
ـــــ “ارسلوا لنا أسماء أسوأ السيئين لغرض إعدامهم”* برقية عام 1985 من صدام حسين لقادة وأمراء الوحدات الأمامية.
هذه البرقية يتذكرها جيدا الضباط القادة والأمراء القدماء بطلب اعدام جنود يقاتلون في الخطوط الامامية مما خلق أزمة ضمير لدى القادة والأمراء. من يحدد من هو السيئ وحسب أي معيار؟ هل هناك فائض بشري يجب التخلص منه؟ في الفجر وصلت برقية تلغي السابقة. تحت أي عقار وحالة نفسية صدرت البرقية الأولى؟ من هو العدو الحقيقي في الأمام أم في الخلف؟.
في مثل هذه الايام من آذار 1988 كنت في ضيافة” العدو” ومصادفة كانوا من الحرس الثوري الايراني في الفجر وتلك ليست المرة الأولى التي أجد نفسي في ضيافة العدو وقد لا تكون الأخيرة حتى في المنفى وتلك قصة أخرى سيأتي وقتها،
خاصةً وأن مفهوم العدو في العراق ملتبس وعائم وسيّال قابل للتغيير.
كل مكان تلك الايام قد يتحول الى خطوط امامية كغرف النوم والشارع والمقهى والعمل وحتى الاحلام تتحول الى كوابيس مداهمة. تم غزو اللاوعي آخر مساحة للأمان والأسرار.
مفهوم العدو في العراق قد يتغير كأخبار الطقس. في زنزانة في الأمن العام في 20 مايس 1978 سألت عريان السيد خلف الذي أدخلوه مع حفلة شتائم ببدلة الأورزدي باك الموحدة والأناقة المفرطة التي تتناقض مع المكان:
” وين صادوك؟”
وهي عبارة رجال الامن” صدناه” كما لو أننا حيوانات في غابة.
قال” في حانة سرجون”.
كانت آخر قصيدة لعريان السيد خلف في جريدة طريق الشعب قبل أيام من القبض عليه بعنوان” الشجرة الخاوية” وتعني ان الشجرة الخاوية تطيح والشجرة القوية الجذور تصمد لكن هذه الشاعرية تختفي أمام القارصات الكهربائية على الاجزاء الحساسة في الجسم وأجهزة التعذيب الحديثة من أوروبا الشرقية الاشتراكية والغربية.
تلك الحانة في شارع ” أبو نؤاس” على ضفة نهر دجلة كانت مأوى وملاذا لليساريين والشيوعيين والمخبرين ورجال الأمن والشعراء والوجوديين والتروتسكيين والعدميين والعشاق المهجورين والقوادين وكما يذكر الشاعر والروائي فاضل العزاوي إن ضابط التحقيق سأله:
” لا أعرف هل انتم من الشيوعيين أم من المناويك؟”.
في حملات الأمن على بعض المقاهي والحانات المعروفة بملاذ للشعراء والادباء والمثقفين المنتمين والمستقلين وحتى لعابري سبيل يجري أخذ الجميع للسجن وهناك تتم التصفية.
في مقهى أمام سينما” الخيام” في الفرع الذي يربط شارع الرشيد بشارع الجمهورية وفي هذه المقهى تم القبض على شخصية اسماعيل في رواية” القلعة الخامسة” لفاضل العزاوي كسياسي ــــــــــــــ اختار العزاوي الاسم اسماعيل تذكيرا بذبيح النبي ابراهيم كقربان ــــــــــــ وكان في الحقيقة قادما يبحث عن بنت ليل وصار زعيم التنظيم في السجن وفي القلعة الخامسة.
هكذا تسيس السلطة الغاشمة الناس الابرياء وتحول البسيط الى عدو سياسي.
كنت يوما مع المهندس علي شمة النعماني في “سرجون” في نقاش حاد حول زيارة النائب صدام حسين الى كوبا عام 1978 ـــــــــــــــ كانت شاشة التلفاز تعرض مشاهد الزيارة ـــــــــــــ وكان النعماني متفائلاً إن الرفيق كاسترو سيقنع صدام حسين بوقف الحملة على الشيوعيين وفي نشاف الريق والغضب قلت:
” لا رفيقك كاسترو ولا غيره قادر على اقناع هذا السرسري وهذه حملة منظمة منذ سنوات”.
فصرخ في وجهي:
” أنت متطرف في كل شيء”.
قلت:
” شوف علي، مع اني لست عضوا في حزبكم لكن تأكد ستجمعنا يوما زنزانة واحدة”.
بعد منتصف الليلة التالية كان علي شمة النعماني معي في الزنزانة وأشحت بوجهي عنه خوفاً من أن يعترف تحت التعذيب بشتيمتي القاتلة للنائب ولست خائفاً من شيء آخر لأنني طريد القريتين كما اليوم وغداً .
لكنه رأني وقد أصيب بالخرس من جراء التعذيب وخرج وكتب لبعض الأصدقاء أنه شاهدني في السجن مع الدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرة وقد أعدما ومع المهندس كفاح الجواهري إبن الشاعر وسمير الحلوائي شقيق جاسم الحلوائي عضو اللجنة المركزية للحرب الشيوعي وفي كل ليلة ضيف جديد.
في ايران في الاحواز عام 1988 التقيت بالنعماني مع الصديق عبد الأمير جعفر أبو كاترين ـــــــــ في الدنمارك اليوم ـــــــــــ وتحدثنا عن تلك الساعات الفظيعة. قال: ” لقد رأيتك”.
من هو العدو فعلاً؟ كيف يمكن توصيفه في هذا الانبثاق اللامنتهي للأعداء، في الداخل والخارج؟ في الحروب العدوانية أقذر كلمة عند الجنود
هي كلمة نصر لأنها تعني رائحة الموت واليتم والجثث والمواعيد الملغية والأشواق القتيلة، هي النوافذ الزرق والشوارع الصامتة التي يقطع صمتها
قدوم جنازة وصرخة تحت المطر في الليل.
يوم تركت الحرب كنت في ضيافة الحرس الثوري وكنا قبل ساعات نتراشق معاً بالرصاص ثم شركاء في الحساء بعد الهروب في الفجر،
وبحكم النشأة فإن عقلي مجهز لكل أنواع التقلبات والصدمات وغير المتوقع والمدهش والغريب والاستثنائي.
عندما تقضي الليل في صراع مع جرذ كبير ينتظر موتك وأنت في خندق
موحل ومطر والمسافة بينك وبين العدو تقاس بالأمتار وأنت مزروع
في الأرض الحرام تسمى” الحجاب ” كإنذار مبكر في حفرة مغطاة بالعشب للتمويه بين جيشين يتبادلان الرصاص والقصف والشتائم وكل شيء يعبر من فوقك، عندها تعرف أن كل ما شاهدته وقرأته عن الحرب في السينما والروايات عن الحروب هو هراء من كتاب صالونات وغرف آمنة.
عندما يحدث ذلك في هذه العزلة الباردة على الحافة الاخيرة للحياة سيكون عليك أن تختار من قلب الجحيم طريقك حتى لو كان الثمن هو الموت.
هذا النوع من الواجبات يعرفه الجنود الذين شاركوا في حرب ما: العمل في الحجاب أو التنصت قرب العدو او في حالات خلف الخطوط،
وليس عليك أن تفعل شيئا، قبل أن تُقتل أو تقع في الأسر أي شيء سوى التنصت والابلاغ الفوري عن أي هجوم من خلال هاتف ميداني صغير بلا جرس سوى الضوء لكي لا يسمع العدو رنين الجرس.
عادة يتم اختيار الجنود من” أصحاب السوابق” كالسجناء لأسباب سياسية أو من شقيقه هارب أو معدوم أو من عليه” علامة استفهام” ـــــــــــــــــــــ الغريب أن النظام واحزاب المعارضة تضع هذه العلامة التي وجدتها في المنافي ايضا ولا تزول بكل المساحيق والتجارب ــــــــــــ أو تقارير أمن المنطقة التافهة ولاٍسباب أتفه من شرطي أمن جاهل أو من صديق كما كشفت التقارير بعد الاحتلال.
إن قتلنا في حرب تخلصوا منا، فائض بشري وهوامش يجب أن يزول.
المسافة قريبة جدا من العدو وفي مخبأ تحت الأرض مغطى بأعشاب والمكان لا يبعد أكثر من 50 متراً من الجيش الايراني والحرس الثوري وكنت أسمع الضحكات والاصوات والسيارات من خلال فتحة صغيرة .
لا يستطيع أحد لم يعش تلك التجارب أن يحكم كيف كنا نشعر ونفكر لأن عقل الانسان يتحوّر حسب حالات خاصة ولا يخضع للتحليل المنطقي، وأي منطق في الحرب؟
في الحقيقة كنتُ منفياً ومتروكاً للصدفة في الأرض الحرام المنطقة العازلة بين جيشين، وقنابل ورصاص الطرفين يعبر من فوقنا ومعي جندي رفيق شاء القدر او الصدفة ان يكون اسمه “تايه” من العمارة ميسان وكان علينا النزول للحجاب في المساء مع الظلام والبقاء حتى الفجر والانسحاب تحت الضباب.
من المستحيل الخروج من الحفرة أو المخبأ. كنا نسمع أصوات السيارات والحرس الثوري. كان شعورنا نوعاً من اللامبالاة الباردة وربما الشعور الداخلي العميق في أنني لست طرفاً في الحرب وخارج أي جيش وهي تسوية بقاء يقيمها العقل للتوازن، ربما الاحساس انك لست بشراً بعد حوالي ثماني سنوات حرب يبدو لا تنتهي وقبلها سبع سنوات حرب في الجبال ولو قضيت هذه السنوات كعازف في فرقة موسيقية لاصبت بالصداع المزمن او طنين الاذن.
انت لست أكثر من قطعة أثاث مرمية في هذه الوحدة الباردة وربما اليقين في أنك لا تملك ما تخسره وعدا القتل فأنت أسير هنا في الوطن، وأسير هناك.
في الفجر الضبابي حيث تصبح الرؤية لمسافة أمتار قليلة تحجب رؤيتي من الطرفين، قررت الخروج من الجحر بعد انسحاب الجندي، خلفي عدو وامامي عدو وتحتي حقول الغام، وفوقي رصاص.
لست غبياً لكي أقضي حياتي حارساً لحفلات الفنادق الكبرى ومراقص الليل ولشركات النفط ولجمهورية يقودها معتوه ومختل سيكوباتي قدم من الشوارع الخلفية ومن زمن الغابات والكهوف والدينوصرات وغفلة الناس والتاريخ.
هذا يكفي. من غير المعقول أن يقضي انسان من عام 1974 ــــــــــــــ 1988 في حروب يتخللها سجن بين حربين وهدنة عمل لشهور. هذا جنون سلطة في عسكرة الرجال للسيطرة والضبط والتحكم بذريعة حرب.
هذه تقليد ” لمعسكرات غولاغ” ستالينية في سيبريا للمختلفين التي كتب عنها الروائي الروسي ألكسندر سولجينيتسن. روايته” أرخبيل غولاغ” ونال جائزة نوبل لكن الفارق بين غولاغ ستالين وصدام حسين أن الأخيرة مزيج من الاستهتار والجنون والضحالة الاخلاقية وهزائم متكررة في حين يجر ستالين خلفه انتصارات كبيرة على وحشيته. صدام تافه ووضيع وسطحي.
أدرت ظهري للمرة الاخيرة واتجهت نحو العدو الواضح . في الارض الحرام فوق حقول الغام جيشين انت عدو للطرفين وهدف مشروع كما لو انك فوق ارض من خارج هذا العالم. نوع من الوحدة الباردة والتخلي.
بعد دقائق كنت في ملجأ للحرس الثوري نتناول الحساء كإفطار ومن الغريب انني لم أشعر بأمان يوما كما في تلك اللحظات كما لو ان الانسان عندما يتخلى من كل أمل يشعر بالحرية وتذكرت عبارة على الشاهدة الرخامية لكازنتزاكي وهي مقطع من روايته “زوربا” تقول:
” لا أخاف من شيء، لا آمل في شيء، أنا حر”.