
تحتاج الولايات المتحدة وإسرائيل قبل إيران أو العرب، الذين تقيم أمريكا على أراضيهم قواعد عسكرية تتمتع فيها بالسيادة التامة والقيادة والسيطرة وفق الاتفاقات المبرمة، إلى طريقة للخروج من الموقف الحالي، المعقد جدا في منطقة الخليج العربي، لدرجة أن وصفه بالمأزق الشديد، ليس فيه أي مبالغة.
تريد أمريكا ومعها إسرائيل، التي من المستحيل في ظل ما ذاقته من بأس إيران أن تستمر في الحرب دون واشنطن، إلى طريقة انسحاب، يحفظ به نتن ياهو وترامب المتأزمين داخل بلديهما، ماء وجهيهما، ويتيح لهما تسويق التوقف عند هذا الحد من الحرب، على أنه “نصر”، حتى لو كان هذا في حقيقته مجرد وهم كبير، أو عيش في تقدير افتراضي.
فالمهم الآن لدى ترامب ونتن ياهو ليست الحقيقة إنما القبض على شيء يساعدهما على التلاعب بعقول الشعب في الولايات المتحدة وإسرائيل، على حد سواء، ومواجهة الخصوم السياسيين في الداخل، فنتنياهو يكاد يرى انتقادات إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، وحديثه عن استحالة هزيمة إيران، على أنه نوع من الخيانة، وترامب يصف الديمقراطيين بأنهم أعداء أمريكا أكثر من إيران، وأنهم يعملون على هدم الولايات المتحدة أكثر مما تفعل طهران.
من زاوية ثانية فإن الدول العربية الخليجية قد ثبت لها الآن بشكل جلي فشل الاعتماد على الأمريكان في جلب الحماية، وسقط في أذهان نخبة وقادة بعض دولها وهم سابق كان يقوم على أن إبرام اتفاقيات سلام بل شراكة مع إسرائيل تجلب لها فائدة، وتدفع عنها ضررا أو أذى، حتى لو كان أذى إسرائيل نفسها، التي لا تعرف حليفا ولا صديقا، بل تأكلهم جميعا في الطريق حين تحتاج إلى هذا.
رأت دول الخليج أن الرادارت الأمريكية على أرضها إنما هي لإنذار إسرائيل، وأن الضباط والجنود الأمريكيين الموجودين في القواعد العسكرية هم في حاجة إلى من يدافع عنهم. فحتى أنهم حين هربوا من قواعدهم لائذين بفنادق أو مناطق للسكن أرسلت إيران صواريخها ومسيراتها خلفهم، فوقع أذى على منشآت مدنية خليجية. وقدر بعض المحللين والكتاب من أهل الخليج هذا الوضع فقالوا بملء الأفواه: لقد حدث العكس تماما، فنحن الذين نحمي قواعد أمريكا.
من هنا فالدول الخليجية في حاجة الآن إلى مساعدة لفك الارتباط مع أمريكا أو تخفيفه تدريجيا، لاسيما بعد أن ثبت لدى شعوبها أنه غرم وعبء شديد. وقد يمثل هذا الاتجاه بالنسبة للأنظمة الخليجية، أو أغلبها، نوعا من الانتصار يمكنها تسويقه شعبيا.
على هذا الأساس، تبقى الفكرة التي يجب أن تعمل الآن عليها مراكز الأبحاث، ومجموعات التفكير والخبرة، هي كيفية مساعدة الأنظمة على الخروج من قبضة الهيمنة الأمريكية بطريقة آمنة، لاسيما إن خرجت إيران من الحرب دون سقوط نظامها أو استمرار قدرته على إيذاء دول الخليج إن أراد، سواء بما تبقى لديه من سلاح، أو ما سيُقدم على تصنيعه، لتعويض ما فقده في القصف الجوي الإسرائيلي ـ الأمريكي، وهو أمر هين عليه، لبقاء الجزء الأكبر من بنية الصناعة العسكرية الإيرانية، وهذا في حد ذاته تراه طهران سبيل الخروج من المأزق، لأن بوسعها تسويقه للشعب الإيراني على أنه انتصار، لاسيما إن فرض الإيرانيون كلمتهم على مضيق هرمز، وحافظوا على ردع إسرائيل، وجعلوا أمريكا تحسب لهم ألف حساب في المستقبل.