
وليس لأنني أُريد، بل أكتبُ للهروب من كلّ ما يشغلُ بالي وفِكري، أبدو مُشتّتة، كأنّ رأسي غرفة مزدحمة بالأصوات، وكلّ صوت يطالبني بشيء لا أستطيع منحه، أكتب لأنّ الصمت صار أثقل من الكلام، ولأنّ الكلمات وحدها تفهمني حين أعجز عن شرح نفسي للآخرين.
أكتبُ لأنّ قلبي مُرهَق، يحمل أسئلة أكثر ممّا يحتمل، ويُخفي وجعًا لا يعرف له اسمًا، أكتبُ لأنّني سئمتُ التظاهر بالقوّة، سئمتُ الابتسام في وقتٍ أحتاج فيه أن أُغلق العالم وأجلس مع نفسي قليلًا، أكتبُ لأنّني ضائعة بين ما أريده، وما يُراد منّي، وبين ما أشعر به، وما يجب أن أشعر به.
أكتبُ لأنّني أخاف أن أتراكم في داخلي حتّى أنفجر، فأترك الحروف تخرج واحدة تلو الأخرى، علّها تُخفّف عنّي، علّها تُرتّب فوضاي، علّها تُخبرني أنّ ما أمرّ به إنساني، وأنّ التشتّت ليس ضعفًا، بل علامة على قلبٍ يفكّر أكثر ممّا ينبغي.
أكتبُ وأنا لا أبحث عن حلّ، ولا عن نهاية سعيدة، أبحث فقط عن لحظة هدوء، عن نفسٍ عميق، عن شعورٍ بأنّني ما زلتُ هنا، ما زلتُ أشعر، وما زلتُ أُحاول، أكتبُ لأنّ الكتابة تشبهني حين أضيع، وتحتويني حين لا أجد من يحتوي قلقي.
ربّما لا تُغيّر الكتابة شيئًا ممّا حولي، لكنّها على الأقل تُنقذني من نفسي قليلًا، تُمسك بيدي وسط هذا الضجيج، وتهمس لي بأنّ كلّ هذا سيمرّ، وأنّني لستُ وحدي، حتّى وإن شعرتُ بذلك الآن.