النخب العائلية الحاكمة التي تعيش تقليدياً في صراعات مزمنة خافتة.
الثاني: عند سقوط الحماية الخارجية تجد هذه الدول نفسها في مواجهة شعوبها مباشرة بلا غطاء حماية وتنتقل العلاقة مع المواطن من عقلية المنح والهدايا والمكرمات والقروض كرشوة صمت الى المطالبة بعقد سياسي جديد والحق في المشاركة الفعلية في السلطة والمسؤولية من خلال هيئات سياسية ونقابية وحزبية.
وهذا ما لا تتحمله هذه المشايخ التي بنت شرعيتها على أسس قبلية وعائلية وتوزيع السلطة على أسس جديدة في عالم عاصف ومتغير من الصعب ثبات هذه النظم فيه ولا تستطيع القوة الامريكية حماية نظم مخترقة من الداخل ورخوة الخاصرة ونوافذها مغلقة أمام رياح التغيير وتلجأ الى ” تحديث” إداري مشترى وليس” حداثة” فكرية وثقافية من الداخل كما ان سياسة” حرق بيوت الجيران” الكارثية لن تحميها من مصير محتوم لكنها أجلت هذا المصير لان النظم القبلية اليوم تعاني من عطب بنيوي لا يمكن اصلاحه بالترقيع وبناء العمارات بل بناء حداثة ثقافية مع مساحات واسعة للاختلاف السياسي في اطار القانون.
عندما تنتهي هذه الحرب ستكون هذه النظم أمام خيارات صعبة للغاية لكنها مصيرية وتتطلب جرأة وشجاعة فكرية وعبور ما كان يسمى الخطوط الحمر سابقاً وأهمها تفكيك المفهوم التقليدي للسلطة وجسارة العبور الى الخصم والتصالح معه لكن هذا لن يتم بلا عقد اجتماعي جديد قائم على الهوية الوطنية لا نظم أبوية وقبلية، وهو ما على إيران أيضاً أن تفعله لأنها أيضا تواجه التحدي الداخلي الأخطر لأن التغيير لم يعد ترفاً بل ضرورة بقاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى