
أيُّها الشِّعرُ…
يا أوَّلَ النبضِ في فمِ المعنى،
يا آخرَ الضوءِ حينَ يضيقُ المدارْ…
منكَ ابتدأتِ الجهاتُ،
وانشقَّ صمتُ العناصرِ
عن لغةٍ تتنفَّسُ في حجرِ النارْ.
كنتَ—قبلَ الحروفِ—
ارتعاشَ الفكرةِ العذراءِ
في صدرِ الغيابْ،
وكنتَ—بعدَ الكلامِ—
رجعَ الخطوِ
في أزقَّةِ الغيمِ
حينَ يضيعُ الجوابْ.
أيُّها الشِّعرُ…
كيفَ تلدُ النجمةُ من جرْحِ ليلٍ؟
وكيفَ يُصبحُ هذا الرمادُ
أغنيةً في يدِ الريحِ
ترسمُ وجهَ السحابْ؟
أنا منك…
إذا ما تهشَّمَ صوتي
على حافةِ العجزِ،
تُعيدُ تشكيلَ روحي
بماءِ المجازْ،
وتُلبسُ هذا الخرابَ
قميصَ الدهشةِ الأولى
وتزرعُ في اليأسِ
موسمَ إنجازْ.
أيُّها الشِّعرُ…
يا سُلَّمًا من رؤىً
لا يُرى،
كلَّما صعدَ القلبُ فيهِ
تعثَّرَ بالدهشةِ الكبرى،
وكلَّما ظنَّ أنَّ الوصولَ يقينٌ
تبدَّدَ فيك السرابْ.
أعلِّقُ وجهي
على كتفِ اللغةِ المرتعشةْ،
وأمضي…
أفتِّشُ عنّي
بين انكسارِ المرايا،
وأكتبُني…
كي أراكَ
تفيضُ عليَّ
كفيضِ النهارْ.
أيُّها الشِّعرُ…
يا خازنَ الوجعِ الكونيِّ
في قفصِ الاستعارةْ،
يا نافذةً تُطلُّ على ما
لا يُقالْ…
منكَ ابتدأتُ
طفلًا من الحبرِ،
أركضُ خلفَ المعاني
وأخطئُ بابَ الدلالاتِ
كي أتعلَّمَ كيفَ أكونْ.
ومنكَ انتهيتُ—
إذا ما انتهيتُ—
إلى قبضةِ الضوءِ
في كفِّ إنسانٍ
يكتبُهُ…
ليُعيدَ ابتداءَ السؤالْ.
أيُّها الشِّعرُ…
لن تنتهي…
فكلُّ نهايةٍ
تلدُكَ مرَّةً أخرى،
وكلُّ قصيدةٍ
مجرّدُ بابٍ
إلى ما يُفكِّرُ فينا
ولا ينتهي.
أيُّها الشِّعرُ…
يا مبدأَ الأشياءِ
ومنتهى الحيرةْ،
خذني إليكَ—
فإنِّي تعبتُ من اسمي،
وأرهقني أن أكونَ
بلا مجازْ…