رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : سيرة ذاتية للندى

لنبحث عن مساحة صغيرة تخرجنا قليلاً كاستراحة من احاديث الحرب الى لهب الشمعة واحلام اليقظة وتاريخ الندى. حتى المحارب في الميدان يحتاج الى الراحة لكي لا يتشوه.
يقول لويس بورخيس” من فرط التفكير بالخلود تركنا الغسق يطبق دون ان نشعل المصباح”. هذه العبارة تعيدني الى علاقتي المضطربة مع المصباح الذي أشعر بنفور غريب منه دون أن أعرف السبب.
قد يكون بورخيس في لحظة غفلة نبيلة وتحت مشاعر من الألق والتوهج ونسي الحسابات الصغيرة كاشعال مصباح لأن الغسق فضاء واسع للخلود.
لكن ماذا كان بورخيس يفعل وهو يستعمل فعل” تركنا الغسق” أي لم يكن في عزلة تامة بل مع آخر كان السبب في تحويل اللحظة الى خلود والخروج من زمن الساعة؟.
لكن ماذا يحدث لو كان بورخيس بدل المصباح أشعل شمعة؟ سنجد الجواب عند غاستون باشلار فيلسوف وحالم وشاعر في الفكر الذي قال:
” لهب شمعة يضيء الخيال، لكن ضوء المصباح يضيء المكان. أمام شمعة ما تحلم به أكثر مما تفكر فيه”.
المصباح وظيفة حديثة ولم يرتبط بالذاكرة العميقة كالنار وأما لهب شمعة فهو سيرة ذاتية لتاريخ النار ويفتح أبواب أحلام اليقظة ويجعل الجدران تتحول الى ظلال متراقصة كما يرتعش لهب شمعة. من الغريب ان الشمعة وهي تذوب لكنها تظل مرتفعة الى الأعلى حتى الانطفاء. السقوط النبيل. لكن انطفاء المصباح آلي وبارد.
اللهب، يرى باشلار في كتابه الآسر ” لهب شمعة” كائن حي يرتعش على الحيطان لكي تتحول الى مسرح للخيال والذكريات والهروب من منطق الضوء الصارم الى عالم من الاحتمالات. المفارقة من وجهة النظر هذه أن هشاشة الشمعة سر سحرها وقوتها مما يعني ان اللطف والجمال والنبل قوة خارقة.
المصباح يضيء الاشياء لكي نراها ولهب الشمعة يضيء الذكريات ويخلق الاحلام لكي نتحول من حطب الى ضوء. يقول باشلار:
” إن اللهب وحيد، وحيد تماماً، وهو يصر على الحفاظ على وحدته. إن الارتعاش هو مديح للوحدة اليقظة.”.
لهب شمعة يعيدك حالاً الى البيت القديم كضوء الفانوس الذي احتفظ به منذ عشرين سنة واشتريته من رصيف مغربي وعندما حملته معي كما لو انني أحمل تاريخاً ضائعاً. لهب الفانوس يرتعش أيضاً ويبقى عمودياً حتى عندما تذبل الفتيلة كما لو انه يبقى محتفظاً بكرامته.
قبل زمن المصابيح في العراق كان هناك زمن الفوانيس التي تُشعل في المساء وتنطفئ في الفجر من شخص مسؤول في البلدية وكان الفانوس يضيء القلوب والشارع وتتحول البيوت الى بيت واحد مطلي بالظلال. “زمن الفوانيس” في الذاكرة العراقية رمز لحقبة كاملة من الدفء العام، والبساطة، والتكافل، قبل زمن المشانق والعنف الثوري.
عندما ينطفيء المصباح لا يترك أثراً غير الظلام لكن انطفاء شمعة يترك أحلاماً وصوراً جمالية ورائحة عطرة. سقوط المصباح بلا شاعرية كسقوط معدن بارد في حين انطفاء الشمعة يتحول الى ذكرى خالدة ونهاية شاعرية.
أسوأ اللحظات التي يمكن تذكرها في علاقتي المستمرة مع الشمعة هو انها تذوي وتذبل وتحتضر بصمت. تواضع مهلك وساحر وآسر. لقد رأيت هذا الانطفاء في عيون محتضرين خلال حربين. وداع صامت لكن صاخب.
رعشة الشمعة صورة لمشاعرنا. ثنائية غريبة بين لهب مرتعش لكنه يولد سكينة روحية. ترقص لك لكي تطمئن لذلك تتواجد في دور العبادة والحب والحزن. إن ما تشعر به أمام حلم يقظة أمام شمعة يجعلك لا تحتاج الى أن تبرر وجودك بل تعيشه بامتلاء كنوع من الايمان البدائي. هروب من المنطق الجاهز الى صور الظلال. يقول باشلار” الشمعة صانعة صور”.
” أمام المصباح، نحن موظفون أو طلبة أو عاملون. أمام الشمعة، نحن “حالمون”. قد يضيع الوقت أمام شمعة لكن تتم استعادة الذات. هذا النوع من الاحلام هو” وعي حالم” .
أي أنك تعلم وتعرف أنك تحلم. هذا يحدث حتى من خلف نافذة قطار: ما تراه يتراجع، يخلق في الذاكرة صوراً غير متوقعة لأن حلم اليقظة يحرر من الضوابط اللاجمة والمخاوف ويطلق الخيال كما يُطلق جواد لأول مرة في برية مفتوحة على النهار والعشب والأفق.
لو سقطت دمعة من أحد يوماً أمام لهب شمعة، فلن تزول من الوجود أبداً في حين سيزول كل البشر. إنها فقط تتحول من سائل الى بخار وتعود الى البحر وقد تشربها يوما أو تستحم بدمعك او الى الحقول، في حين يتحول الانسان الى نفاية في حاوية ــــــــ قبر.
قطرة الندى كانت موجودة منذ مليارات السنين وستظل. لا تموت بل تتحول. علماء كبار أثبتوا ان للقطرة سيرة ذاتية عميقة لا يمتلكها إنسان. ماذا لو التقى الانسان بدموعه؟ لا يدرك الانسان ان حياته كلها ومضة لا تساوي شيئا امام تاريخ قطرة ماء من الازل الى الابد.
بورخيس نسي اشعال المصباح لأنه كان أمام ضوء باهر في الغسق، وباشلار يقول ان لهب شمعة يضيء الخيال وينتج الاحلام في حين المصباح يقدم لك صوراً ثابتة عن الأشياء ، جدار، طاولة، باب، سرير ، بلا أية فرصة للتأويل كنص مغلق.
يحتاج الخيال الى لهب مرتعش يحول الأشياء الى احتمالات ومن يدري عندما لا تكون وحيداً تلك اللحظة، ربما ستنسى أيضاً في لحظة خالدة غسقية أن تشعل المصباح.
ـــــــــــــ الحكاية المضادة: تاريخ مدينة من زمن الفوانيس الى زمن المصابيح والمشانق، من البراءة والطبيعة والعفوية الى زمن العنف الثوري والعدو الفكري وانهيار النسيج الاجتماعي المتماسك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى